ثقافة وفنون

من القرية إلى الشعر والصحافة ومجلات الماستر والوداع.. «رفعت سلام» يفتح عالما آخر من الزنزانة

11-12-2020 | 07:26

رفعت سلام

عزمى عبد الوهاب

- فُجعتُ بخبر وفاة صلاح عبد الصبور فى منزل أحمد عبد المعطى حجازى القريب من منزلى

- لم يكن «الشعر» حلمى الأول بل كرة القدم
- لم يكتب عن «إضاءة 77» سوى رجاء النقاش فانزعج النقاد والشعراء «الراسخون»


على مدار عشرات المرات التى التقيت فيها بالشاعر رفعت سلام (16 نوفمبر 1951 ـ 6 ديسمبر 2020) كان الحوار بيننا يدور حول الشعر، والحياة الثقافية، كانت «وكالة أنباء الشرق الأوسط» تعنى لديّ شخصيا «رفعت سلام» رغم تقاعده عن العمل منذ سنوات.

وبرحيله تودع الحياة الثقافية العربية أحد كبار الجادين فى العالم، فقد كان يضرب فى اتجاه: الشعر والترجمة والدراسات النقدية، وفى الترجمة كان يقدم لنا المنجز الكامل للشاعر الذى يترجم عنه: بودلير، كفافيس، ويتمان، رامبو، ريتسوس، إضافة إلى ترجماته لماياكوفسكى وبوشكين وغيرهما، كانت اختياراته تدل عليه.

كان يردد دائما «الشعر هو مفتاح العالم بالنسبة لي، وهو البوابة لأى طريق آخر، وقد دخلت إلى عالم الترجمة للتعرف إلى شعراء العالم الكبار، وبسببه قصرت الترجمة عندى على الشعر» والآن يترجل رفعت سلام بعد 69 عاما من معاركة ومجاهدة الحياة، ليتخلص من عذابات سرطان الرئة، الذى داهمه منذ ما يقرب من عام.
تعرفت إلى رفعت سلام منذ ديوانه «وردة الفوضى الجميلة» (1987) حتى أحدث دواوينه «أرعى الشياه على المياه» واقتربت من عالمه الفنى والإبداعى، عبر «إشراقات – إنها تومئ لى – هكذا قلت للهاوية – إلى النهار الماضى – كأنها نهاية الأرض – هكذا تكلم الكركدن – حجر يطفو على الماء» ودراساته "المسرح الشعرى العربى – بحثا عن التراث العربى – بحثا عن الشعر" وتجربته الحياتية، التى يمكن إيجاز الخطوط العريضة لها فى التفاصيل التالية:
«منية شبين» قريةٌ بالقليوبية على حافة الأفق، محصورة بين ترعة وخطين للسكة الحديد، لا تملك سوى مدرسة ابتدائية، ومسجد، وكنيسة (هى الكنيسة الوحيدة بالمنطقة) حقولٌ للقمح والذرة والقطن والفول، وأشجار توت وكافور، وساقية هنا وهناك، وعفاريت تسكنها، لكنها لا تخرج إلا فى الليل، لتمرح فى حوارى القرية كما تشاء، حتى مطلع الفجر، وكل حارة أفعى تلتف وتدور، لكن الأقدام لها ذاكرتها القوية.

فى مثل تلك البيئة كانت طفولة الشاعر والمترجم "رفعت سلام" تتمشى على مهل، وكانت العلاقة بالعالم تأخذ شكلها الأول، فأين كانت المدرسة؟: "كانت المدرسة على حافة شارعنا الصغير، مدرسون كبار ضخام كالعماليق أو الجان، ضربنى أحدهم ذات مرة، فعدت إلى البيت أبكى، سألتنى أمى، فأخبرتها، لم تذهب إلى المدرس، بل إلى الناظر، بعد أن تلقى منها سيلاً من العنف اللفظى فى الشارع والوعيد، كانت تلك المرة الأخيرة التى يضربنى فيها مدرس بالابتدائية، وفى السنة السادسة، كنت أمثل المدرسة فى مسابقة "أوائل الطلبة".

لم يكن "الشعر" حلمى الأول، بل كانت كرة القدم – وكأنه لم يغادر تلك المرحلة من حياته بعد - وحلمى المتكرر هو "سعيد أبو النور" قلب دفاع "الأهلى" فى جيل "صالح سليم" لم يكن نجمًا كصالح أو "طه إسماعيل" لكنه - فى النهاية - يلعب فى المركز الذى أحبه، بل لا أذكر ملامح وجهه الآن، أتابع المباريات بشغف كبير، فى التليفزيون الذى انتشر أخيرا فى مقاهى المدينة (كان شراء تليفزيون فوق طاقة الأسر العادية، وتحت العادية آنذاك، فى منتصف الستينيات) أما سيناريو الحلم، فيبدأ بمتابعة مواعيد اختبارات الأشبال فى "الأهلى" والذهاب إلى الاختبار، ولابد أننى سأنجح وأنضم إلى الفريق الأسطورى، أربع سنوات من حلم كروى، وأنا ألعب الكرة فى فريق "الأشبال" بالقرية، الذى كونتُه مع أبناء جيلى، وعلى الهامش الكروى، حاولتُ الرسم بشغف، لكنى سرعان ما اكتشفت انغلاق الطريق؛ ثم القصة، فكتابة "مذكراتى" المراهقة، فالكتابة الحرة متأججة العاطفة والقراءة العشوائية والكتب الدراسية جعلت "المنفلوطي" المثل الأعلى للبلاغة الكتابية.

يقول رفعت سلام: الصف الأول الثانوى، مدرس اللغة العربية الضخم يبدو طيبًا، ما إن أطمئن إليه حتى أقدم إليه قصيدتى البدائية الأولى:"أردت أن أتأكد من صحة الوزن" يعيدها فى اليوم التالى مشجعًا لى، تتكرر المحاولة، على نحوٍ أفضل، لا أبحث سوى عن الوزن والقافية، شرط الشعرية فى الكتب المدرسية، ثلاث سنوات مدرسية من مطاردة الوزن والقافية، تسفر عن أول قصيدة منشورة فى مجلة "الأديب" البيروتية، ويقول لى مدرس اللغة الإنجليزية: "لست بحاجة إلى دروس خصوصية" أعرف الطريق إلى سور الأزبكية، بالقطار، القاهرة مكان غامض، أتسلل داخله وأهرب عائدًا قبل أن يرانى، أشترى بمصروفى القليل روايات عالمية وأرسين لوبين، وبين الحائط الجانبى للمنزل والحقل المجاور متران من الفراغ، أفرش فيه الحصيرة، وأنفرد بالعالم.

فى جامعة القاهرة، بكلية الآداب: عبد الحميد يونس، شوقى ضيف، رشاد رشدى، فخرى قسطندى، سعيد عاشور، والمعيد جابر عصفور الذى يُدرس لنا معلقة طرفة بن العبد، حشد هائل من الطلبة مكدسون فى المدرج – الكلام للراحل رفعت سلام - أختار الذهاب إلى قسم الصحافة، فى الأيام الأولى بالقسم، أتعرف إلى الطالب حلمى عبد الغنى سالم (الشاعر حلمى سالم) وبعده سليمان على محمود (الصحفى سليمان الحكيم) يلهمنا وجودنا بقسم الصحافة إلى إقامة أول مجلة حائط أدبية، نكتب فيها قصائدنا وخواطرنا الثقافية.

أكتشف العالم الثقافى: قصيدة التفعيلة، صلاح عبد الصبور، السياب، أمل دنقل، المجلات والأمسيات الأدبية، نازك الملائكة، ناظم حكمت، أراجون، "ثورة الشعر الحديث" و "زمن الشعر".. والشقة المفروشة بشارع إيران بالدقى - مع حلمى سالم وآخرين - تتسع لكل شىء، أمرق فى العالم لا ألوى إلا على الشعر مبهورًا، يستضيفنى صلاح عبد الصبور لست ساعات كاملة ذات يوم جمعة، فى شقته بالمهندسين، نتكلم فى الشعر والثقافة والقراءات، كأننا أصدقاء أنداد، وفى يناير 1972، أجد نفسى فى زنزانة انفرادية بسجن القلعة الشهير (جاءوا فى الثانية صباحًا إلى القرية، وأخذونى مع بعض الكتب ومخطوطات القصائد، هى إحدى نتائج "انتفاضة الطلبة" المطالبة بتحرير سيناء) ثم نقلونى إلى زنزانة شبه ممتلئة: عز الدين نجيب، ومهدى الحسينى، وآخرون، ثم إلى سجن الاستئناف، ثم الإفراج "الأبوى" من السادات قبل بدء الدراسة بيوم، من الزنزانة ينفتح عالم آخر غير الشعر: السياسة، لكن التجربة الفريدة تنتج قصائدها.

ألتهم الورق – قال الراحل رفعت سلام - دواوين كاملة وقصائد وكتب نقدية، وكتب ماركسية، شراهة لا تكتفى، مشرعة فى كل الاتجاهات، والقصيدة الأولى ينشرها الشاعر والفنان مجدى نجيب بمجلة "الإذاعة والتليفزيون" (المشرف الفنى على المجلة) ولقاءاتى بصلاح عبد الصبور انتقلت إلى المكتب بكورنيش النيل، يتلقى قصائدى بحب وتشجيع بلا "أبوية" كنت عنده، حين قال لى إنه انتهى من مسرحية شعرية جديدة، مد لى يده بالكشكولين: "بعد أن يموت الملك".

بدت لهفتى على قراءتها واضحة فى ملامحى قال لى: يمكنك أن تأخذها، وتقرأها، ذهبت بها إلى الجامعة، فإذا بالجامعة منتفضةً من جديد، شاركت فى الدفاع عن "الحرم" الجامعى إلى أن أصابتنى "طوبة" من عساكر الأمن المركزى، نضربهم بالطوب من داخل الجامعة، فيردون به وبالقنابل المسيلة للدموع، يساعدنى زملاء وزميلات على تسلق السور الخلفى للجامعة، والقفز إلى الحقول، وأنا متشبث بالكشكولين.

يقول: حين تستعيد الجامعة الدراسة، بعد توقف ثلاثة أسابيع، أذهب بالكشكولين إلى شاعرى الكبير، محرجًا: أنا آسف على تأخيرى للمسرحية، رد ببساطة:"لم أقلق عليها بل عليك؛ فقد عرفت ما جرى، فقلقت عليك، ولم تكن هناك وسيلة للاطمئنان عليك، ولا تليفون" آه، سيدى وحبيبى، فدروسك البسيطة العميقة لا تنتهى، فى العام 1981 ذهبت إليه - بناءً على موعد سابق – فى مكتبه بهيئة الكتاب، قال لى: "زمنٌ طويل مضى دون أن نلتقى، وأنا أريد أن أقرأ ما كتبت" أعددتُ ملفًّا بقصائدي، وذهبت إليه بعد أسبوع، أمهلنى أسبوعًا ليقرأ شعري، وبعدها نتحدث عنه، بعد أسبوع، اعتذر لضيق الوقت والانشغالات، أخرج الملف من الدرج:"سأقرأه منشورًا، فلتصعد به إلى فوزى العنتيل فى الطابق الثانى، وأعطه له".

بعد أسبوعين، كان فوزى العنتيل قد كتب تقرير الصلاحية قال لى: "هناك بضعة مقاطع فى إحدى القصائد" فسارعت بالقول:"نثرية" قال:"أليس من الأفضل أن نضع إشارةً تفيد القصدية، بدلاً من أن يظن قارئ أنها كسر فى الوزن التفعيلى؟" وافقته، وكتبت الملحوظة بيدي، قال إنه سيحيل الديوان إلى إدارة النشر لإصداره.

فى الصيف، فُجعتُ بخبر وفاة صلاح عبد الصبور، فى منزل أحمد عبد المعطى حجازى، القريب من منزلي، عرفت أن أمل دنقل وبهجت عثمان انهالا عليه - فى الجلسة - بالاتهامات الرائجة السهلة:"الخيانة" و"العمالة" للنظام، فلم يحتمل قلب الشاعر مائة متر إلى مستشفى هليوبوليس القريب، فوصل إليه جثة، قلت لنفسي: إنها جريمة قتل بالألفاظ المسمومة، ولم أقرأ لأى منهما اعتذارًا أو ندمًا على جريمة قتل شاعر.

1977: أنهيتُ خدمتى العسكرية (3 سنوات و3 شهور) أتهجَّى المشى من جديد فى شوارع القاهرة، وأزيح الرمل من الذاكرة؛ رمل ناعم كالطحين يهب فى عينى لدى أقل نسمة هواء، وأطارد القصيدة والشعر فى كل مكان، ألتقى وحلمى سالم على المقهى (المقاهى مجالنا الحيوى، خصوصا مقاهى ميدان الدقي) لم يفرقنا سوى التجنيد، توءم - منذ لقائنا الأول بقسم الصحافة، نتفق ونختلف، نتوافق ونتناقض، لكن حلمنا مشترك: الشعر، نطارده آناء الليل وأطراف النهار.

هكذا تولدت بيننا فكرة مجلة "إضاءة" مجلة غير دورية لشعرنا وأفكارنا المغايرة، التى لا تتسع لها المجلات الحكومية (يتمترس فيها التقليديون، وينظرون إلينا من علٍ، ويصدرون أحكامًا جاهزة) يقترح حلمى سالم ضم جمال القصاص وحسن طلب (كنت قد تعرفت عليهما من خلاله فيما سبق) بدا لى جمال القصاص قريبًا، وحسن طلب بعيدًا (يكبرنا بست سنوات تقريبًا، وأصدر ديوانًا) مقهى "باراداى" بميدان الدقى هو المقر غير الرسمى لهيئة التحرير، نتبادل الآراء، ونضع الخطط، ونتصور أول مجلة شعرية مستقلة بعد مجلة "أبوللو" الشهيرة القديمة.
الحلم كبير، والحماس أكبر - يقول رفعت سلام - نتفق على صيغة "كتاب شعرى غير دورى" على الغلاف، للتهرب من ضرورة استئذان السلطات الرقابية، وعمر جهان، صديقنا الفنان الليبى يتولى تصميم الغلاف، والدكتور عبد المنعم تليمة - بلا أبوية - يحفزنا بقوله "أنتم الناسُ أيها الشعراء" ولا يتأخر عن التبرع المالى للمشروع، أبٌ روحى بلا أبوة! فى شكل صديق أو شقيق، نختار قطع المجلة، نناقش الافتتاحية، نختار القصائد، ونذهب إلى مطبعة صغيرة بنقودنا وبالتبرعات، نؤمِّن ثمن الطباعة، وحين يصدر العدد الأول (يوليو 1977) تنفجر الفرحة والحماسة، ومن بين المواد قصيدتى "منية شبين".

لا يكتب عن المجلة سوى رجاء النقاش:"صفعة فى وجه الذوق العام" والنقاد والشعراء "الراسخون" ممتعضون، منزعجون، مشمئنطون، لكن الفكرة (فكرة الاستقلالية، وجرأة التنفيذ) والمجلة، تشق طريقها لدى الجيل الشعرى الجديد، فهى ليست منفذًا للنشر فحسب، هى فكرة لم تكن سائدة، ولا مطروحة آنذاك، شأن تلك القصائد الجديدة التى تبدو "غريبة" على المناخ الشعرى العام، والأفكار المطروحة الخارجة على السياق.

يقول رفعت سلام: فى العدد الثانى، أقضى يومين بالمطبعة أراجع "البروفات" بعد أن تأخرت الطباعة، سألت صاحب المطبعة: لمَ التأخير؟ قال: تأخرتم فى دفع المستحقات، استغربت، تعهدتُ شخصيًّا بالدفع، وصدر العدد بعد أن دفعتُ له من جيبى الشخصى، وفى العدد الثالث، بعد أن انتهينا من تحديد المواد، انفجر الموقف لدى مناقشة المقدمة، تصاعد بحدة مفاجئة أدهشتنى، كأن هناك ما تم تدبيره من وراء ظهري، بعد جولتين من النقاش الحاد، انقسم الأربعة إلى اثنين فى مواجهة اثنين، قررت أن أنجو بنفسى من الابتذال، وانسحبت بهدوء.

بعد شهر أو اثنين، أسعفنى خيالى الثقافى، فقلت لنفسى: لمَ لا تصدر مجلة أدبية لا تقتصر على الشعر؟ بعد شهر أو اثنين، صدر العدد الأول فى بضع صفحات، مطبوعًا بطريقة "الماستر" مكتوبًا كله بخط يدي، وتصميم الفنان محمد بغدادى، فالعدد الثانى، فالثالث، تبرع أحد الأصدقاء المثقفين للمجلة، فاشتريت آلة كاتبة، أكتب عليها المواد وفقًا لما أتصور من إخراج فنى (تعلمت الكتابة على الآلة الكاتبة فى أسبوع) بعدها شهدت المجلة نقلةً فعلية: عددان متتاليان عن "شعراء السبعينيات فى مصر" أحدهما للنصوص، والآخر للدراسات، أول مرة يُطرح فيها المصطلح فى الساحة الشعرية والنقدية، بعدها نشرت المجلة أعمالا لإدوار الخراط، أحمد صادق سعد، قصة "الخيمة" أول قصة تُنشر بمصر للروائى المغربى الراحل محمد شكرى، حوار مطول مع صنع الله إبراهيم، حول روايته "بيروت.. بيروت" التى كانت تحت الطبع.

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة