ثقافة وفنون

حكاية الريحانى مع المنصورة

15-12-2020 | 13:28

مسرح المنصورة القومى عام 1880

المنصورة ــ إبراهيم العشماوى

المنصورة، عروس الدلتا، كانت دوما على موعد مع المشاهير فى بداية القرن العشرين وتمثل مركزا للثقافة والفنون والإبداع، برموزها ومفكريها ومسرحها العريق الذى تم تشييده على الطراز الإيطالى وشهد عروضا لأساطين الفن والمسرح والسينما. وكانت أبرز هذه العروض ما قدمه رائد جمهورية الكوميديا، نجيب الريحانى الذى زار المنصورة مع فرقته مرتين. وأولى هاتين الزيارتين كانت مخيبة للآمال، حتى إن الريحانى سماها فى مذكراته «مقلب من الوجه البحرى». وجاءت الثانية بالتعويض حتى إن الجماهير هتفت له بضع دقائق على المسرح.  


القصتان يرويهما الريحانى عبر صفحات مذكراته التى صدرت عام 1959، ويؤكدهما الدكتور إيهاب الشربينى مؤلف كتاب «حكاية شوارع المنصورة وأحيائها». وجاء التمهيد لزيارات المنصورة فى رواية « توباز» للكاتب الفرنسى مارسيل بنيول، التى اقتبسها الريحانى مع رفيق إبداعه بديع خيرى فى العمل المسرحى «الجنيه المصرى».

وعن هذه التجربة، يقول الريحانى فى مذكراته: «كان إيراد الليلة الأولى ثلاثين جنيها، ثم تقهقر فى الليلة الثانية إلى ستة جنيهات، وبعدها أربعة ثم ثلاثة! شايف التعاديل! ثلاثة جنيهات! وأين؟ فى تياترو الكورسال الذى كان أكبر وأرحب تياترو فى مصر، يعنى أن الزبائن الذين جادوا علينا بالجنيهات الثلاثة، ما كانوش باينين فيه! فكان ذلك صدمة لنا وضربة قاصمة لظهورنا من ناحية».

الزيارة الأولى.. «عملة سودة»

ويضيف الريحانى فى رواية تفاصيل أولى زيارات المنصورة، قائلا: «لما لم تفلح الرواية فى القاهرة، أردت أن أرى أثرها فى غيرها. فقصدت المنصورة». ويقول إن بدايات هذه الزيارة لم تكن تفيد أبدا بما انتهت إليه: «كان بين ممثلى الفرقة شاب ممتلئ بالنشاط، هو المرحوم أحمد حافظ، شقيق الأستاذ عبد المجيد شكرى الممثل بفرقة الأستاذ يوسف وهبى» وتوضح المذكرات أن حافظ خرج بفكرة مفادها: «أن يسافر إلى المنصورة لترتيب حفلات تحييها الفرقة هناك. ووافق الجميع بالطبع، فغادرنا أحمد حافظ إلى المنصورة، ولم يمض عليه فيها يومين، حتى كتب خطابا إلى الأستاذ عزيز عيد يبشره فيه أن الدنيا «قهقهت» لنا مش بس ضحكت. وأن الطلبات تنهال عليه للحصول على التذاكر، وأن إيراد الليلة فى المنصورة لن يقل عن الستين جنيها ».
 
ويواصل الريحانى فى وصف تجربة المنصورة، قائلا: «(وظأططنا)، وانقلبت أتراحنا أفراحا، وظللنا ننتظر اليوم الموعود بصبر نافد. إلى أن حل الأوان، فقصدنا إلى «أرض الميعاد» … المنصورة، فى القطار الذى يغادر العاصمة قبيل الظهر. وأذكر أن أحدا منا لم يتناول طعاما إذ ذاك. لأن الحالة لم تكن تسمح بشراء رغيف واحد … ولو حاف. ولكى أكون أمينا فى سرد الحوادث أعترف بأننا اقترضنا أجرة سكة الحديد على الحساب..كل هذا ونحن نأمل أن نجد طعامنا فى المنصورة بعد تسلم الإيراد «العظيم» من الأمبرزاريو (المتعهد) أحمد حافظ. الله يرحمه ويحسن إليه».

ولكن المنصورة لم تستجب لأحلام الريحانى ورفاقه، فيقول: « شعبها( فى إشارة إلى مواطنى المنصورة) الله يصبحه بالخير لم ير فيها غير ما رآه القاهريون، بل قل إنهم كانوا شرا عليها من زملائهم هنا. فقد قابلوها مقابلة كلها هزؤ وزراية واستخفاف! وإنى لا أزال أحتفظ إلى اليوم بخطاب وصلنى من طالب بالمنصورة، يخلع على فيه من النعوت أشنعها ومن الشتائم أقذعها، وهو فضلا عن ذلك يحذرنى العودة إلى المنصورة بعد هذه (العملة) السودة! والعملة هى بالطبع تمثيل رواية (الجنيه المصري)!».

ويضيف: «بلغ إيراد الليلة الأولى أربعة جنيهات مصرية لا غير.. وفى آخر الليل وبعد التمثيل، خرجت من المسرح وحيدا فعثرت فى طريقى على بائع سميط عال، وجبنة رومى، فجرت بيننا مفاوضات انتهت بالرضا والاتفاق على شراء سميطة واحدة بالممارسة. ومعها قرطاس دقة ( فوق البيعة)».
ويحكى الريحانى فى متن ذات المذكرات أنه راجع مع أحمد حافظ إجمالى حصيلته النقدية، بغرض سداد إيجار المسرح، فلم يتوافر لديه إلا «ثمانون قرش صاغ ليس إلا»، وكان مبلغ الإيجار أربعة جنيهات. ولم يكتب للريحانى النجاة إلا بأيدى مجهول تدخل لدفع الإيجار. واضطرت الفرقة إلى فتح «قرض جديد فى المنصورة لأجرة العودة بسكة الحديد إلى القاهرة» .

ولم يتغافل الفنان الكبير عن جميل مواطن المنصورة الذى سدد إيجار المسرح، فيقول: «ولكى أخلص ذمتى. أقول بأننى بعد سنوات كثيرة من هذه الحادثة، وبعد أن ألفت فرقتى التى تحمل اسمى، ذهبت إلى المنصورة لإحياء حفلات بها. وقصدت إلى المكان المعهود خاصة لمقابلة ذلك (الجندى المجهول)، ودفع ما فى عنقنا من دين وفوقه ولو كلمة متشكر أو ممنون … إلخ، ولكن أقول مع الأسف الشديد إننى لم أعثر عليه طيلة إقامتى فى المنصورة..»

الزيارة الثانية ..

«فلتحيا المنصورة»

أما زيارة الريحانى الثانية للمنصورة فكانت بعد عدة سنوات ضمن رحلة فنية شملت أيضا دمياط وطنطا، ويحكى أنه نال هذه المرة استقبالا لم يكن يتوقعه فى المنصورة، ويظهر أن منشأ هذه الحفاوة ــ كما يقول الريحانى نفسه ــ « أن فيلم (سلامة فى خير) عرض فى المنصورة قبل أن نزورها، فأراد المنصوريون الكرام أن يظهروا (لمحسوبهم) لونا من ألوان التكريم، الذى اشتهروا به، فقابلونى تلك المقابلة التى لا أنساها!! وقد أطلق جميلهم لسانى بترديد الشكر لهم فى كل مجال ، وفى المساء قدمنا رواية (مندوب فوق العادة)، فما كدت أظهر على المسرح حتى استمر التصفيق بضع دقائق. وهذا عمل أعترف بعجزى عن الشكر من أجله. وإن كنت لا أجد ما أقوله غير: « فلتحيا المنصورة » .

ومن جانبه، يؤكد مؤرخ المنصورة الدكتور إيهاب الشربينى معلومات المقلب الذى تعرض له الريحانى عندما حضر ومعه إستيفان روستى وحسن فايق وروز اليوسف ضمن فرقة صغيرة اسمها «الكوميدى العربى » ونزلت الفرقة فى «لوكاندة عباس» بالمنصورة. ووقتها، وفقا إلى شرح الشربينى، اتفقت « الكوميدى العربى» على عرض عملهم على «مسرح سينما عدن»، التى يملكها خواجة لبنانى وتم هدمها أخيرا.

ويوضح الشربيني: «لم يكن الريحانى يعرفه أحد وقتها، ففشلت المسرحية ولم يتمكن من دفع أجرة الممثلين ولا اللوكاندة» ويضيف : «تبرع أحد أبناء المنصورة بدفع أجرة المسرح، وغادرت الفرقة اللوكندة، لينام الريحانى مع فرقته على قهوة أندريا، ووافق صاحبها أن يناموا على القهوة ليلتين».

 نقلًا عن صحيفة الأهرام

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة