آراء

في دلالات الهجوم الإلكتروني على أمريكا

23-12-2020 | 14:09

كشفت الهجمات الإلكترونية غير المسبوقة التى تعرضت لها الولايات المتحدة خلال الأسابيع الأخيرة عن حجم الضرر الكبير والاختراق الواضح لمنظومة الأمن السيبرانى الأمريكى، حيث استهدفت الهجمات الإلكترونية مواقع إستراتيجية وقطاعات حيوية فى الولايات المتحدة مثل وزارات الخزانة والصحة والبنية التحتية ووصلت إلى الترسانة النووية الأمريكية، وتسببت فى أضرار كبيرة لأمريكا أبرزها حدوث شلل وتعطل فى الكثير من المنشآت الحيوية وأنظمة التشغيل الإلكترونى الخاصة بها، إضافة إلى نسخ ملايين المعلومات والبيانات عن تلك القطاعات الحيوية ومنها القطاع النووى، إضافة إلى تضرر آلاف شركات القطاع الخاص التى تعمل وفقا لأنظمة تشغيل معينة اخترقتها الهجمات الإلكترونية، وقد وصل الأمر إلى حد وصف البعض بأن ما تعرضت له أمريكا بمثابة هجوم بيرل هاربر جديد ولكن إلكترونيا.

والواقع أن هذا الهجوم الإلكترونى غير المسبوق فى حجمه وتداعياته، يكشف إلى حد كبير عن الخلل فى منظومة الأمن السيبرانى لأمريكا، القوى العظمى الأولى تكنولوجيا فى العالم، ويوضح هشاشة القوة الأمريكية خاصة بعد قضية التدخل الأجنبى، خاصة الروسى فى الانتخابات الأمريكية عام 2016 واختراق حواسيب الحزب الديمقراطى والحصول على ملايين الإيميلات وتسريبها. كما أن هذا الهجوم أوضح خطورة الاختراق السيبرانى وتهديده الأمن القومى للدول وأضراره الضخمة على المنشآت الحيوية وعلى قدرته فى إحداث شلل وتعطل للقطاعات الحيوية سواء فى المجال الاقتصادى او الخدماتى أو فى المجال العسكرى والأمنى.

ولذلك أصبحت الحروب الإلكترونية والقرصنة أحد أشكال الحروب الحديثة التى لا تقل فى ضراوتها وخسائرها وضحاياها عن الحروب العسكرية التقليدية بين الدول أو حتى الحروب الأهلية والإرهاب، وأصبحت مقومات القوة الشاملة للدولة تقاس ليس فقط بقوتها العسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية، بل أيضا بقدراتها فى المجال السيبرانى والإلكترونى. وفى العقد الأخير ومع تراجع الحروب والمواجهات العسكرية المباشرة بين الدول، خاصة الدول الكبرى، ولجوئها إلى الحروب بالوكالة، خاصة فى الصراعات والحروب الأهلية داخل الدول، فإن الحرب الإلكترونية أصبحت أحد الأسلحة الفاعلة فى تنفيذ أجندة السياسة الخارجية للدول تجاه الدول الأخرى، سواء عبر التدخل فى النظم الانتخابية وإحداث تأثيرات فى الرأى العام لتوجيه مسار العملية الانتخابية، او من خلال الاختراق المباشر لأمن المعلومات فى تلك الدول للحصول على معلومات حيوية ومهمة وإيقاع أضرار كبيرة بتلك الدولة، وهو ما حدث مع الهجمات الإلكترونية الأخيرة على أمريكا، والتى كشفت أن وراءها أجهزة استخباراتية دولية قادرة على فعل ذلك.

وقد اتهم وزير الخارجية مايك بومبيو وأعضاء فى الكونجرس الأمريكى روسيا بالوقوف وراء تلك الهجمات الإلكترونية، بينما قلل الرئيس ترامب من الدور الروسى ورجح أن تكون الصين وراء هذه الهجمات، وهو ما سيدفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ إجراءات انتقامية تجاه الجهات والدول التى تقف وراء هذه الهجمات فى إطار رد الاعتبار للهيبة الأمريكية، واتخاذ إجراءات رادعة تجاه تلك الدول لمنع تكرار تلك الهجمات، التى حدثت فى السابق فى عهد الرئيس باراك أوباما، ومن ثم ستصبح الحرب السيبرانية والقرصنة الإلكترونية والاختراق أحد أبرز صور الصراع فى النظام الدولى خلال الفترة المقبلة خاصة فى ظل تزايد عدد الدول التى تلجأ لمثل هذه الحروب مثل روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية وأمريكا، وامتلاك العديد منها قدرات تقنية عالية قادرة على الاختراق وانتهاك الأمن القومى للدول.

ولهذا فإن هذا الصراع الدولى الإلكترونى وسباق التسلح فى المجال السيبرانى من شأنه أن يمثل تهديدا للسلم والأمن الدوليين بسبب أضراره الكبيرة على المجتمع العالمى سواء فى الناحية الاقتصادية أو فى الناحية الأمنية او فيما يتعلق بأمن المجتمعات والمجالات الحيوية.

ويعانى القانون الدولى فراغا فى مجال الاتفاقيات والمواثيق الدولية الخاصة بالأمن السيبرانى، سوى عدد قليل منها وبعض هذه الاتفاقيات والمواثيق تعالج قضايا معينة مثل اتفاقية بودابست بتاريخ 23 نوفمبر عام 2001 الخاصة بمواجهة الإجرام المعلوماتي، واتفاقية الأمن فى الفضاء السيبرانى التى وقعت فى باريس فى 2018 ووقعتها أكثر من 50 دولة و130 شركة خاصة و90 منظمة غير ربحية ورفض توقيعها عدد من الدول التى لها سجل فى الهجمات الإلكترونية مثل كوريا الشمالية وإيران والصين وروسيا وإسرائيل.

كذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة فى نهاية عام 2019 بخصوص الجرائم السيبرانية، والذى يعد إيذانا ببدء عملية صياغة معاهدة دولية جديدة لمكافحة جرائم الإنترنت أو ما يعرف بـالجريمة السيبرانية حيث ينشئ القرار لجنة خبراء تمثل جميع مناطق العالم لوضع اتفاقية دولية شاملة لمكافحة استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لأغراض إجرامية من أجل مكافحة استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لأهداف إرهابية أو تحض على العنف والكراهية.

وبالتالى هناك حاجة ضرورية لاتفاقية دولية شاملة وجامعة للأمن السيبرانى تحت مظلة الأمم المتحدة ويتم إقرارها بقرار من مجلس الأمن الدولى وفقا للفصل السابع، لوقف هذه الهجمات الإلكترونية على الدول والمؤسسات واتخاذ إجراءات عقابية تجاه الدول والأطراف التى تقف وراء تلك الهجمات، كذلك الحد من سباق الاختراق السيبرانى بين الدول.

نقلاً عن

بايدن والدور الأمريكي في الأزمة الليبية

فى مقاربة أمريكية جديدة تجاه الأزمة الليبية طلب القائم بأعمال المبعوث الأمريكى فى مجلس الأمن خروج كل القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا فى تحول واضح للسياسة

خيارات إيران فى الرد على اغتيال زاده

خيارات إيران فى الرد على اغتيال زاده

بايدن ومدى التغير في السياسة الأمريكية تجاه إيران

تنفست إيران الصعداء مع هزيمة الرئيس ترامب فى الانتخابات وفوز المرشح الديمقراطى بايدن، انطلاقا من أن ترامب اتبع سياسة أقصى الضغوط عبر العقوبات تجاهها وتجاه

الشرق الأوسط بين ترامب وبايدن

تتسم الانتخابات الأمريكية 2020 بأهمية كبيرة ليس فقط داخليا بل أيضا عالمي، لما قد يترتب عليها من تداعيات مهمة على السياسة الخارجية الأمريكية خاصة تجاه منطقة

ترامب وبايدن.. أوراق القوة ونقاط الضعف

ترامب وبايدن.. أوراق القوة ونقاط الضعف

أمريكا والسودان.. من العداء إلى التقارب المشروط

أمريكا والسودان.. من العداء إلى التقارب المشروط

تركيا وسياسة خارجية تصادمية

تركيا وسياسة خارجية تصادمية

الخيارات الأمريكية في الضغط على إيران

تعد قضية الملف النووى الإيرانى مثالا واضحا على فشل مجلس الأمن الدولى فى أداء دوره فى حفظ السلم والأمن الدوليين وذلك بسبب اعتبارات غلبة المصالح على اعتبارات

نموذج الإمارات فى التنمية والسلام

نموذج الإمارات فى التنمية والسلام

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة