[x]

دنيا ودين

"معجزة إلهية" .. يكتبها د. شوقي علام مفتي الجمهورية: التأصيل الفقهي لتنظيم النسل

4-12-2020 | 17:05

الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية

عرفت البشرية عبر القرون وسائل متنوعة من أجل تنظيم الإنجاب وتقليل أعداد المواليد، وقد انحصرت هذه الوسائل خلال عصر النبوة فى وسيلة العزل التى استعملها الصحابة الكرام رضوان الله عليهم بإقرار النبى صلى الله عليه وسلم وموافقته من غير نهى منه.


فقد وردت فى السنة النبوية نصوص كثيرة تبيح ذلك وتؤيد استخدامه وسيلةً من وسائل منع الإنجاب وتقليل أعداد الأولاد، ومنها حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِىَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَنْهَنَا» (متفقٌ عليه).

ومنها: حديث أبى سَعِيد الخُدْرِى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أن الصحابة سألوا النبى صلى الله عليه وسلم عن حُكم العزل، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «أَوَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ لا عَلَيْكُمْ أَنْ لا تَفْعَلُوا ذَلِكُمْ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ اللَّهُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَّا هِيَ خَارِجَةٌ» (صحيح البخاري).

ومن هذه الأحاديث الشريفة استمد المسلمون مشروعية تنظيم النسل وضبط عملية التكاثر، فاتفقت كلمة المذاهب الفقهية الأربعة على جوازه من حيث الأصل، مع اختلاف يسير فى شروطه التى منها ضرورة أخذ إذن الزوجة فى فعل ذلك من عدمه، حيث اشترط فقهاء الحنفيَّة والمالكية والحنابلة والشافعية فى وجه إذن الزوجة، وذهب الشافعيَّة فى الوجه الثانى إلى جوازه مطلقًا.

ثم تابع الفقهاء بمختلف مشاربهم وتنوع مدارسهم باجتهاداتهم الفقهية التطور الذى شهده هذا المجال من خلال تنوع الوسائل المؤدية إلى تنظيم النسل، حيث ابتكر الأطباء أنواعا كثيرة لهذا الغرض، منها ما هو دواء يؤخذ عن طريق الفم أو عن طريق الحقن، ومنها الأجهزة والأدوات المخصصة لهذا الغرض، إلى غير ذلك من الوسائل، فقرروا أن كل هذه الوسائل جائزة لا حرج فى استعمالها ما دام أهل الاختصاص وهم الأطباء قد حكموا بصلاحيتها وعدم حدوث ضرر من استعمالها بأى من الزوجين، وبشرط عدم منع أى منهما للإنجاب بصورة دائمة ونهائية. ولقد عالج الفقهاء المبررات والصور الداعية إلى تنظيم النسل عبر العصور، فحصرها الإمام الغزالى الشافعى فى خمسة أمور، بحسب معارف عصره وما قبله، وذلك فى كتابه المشتهر ( إحياء علوم الدين )، وقد ذكر من الصور الجائزة منها: استبقاء المرأة جمالها والخوف على صحتها وحياتها إذا هى حملت، أو توالى حملها فى فترات قريبة لا تسمح باسترداد صحتها، وسوء حالتها الصحية، وسوء حالة الزوج وضعفه عن احتمال مسئولية تربية الأولاد والعناية بهم إذا كثروا.

وهى أغراض صحيحة أبداها الصحابة للنبى صلى الله عليه وسلم عند السؤال عن الحكم فيما يفعلونه؛ فعن أبى سعيد الخدرى قال: ذُكر العزلُ عند النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: «وما ذاكم؟» قالوا: الرجل تكون له المرأة ترضع، فيصيب منها ــ أى يجامعه ــ، ويكره أن تحمل منه، والرجل تكون له الأمة فيصيب منها، ويكره أن تحمل منه، قال صلى الله عليه وسلم: «فلا عليكم أن لا تفعلوا ذاكم، فإنما هو القدر» (صحيح مسلم).

ولا شك أن إباحة الشرع الشريف تنظيم النسل على المستوى الفردى اعتبارًا لهذه المبررات والمقاصد يؤيد مشروعية الجهود التى تبذلها الدولة ومؤسساتها المعنية واتساق تشريعاتها مع الشرع الشريف ومقاصده العليا فى سبيل الحيلولة من حدوث انفجار سكانى نتيجة زيادة المواليد وكثرة الإنجاب على المستوى الجماعى، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدَمًا، فتنظيم النسل هو إجراء من جملة إجراءات تتخذها الدولة المصرية لمعالجة كل التحديات والمخاطر مما قد تعرقل مسيرة التنمية والعمران التى تتبناها القيادة المصرية والتى من شأنها رفع شأن الأمة المصرية وتقويتها، وترقية أفرادها حتى يكونوا لبنة نافعة فى بناء الوطن تقوى كيانه وتزيد من عوامل الأمن والاستقرار فيه، لا تضعفه ولا تكون عالة أو عبئًا ثقيلًا يعرقل مسيرته.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة