آراء

ضد التصور الأسطوري للشيطان (15)

27-12-2020 | 13:54

إن المتعصبين لا يقرأون، والأعجب أنهم لا ينصتون، وإن أنصتوا فهم لا يستمعون، فينسبون للمتحدث كلاما لم يقله، ويحرفون الكلم عن مواضعه، وهذا دأب الكهنة المزيفين قديما وحديثا، ودأب جماهيرهم التي تنقاد وراءهم انقياد القطيع إلا من له عقل نقدي يراجع به نفسه.

وتلك ظاهرة رصدها القرآن الكريم عن أصحاب العقول المغلقة في قوله: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ) (الفرقان: 44). وعندما يسمع المتعصبون للآخرين، فإنهم لا يسمعون إلا صدى أفكارهم المشوهة عن الآخرين، أو هم يعرفون الحقيقة لكنهم يريدون صنع بطولات زائفة للدخول في معارك وهمية بالتدليس وصنع سحب من الضباب حول أفكار الآخرين! إنهم يعدون الخوارج التكفيريين القتلة للأبرياء

من أهل القبلة! لكنهم يعدون الدفاع عن القرآن والسنة الصحيحة ضد الفرق المتطرفة خروجا عن جادة الصواب. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إنهم ينحازون إلى الفرق العقائدية المتناحرة ضد بعضها البعض، ولا يحتكمون إلا إلى كتب وأقوال الفرقة التي ينتمون إليها. وإذا اقتربت من بطلان كلام بعضهم ومخالفته للقرآن والسنة المتواترة، اتهموك في دينك على الرغم من إيمانك بكل ثوابت الدين وأركانه، وعلى الرغم من أنك تدافع عن الدين الخالص في مواجهة الأباطيل!

إنني أحب الغزالي القديم رحمه الله تعالى، لكن محمدا صلي الله عليه وسلم أحبّ إليَّ. وربما تعجبني بعض أقوال الغزالي ولا يعجبني بعضها الآخر من المخالف لصحيح الدين وصريح المعقول. لكني أحب كل أقوال محمد صلى الله عليه وسلم المتواترة الصحيحة عنه. وربما نقرأ المرويات الأسطورية من قبيل الدراسة أو الاستمتاع الأدبي بالأساطير كلون من ألوان التسلية، لكننا لا نأخذ عنها ديننا مثل الغزالي الأشعري وغيره، فديننا لا نأخذه إلا عن ربنا سبحانه ورسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم.

والغزالي رحمه الله على الرغم من أني أحبه، وعكفت على كتبه في مطلع الشباب، قراءة ودراسة، وقمت بنشر العديد منها بعد دراسة وتحقيق ومراجعة من لجان علمية، في العقد الثامن من القرن الماضي في كبرى دور النشر، فعلى الرغم من ذلك فإن عقلي ومرجعياتي من القرآن والسنة الصحيحة وعلوم الحديث وعلوم القرآن، جعلتني لا أقبل منهجيته في كتاب (إحياء علوم الدين) التي أدخلت في الدين ما ليس منه اعتمادا منه على أساطير وإسرائيليات وأحاديث ضعيفة وموضوعة وروايات عن بعض السلف غير متحقق من صحتها.

ونعطي في مقال اليوم مثلا جديدا، يعكس الثقافة الأسطورية المحقرة للمرأة بوصفها حليفا للشيطان! وهي الثقافة المخالفة لصحيح القرآن الكريم في آياته البينات، ولسنة النبي الكريم الصحيحة المحبة للمرأة كإنسان كامل الأهلية.

ففي أحد كتب (إحياء علوم الدين) (ج 3/ ص 99- 100)، ويطلق عليه الغزالي (كتاب كسر الشهوتين)، وهو الكتاب الثالث من ربع المهلكات، يذكر الغزالي مجموعة من المرويات الضعيفة والإسرائيليات بالنص التالي:«وعن ابن عباس في قوله تعالى (ومن شر غاسق إذا وقب)، قال: هو قيام الذكر. وقد أسنده بعض الرواة إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا أنه قال في تفسيره: «الذكر إذا دخل. وقد قيل: إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلثا عقله».

وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وبصري وقلبي وهني ومني». وقال صلى الله عليه وسلم: «النساء حبائل الشيطان ولولا هذه الشهوة لما كان للنساء سلطنة على الرجال». روي أن موسى عليه السلام كان جالسا في بعض مجالسه إذ أقبل إليه إبليس وعليه برنس يتلون فيه ألوانا، فلما دنا منه خلع البرنس فوضعه ثم أتاه فقال: السلام عليك يا موسى، فقال له موسى: من أنت؟ فقال: أنا إبليس. فقال: لا حياك الله، ما جاء بك؟ قال: جئت لأسلم عليك لمنزلتك من الله ومكانتك منه. قال: فما الذي رأيت عليك؟ قال: برنس أختطف به قلوب بني آدم. قال: فما الذي إذا صنعه الإنسان استحوذت عليه؟ قال: إذا أعجبته نفسه واستكثر عمله ونسي ذنوبه، وأحذرك ثلاثا لا تخل بامرأة لا تحل لك، فإنه ما خلا رجل بامرأة لا تحل له إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أفتنه بها وأفتنها به، ولا تعاهد الله عهداً إلا وفيت به، ولا تخرجن صدقة إلا أمضيتها، فإنه ما أخرج رجل صدقة فلم يمضها إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه وبين الوفاء بها. ثم ولى وهو يقول علم موسى ما يحذر به بني آدم.

وعن سعيد بن المسيب قال: ما بعث الله نبيا فيما خلا إلا لم ييأس إبليس أن يهلكه بالنساء ولا شيء أخوف عندي منهن، وما بالمدينة بيت أدخله إلا بيتي وبيت ابنتي أغتسل فيه يوم الجمعة ثم أروح. وقال بعضهم: إن الشيطان يقول للمرأة: أنت نصف جندي، وأنت سهمي الذي أرمي به فلا أخطئ، وأنت موضع سري، وأنت رسولي في حاجتي، فنصف جنده الشهوة ونصف جنده الغضب.

ولنعد سريعا إلى الدليل الذي عرضناه للغزالي فهو أولا يفسر آية كريمة بحديث لا أصل له كما قال الحافظ العراقي، وهو حديث ابن عباس في قوله تعالى (ومن شر غاسق إذا وقب)، قال: هو قيام الذكر. وقد أسنده بعض الرواة إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا أنه قال في تفسيره : «الذكر إذا دخل»! وهو بذلك يخالف كل معايير اللغة وضوابط علم الحديث ومقاصد القرآن الكريم! ولن أعلق أكثر من ذلك الآن على هذه النقطة - أيها القارئ الكريم- فقد أوشكت مساحة المقال على الانتهاء، فقط اعمل عقلك وكتاب ربك في مدى فسادها ومخالفتها لصحيح المنقول وصريح المعقول.
وبقية التعليق على هذا النص المخالف لصحيح الدين في المقال القادم إن شاء الله تعالى.

نقلاً عن

ضد التصور الأسطوري للمرأة (8)

هل تجاوز الخطاب الديني البشري التقليدي حدود الوحي في تفسيره للقرآن الكريم؟ وكيف استخدم التصورات والقوالب النمطية المتوارثة من بعض الأعراف الاجتماعية أو من قصص الأولين دون أسانيد من الوحي الكريم؟

ضد التصور الأسطوري للمرأة (7)

يظهر لنا يوما بعد يوم بطلان طريقة التفكير القائمة على إصدار أحكام عامة دون تمييز، تلك الطريقة التى نجدها فى الخطاب الدينى البشرى التقليدي، والتى تكرر الأنماط

ضد التصور الأسطورى للشيطان (11)

سوف تستمر المعتقدات المزيفة طالما ظل يتمسك البعض بإتباع الفرق وتقديس الرجال، وسوف يستمر الإيمان بالأباطيل طالما يصر بعض المتحدثين باسم الدين على التمسك

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة