[x]

دنيا ودين

"معجزة إلهية" .. يكتبها د. شوقي علام مفتي الجمهورية: تنظيم النسل والإيمان بالقضاء والقدر

11-12-2020 | 10:28

فضيلة الأستاذ الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية

تناولنا فى المقالات السابقة التأصيل الشرعى لقضية تنظيم النسل ومتابعة فقهاء المسلمين عبر العصور لتطورات ومبررات هذه القضية المهمة، ونناقش هنا بعض الشبهات التى يثيرها البعض حولها.


يظن بعض الناس أن إجراءات تنظيم النسل تعدُّ اعتراضا على قضاء الله تعالى وقدره ، وهو أمر غير صحيح؛ فتنظيم النسل من جملة قدر الله تعالى وقضائه، لأنه من باب الأخذ بالأسباب العادية التى أمرنا الله تعالى بالأخذ بها والبحث عنها ثم إن شاء الله تعالى خلق عندها الأثر أو لم يخلقه.

كما أن قدر الله غيبٌ غير معروف لنا، لكن الأمور الحياتية التى تخضع للتجارب والتطوير ترشد الإنسان إلى أنَّه إن فعلَ كذا ترتب عليه حدوثُ نتيجة؛ وكلٌّ من قدر الله تعالي؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم فى حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه فى شأن العزل : «مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ خَلْقَ شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ» (متفقٌ عليه).

كما تصدى النبى صلى الله عليه وسلم لإبطال شائعة أطلقها يهود المدينة المنورة بأن « العزل » هو « الموؤدة الصغري »، فعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِى جَارِيَةً وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ الْيَهُودَ تُحَدِّثُ أَنَّ الْعَزْلَ المَوؤدَةُ الصُّغْرَى قَالَ: «كَذَبَتْ -أي: أخطأت- يَهُودُ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ» (سنن أبى داود).

لقد بيّن النبى صلى الله عليه وسلم أن العزل كوسيلة من وسائل تنظيم النسل لا تتضمن قتل الأولاد المنهى عنه كما فى قول الله تعالي: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)[الإسراء: 31]، لأنه ليس من أغراضه قتل الجنين بعد تكوينه فى أى مرحلة عمرية وإن قَلَّت، فالغرض من وسائل تنظيم النسل المتنوعة هو منع التلقيح الذى هو النواة الأولى فى تكوين الجنين، فالجنين لم يتكون بعد إذا ما تم استخدام وسيلة تنظيم النسل. ومن ثم فليس هناك قَتْلٌ. وهو أمر وضّحه الإمام على رضى الله عنه حيث تذاكر الصحابة رضى الله عنهم يومًا حول مشروعية العزل كوسيلة من وسائل تنظيم النسل وفيهم سيدنا عمر وسيدنا على رضى الله عنهما، فزعم رجل أنها «الموؤدة الصغرى»، فردَّ عليه الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه بقوله: «إنها لا تكون موؤدة حتى تمر بسبع تارات -مراحل-، قال الله عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةَ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةَ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأَنْاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: 13]» (المعجم الكبير للطبرانى).إن هذه المعانى تحمل فى طياتها بيانا واضحًا يرشد الإنسان السليم إلى كيفية الربط بين مباشرة الأسباب وبين الإيمان بقضاء الله وقدره؛ لأن استخدام وسائل تنظيم النسل ما هو إلا صورة من مباشرة الأسباب التى أمرنا الله تعالى بمباشرتها لتنظيم أمور الحياة وضبط مسيرتها، وهذه الأسباب قد تنجح وقد لا تنجح، مع إيماننا المطلق بأن ما قدره الله وقضاه لا بد أن يكون، إلا أن ما هو مكتوب فى القضاء نحن لا نعلمه ولا نعرفه. وبهذا البيان تنكشف حقيقة مثل هذه الشبهات التى يشيعها البعض للمشاغبة على الإجراءات التى تهدف إلى تنظيم النسل كمحور مهم من محاور مواجهة المشكلة السكانية الخطيرة، فتنظيم التناسل لا يتعارض إطلاقا مع قضية الإيمان بالقضاء والقدر؛ لأن ما قدره الله تعالى نحن لا نحيط به علمًا، وإنما نحن نأخذ بالأسباب، ثم نرجع الأمور بعد ذلك لله تعالى يصرفها كيف يشاء؛ وصدق الله تعالى إذ يقول: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)[سورة الأعراف: 54].

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة