آراء

التنوير المادي والعلمانية الفرنسية

22-12-2020 | 13:11

لم يكن تيار التنوير الروحى هو النغمة الوحيدة فى الفكر الغربى الحديث، بل ترافق معه تيار مادي، تصور وجود مباراة صفرية بين الدين والعلم لابد فيها من فائز ومهزوم، مارس نقدا جذريا للكتاب المقدس أخضعه للمناهج الوضعية والنزعة التاريخية، فلم يعتد بأى بلاغيات خاصة بتفسيره، على نحو وشى بمجافاته لروح العقل ووقائع التاريخ، وأثار موجات إلحاد متوالية عبر عنها بوضوح فلاسفة مثل فيورباخ وماركس وفرويد، وبلغت ذروتها مع نيتشه الذى أعلن صراحة موت الإله.

أسس هذا التيار لعلمانية فائقة (وجودية) تتجاوز علمنة السلطة إلى علمنة الأخلاق، لا تكتفى بدفع الدين إلى حيز الضمير الفردى بعيدا عن المجال العام السياسى بل تسعى إلى تصفيته من الوجدان الفردي، وحرمانه من دوره فى رفد نظام القيم الأخلاقى فى المجال الاجتماعي.

ومن ثم تعكس روحا اقتحامية للمقدس، تتحرش به وتسعى إلى تدنيسه، ليس بالضرورة عن طريق شتمه صراحة، بل عبر إهداره ضمنا بالتعاطى فقط مع ما هو ظاهر وملموس فى الوجود، نستطيع أن نفهم كنهه بالتحليل والتعليل، وليس مع ما هو خفى وباطن فيه، يعطى أثره بالإيحاء والإلهام خصوصا مفاهيم: الألوهية، الوحى، والغيب، ليستحيل دنيويا عاديا.

يفضى هذا التيار إلى تجسيد الأنبياء، والوقوع فى فخ الإساءة إليهم دون تفرقة، فالإساءة للسيد المسيح سبقت كثيرا الرسوم المسيئة لنبينا الكريم، كما جرى فى عشرات الأعمال وعلى رأسها الفيلم البذيء (الإغراء الأخير للمسيح) الذى أثار ضجة كبيرة نهاية ثمانينيات القرن العشرين، فالمبدأ السائد هنا هو مطلقية حرية التعبير التى لا يصدها مبدأ آخر.

والواقع أن فرنسا (الجمهورية اليعقوبية) هى المؤسس لتلك العلمانية الفائقة، التى قلدتها تركيا الكمالية حتى بدايات الصحوة الإسلامية، والإمبراطورية السوفيتية قبل الانهيار الشيوعي، ربما بتأثير الميلاد العنيف للجمهورية والطبقة الوسطى (الثالثة) من رحم ثورة 1789م، على أشلاء الإقطاع الفرنسى الذى جسد النموذج المعيارى للإقطاع الأوروبي، وعرف ظاهرة الأقنان، أى عبيد الأرض الذين ينتقلون معها إلى ملاك الضياع الجدد.

وقد لعبت كنيستها الكاثوليكية دورا كبيرا فى الإبقاء على الواقع الإقطاعي، سواء لأنها امتلكت نصيبا يعتد به من الأرض، أو لأنها بقيت وفية لتقاليد يسوعية قديمة تمجد الفقر والضعف والهوان، وتدعو الفقراء إلى طاعة سادتهم باعتبارها تجسيدا لطاعة الرب، كونها ظلت بعيدة عن حركة الإصلاح البروتستانتى ولم تتأثر كثيرا بالنزعة الفردية الكامنة فيها خصوصا بعد أن تمكن مارتن لوثر من ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة الألمانية ليقرأه عموم الناس بعيدا عن سلطة القسس، أو بالإيجابية التاريخية التى بذرت جذور الرأسمالية باكتشاف جون كالفن لأخلاقية الربح البروتستانتية. بل إنها ظلت بعيدة عن الإصلاح الكاثوليكى الذى شهده مجمع (لاترانت) وأنتج كنيسة إنجليكانية فى بريطانيا، حافظت على العقائد الأساسية للكاثوليكية.

وعلى هذا مارست الجمهورية الفرنسية فصلا خشنا بين الدين والحرية، انطلاقا من تصور عن وجود تناقض جذرى يفرض الاختيار بينهما. بل حاولت وأد ما اعتبرته دين الكاهن (المسيحية)، فجرى الهجوم على الكنيسة وقنص أغلب ممتلكاتها، والانتقام منها بتحويل بعضها إلى معارض للرسم ومصانع للكحوليات خصوصا فى مناطق الريف الجنوبى والغربي. وإلى حانات ومحال بيع أحذية فى غرب باريس ومولان ونييفر وألييه، مع فصل القسس وتشريد الرهبان طوال عهد الإرهاب (1789 ـ 1794). ولم يخفف من غلواء هذا الهجوم إلا مرسوم نانت الذى رعاه نابليون بونابرت، مدركا بنافذ بصيرته حاجة المجتمع إلى استقرار لم يكن ليتأتى إلا بتبريد حرارة الاحتقان بين الدولة والكنيسة، فأعاد للأخيرة جزءًا من ممتلكاتها، وأعاد إلى العمل عددا كبيرا من رجالها.

وعلى الرغم من ذلك ظلت المسيحية محاصرة داخل نظام التعليم ببرنامج مدنى يتحدث عن قيم الجمهورية والعلمانية كديانة مقدسة، حتى صدور قانون العلمانية 1905م الذى فصل بين الدولة والكنيسة رسميا لكنه حاصر الكنيسة واقعيا حتى اضطرت فى المجمع الفاتيكانى الثانى (1962 ـ 1965) للاعتراف نظريا بالمبدأ العلماني، والتخلى عن كل امتيازاتها الدنيوية، والتحول إلى مجرد مؤسسة تعمل ضمن أطر المجتمع المدنى كأى جمعية أهلية. وأغلب الفلاسفة الذين عبروا عن إلحاد صريح أو قطعوا بموت الإله، وقد أشرنا لأبرزهم فى المقدمة، ينتمون إلى الفلسفة الألمانية، الأميل إلى الوضوح والقطع كاللغة الألمانية التى تنطق كل حروفها وتؤدى دورها فى الكلمة، وذلك عكس اللغة الفرنسية، حيث الكثير من حروف كلماتها مدغم لا يُنطق، مبهم على نحو يثير الخيال، ولذا فقد مال فلاسفتها المحدثون منذ ديكارت إلى الشك، كما مال مفكروها المعاصرون إلى التفكيك خصوصا ليوتار ودريدا.

يتبنى معظمهم الموقف اللاأدري، ويؤمن بعضهم بدين طبيعى كفولتير، ويدعو بعض ثالث إلى دين إنسانى كأوجست كونت، لكنهم لا يقطعون بموت الإله، ولا حتى يصرحوا بالإلحاد اللهم سوى دى هولباخ فى الموسوعة.

أما المفارقة التى تثيرها تلك المفارقة فهى أن التنوير الأكثر تصريحا بماديته فى ألمانيا لم ينتج علمانية فائقة معادية للدين، ربما لأن الدولة الألمانية الموحدة تأخر تشكيلها كثيرا ولم يكن لديها عداء واضح مع الكنائس البروتستانتية، ولذا فلم تستخدم أدواتها السلطوية لمحاربة الدين، أو تتبنى تعليما مدنيا معاديا له فى نظمها التربوية، على عكس فرنسا، حيث أنتج التنوير الأقل وضوحا فى إلحاده علمانية أكثر جذرية، لديها حساسية تجاه الدين، وانحيازا طاغيا لحرية التعبير كمبدأ مطلق لا يحده مبدأ آخر ولو كان حرية الاعتقاد.

وهو ما نفسره بطبيعة الموروث التاريخى الفرنسى المسكون بروح انتقامية خفية من طغيان الكنيسة السابق، وشعور الدولة (اليعقوبية) بالمسئولية التاريخية عن حماية العلمانية الفرنسية، على نحو ما عبر عنه الرئيس ماكرون فى سياق الدفاع عن رسامى مجلة شارلى إبدو، فاستفز جميع المسلمين..

نقلاً عن

التنوير الراديكالي ونزعة الشك الفرنسي

انطلق الفكر الأوروبى الحديث من الكوجيتو الديكارتى الذى وضع الفكر فى مقابل الامتداد. الفكر هنا يعنى العقل والروح وكل ما يمت للمعنويات كالعقيدة الدينية.

كانط. . رسول العقل الإنساني

اهتمت جل فلسفات التنوير بترقية الإنسان إلى موضع الكائن العاقل الحر، ومن ثم سعت إلى تحريره من قيدين أساسيين: أولهما المدركات الخرافية التي تعطل مسعاه في

الفلسفة المثالية بين التنوير والمسيحية

تحدثنا فى المقال السابق عن ثلاث مدارس في نظرية المعرفة تحكمت في أنماط التنوير الأوروبي: المثالية الذاتية، والتجريبية الحسية، والمثالية التجريبية. يشيع

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة