آراء

مبروك مازال موجودا وعبيطا!

6-12-2020 | 14:12

قرأت الخبر مرة ومرتين وثلاث مرات، وكل مرة أتذكر «أحمد مظهر» بعد أن قبضت عليه الشرطة متهما بالنصب لبيعه ميدان العتبة للأخ مبروك الذى لعب دوره إسماعيل ياسين فى فيلم العتبة الخضراء، وهو يقول له: لما أخرج من السجن ممكن أبيع لك السكة الحديد. ويرد عليه مبروك: بجد..أنا منتظرك!

ربما لم نصدق هذه النهاية، واعتبرناها مبالغة شديدة من المؤلف جليل البندارى والمخرج الرائع فطين عبد الوهاب، فهل يعقل أن يلدغ المؤمن من نفس الجحر مرتين؟

لم تكن مبالغة على الإطلاق، بل كانت نبوءة مبكرة جدا، بالحال الذى قد يصل إليه بعضنا أو كثير منا، حتى بعد أن ندخل إلى القرن الحادى والعشرين، وأن مبروك لم يعد فردا وإنما جماعات، أحيانا بالآلاف وأحيانا بالعشرات، حسب شطارة النصاب وبلاهة المنصوب عليهم الذين تكاثروا، فلا تمضى بضعة أشهر إلا ونسمع عن قضية توظيف أموال، وجديد هذه القضية الأخيرة، رقم 3 أحوال لسنة 2020 والتى وقعت أحدثها فى الإسماعيلية أن «أغلب الضحايا من النساء وأيضا النصابة، وهو ما يشى بأن المساواة فردت أجنحتها وغطت حتى عمليات النصب»

لكن اللعبة هى هي، هات فلوسك نتاجر لك بها وتأخذ أرباحا شهرية ما بين 10 و12%، أى يمكن أن تضاعف رأسمالك فى ثمانية أو تسعة أشهر، وكانت التجارة هذه المرة فى الأعلاف والمواشى والدواجن، وجمعت السيدة النصابة عشرين مليون جنيه من ضحاياها، وهو المبلغ الذى بلغ عنه أصحابه حتى تاريخه، ولم تسأل أى ضحية: ما علاقة النصابة وهى موظفة بإحدى الجامعات بالتجارة، خاصة أن تجارة الأعلاف والمواشى من الأعمال الصعبة جدا وليست سهلة أبدا؟

فعلا نحن أمام ظاهرة وليست جريمة استثنائية، وظاهرة لها تاريخ منذ ثمانينيات القرن الماضى مع شركات توظيف الأموال التى ضاع فيها أكثر من 10 مليارات جنيه من ملايين المصريين، وكان يمكن أن يرتفع إلى عشرين مليارا لولا تدخل الحكومة فاسترد الناس جزءا من مدخراتهم، ولم يتوبوا ولم يتعظوا، كما لو أن مبروك كان واقفا فعلا على باب السجن منتظرا خروج النصاب ليسلم له تحويشة العمر ويشترى منه السكة الحديد.

المدهش أن المصريين لهم مثل شائع قد يكون من عمر مصر نفسها، يحذرهم من النصب والنصابين: تطمعانجى بنى له بيت، فلسانجى سكن له فيه، لكن يبدو أنهم لم يقطعوا علاقاتهم بتاريخهم وحضارتهم وثقافتهم التى أضاءت العالم قرونا فحسب، بل بالعصر الحديث نفسه، وإلا كيف نفهم أن مبروك يكرر نفسه عشرات المرات فى عصر الفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعى والمواقع الإخبارية الإلكترونية وهى تٌفيض بطوفان من المعلومات كل ثانية؟

هل يعقل أن تحدث نفس الجريمة العبيطة فى عصر مفتوح ليس فيه أسرار ولا خصوصية حتى لو تغيرت بعض تفاصيلها؟.

لماذا لم يتعلم مبروك شيئا مفيدا لما يقرب من سبعين سنة بعد أن اشترى الترام فى أوائل الخمسينيات وهى واقعة حقيقية وليست تأليفا والتى استوحى منها جليل البندارى حكاية الفيلم الشهير؟

شىء وحيد لم يخطر على بال لا جليل البندارى ولا فطين عبد الوهاب، وأظن أنهما تصورا أن مبروك سيظل قرويا قادما من نجوع وكفور وعزب قبلى وبحري، إنسانا بسيطا للغاية، يعيش فى بيئة يفرض فيها الجهل سطوته وعتمته، ومعارفه كلها محصورة فى الأمتار التى يقطعها من داره إلى غيطه وخبراته مرتبطة بجيرانه الذين يحيطون به ولا يتخيرون عنه، قطعا يستحيل أن يخطر على بالهما أنه صار مهندسا أو مدرسا أو قانونيا أو موظفا أو ضابطا أو أستاذا فى الجامعة أو رجل أعمال، وأنه يتحدث أحيانا من طرف مناخيره ويركب سيارة آخر موديل ومعه موبايل من الجيل الخامس. بالله عليكم..كيف يسقط هؤلاء المبروكون فى فخاخ النصابين الذين ربما هم أقل منهم تعليما؟ تخيلوا أن نصابا عربيا فى دولة خليجية أقنع مجموعة من المصريين بينهم أساتذة أن الدولارات يمكن أن تلد وتتكاثر لو وضعها ساحر إفريقى فى سلة خاصة، وجعلهم يكسبون مرة ومرتين من دولارات قليلة سلموها له، وحين وثقوا فيه ودفعوا مئات الآلاف من الدولارات اكتشفوا أن الدولارات جماد عاقر، ويمكنها أن تطير بعيدا بلا عودة. وقد حدث قبل ثلاث سنوات أن رجل أعمال مصريا اتهم نائبا سابقا فى البرلمان بأنه نصب عليه فى ثلاثة ملايين دولار، وهذا النائب كان مشهورا بين العامة فى جنوب مصر بأنه قاهر الجن والعفاريت، وأقنع رجل الأعمال بأنه قادر على تسخير الجن وتحويل التراب إلى ذهب. المدهش حقا لم يذكر أى ضحية فى عشرات المحاضر، خلال السنوات الأربعين الأخيرة سببا وجيها لوقوعه فى شباك النصاب.

هل الطمع الفردى الشرس يمكن أن يفسر هذه المصيبة المجتمعية، والطمع يصيب العقل بالعمى والنفس بالرغبة الجامحة؟ هل يكون مفتاحها هو الارتباك العقلى والاضطراب النفسى فى ظرف ما، وغياب الرؤية وفقدان الثقة فى الغد؟. بأى معيار نحن أمام عقول معطوبة تفتقد التفكير العلمى المنظم، عقول لم ينقذها تعليم ولا أدوات العصر الحديث الذى نسميه عصر المعرفة. أتصور أن هذه النوع من قضايا النصب يحتاج منا إلى دراسات عميقة؛ لأننا نتحدث عن ضحايا ولدوا وعاشوا وتعلموا فى عصر الكمبيوتر والإنترنت والفضائيات والموبايلات الذكية، وتبدو فيه الكرة الأرضية أشبه بعمارة سكنية يعرف كل سكانها ما يجرى فيها لحظة بلحظة. مؤكد الخلل فى البنية الثقافية، أقصد فى منظومة القيم الحاكمة لتصرفاتنا، وتقودها فى كل أنشطة حياتنا، عملا ولهوا واستثمارا، ويبدو أننا لم نستطع كسر قيم التخلف التى صاحبتنا قرونا طويلة، ولم ننجح مطلقا فى صناعة منظومة قيم حديثة تشدنا إلى الإمام، تعلى من قيمة العمل والجهد والتفكير العلمى المنظم، بدليل حالة التراجع العقلى التى ضربت المجتمع بعد ستين عاما من ثورة 1919، وصعود تيار سلفى يرى فى الماضى مستقبلا لنا. والسلفية معادلة واحدة لها أوجه فى مجالات شتى حتى فى عمليات النصب.

نقلا عن صحيفة الأهرام

لماذا نفشل فى مواجهة الفساد؟

رغم سذاجة السؤال إلا أنه سيف حاد راشق فى جنب المجتمع، يُسود معيشته دون إجابة شافية له، قطعا لا يوجد مجتمع على كوكب الأرض قَطَعَ دابر الفساد والفاسدين،

ليست أزمة الدكتور عبدالعال وحده

مسألة محيرة فعلًا، تشغلنا أحيانًا وننساها أحيانًا، نفسرها أحيانًا ونغلب فى تفسيرها أحيانًا، لكن لا تغادر مخيلتنا أبدًا، وهي علاقة المصريين بالسلطة، سواء

مؤامرة في حزب الوفد

تباينت المشاعر واضطربت بين موجة من الضحك وحالة من الرثاء، وكيف لا نضحك ونحن نسمع عن وأد مؤامرة كبرى من الجيل الرابع داخل أروقة بيت الأمة وفصل عشرة من المتآمرين

حتى للموت سوق سوداء

حتى للموت سوق سوداء

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة