[x]

آراء

حكمة الأهلى.. ودموع الخطيب

1-12-2020 | 14:18

فى ديربى القاهرة بين الأهلى و الزمالك ، أحد أشهر المواعيد الكبرى فى منافسات كرة القدم العالمية، عاشت الجماهير الغفيرة لحظات استثنائية من الترقب والانتظار ثم الحماس والإثارة. انشغل المتخصصون بتحليلات مطولة على الشاشات الفضية تتوقع الأداء وترسم السيناريوهات. وانهمك الجمهور فى مناكفات لذيذة، كل يتمنى الانتصار لفريقه. زخم كبير فاض على نهائى دورى الأبطال الإفريقى 2020 الذى اعتبره الكثيرون ( مباراة القرن ). لم تكن المباراة تستحق هذا الوصف لولا أنها بين القطبين الأعرق عربيا، والأكثر تتويجا إفريقيا. رأى البعض أن اللقاء فى ذاته تشريف للكرة المصرية وهذا حق.

لكن ما لم ينتبه إليه الكثيرون هو أهمية كل قطب بالنسبة إلى منافسه، والتى لو أدركها القطبان لجاءت المنافسة بينهما أكثر احتراما وهدوءا، واقتصرت وقائعها على حدود المستطيل الأخضر دون استهلاك الوقت والطاقة فى محاولات التشويش الإعلامى والتشنيع الدعائي. لقد ولد كل من الناديين فى سياق خاص به، وتطور عبر مسار مختلف، لكن كليهما صنع مجده على الأرض نفسها التى يقف عليها رفيقه. وسواء قلنا مع سارتر: إن الجحيم هو الغير، أم قلنا مع جوته: ليس ثمة عقاب أقسى على المرء من أن يعيش فى الجنة بمفرده، فالمؤكد أن كل فريق دون الآخر إنما يفقد ظله، ويبهت وجوده. نعم ينافس أحدهما الآخر، ينتصر على حسابه ويهزم أمامه، لكنه لا يستطيع العيش دونه، لأنه بمثابة المرآة التى يرى فيها وجهه، بل المرجعية التى يقيس نفسه إليها ليدرك أين يقف. أدرك كثيرون من قادة الناديين تلك الحقيقة واحترمها أغلبهم، فاتسمت علاقاتهما بالاحترام والمودة رغم دوام المنافسة. ولكن جاء زمن ترأس فيه من يجهل تلك الحقيقة، أو لا يحترمها، فصدرت عنه سلوكيات وأفعال يندى لها الجبين، تثير التعصب داخل الإعلام والفتن بين الجماهير، حتى انتقلت المنافسات من المستطيل الأخضر إلى ساحات القضاء، واستلزم الأمر تدخل الهيئات الرياضية الوطنية والدولية فى محاولة إزالة القبح والعشوائية من ساحات الرياضة المصرية لتبقى خليقة بتنافس يرقى إلى مباراة القرن . انتصر الأهلى (العظيم) على الزمالك (الكبير) ليتوج بالكأس التاسعة لدورى الأبطال الإفريقي، والعشرين على مستوى البطولات القارية، ولا يزال بانتظار الحادية والعشرين فى السوبر الإفريقى بعد أسبوعين فقط، محتلا بذلك الموقع الثانى على الصعيد العالمى بعد ريال مدريد الإسباني، نادى القرن الأوروبي، والأكثر تتويجا عالميا بأربع وعشرين بطولة قارية.

هذا النجاح الذى حققه الأهلى ، نادى القرن الإفريقى، لم يكن ليتحقق لولا أنه تحول منذ زمن طويل إلى مؤسسة حديثة ترفع اسم مصر عاليا فى ساحات الرياضة وتمد منتخباتها الوطنية فى كل الألعاب بنصف قوتها تقريبا. نعنى بالمؤسسة الحديثة هنا استقرار قواعد منظمة للعمل لا تضطرب بغياب أحد ولو كان رئيس النادي . وتعنى أيضا توافر مصادر مستقلة للتمويل لا تنضب بغياب رجل أعمال ممول أو داعم متطوع. وتعنى كذلك قدرة على تجديد ذاتها بتداول سلمى للقيادة عبر انتخاب حر يأتى بالأفضل، وهو ما تحقق مرارا فى الأهلى حتى صار عرفا وتقليدا، يأتى الرئيس الجديد من رحم القديم أو حتى من خارجه ليكمل مسيرته، شاكرا ما قدمه سلفه الذى يعلن بدوره احترامه للجديد واستعداده لتقديم الدعم والمشورة له، ما لا نجده قط داخل مصر، لكنه يبقى الدرس الجوهرى الذى يعلمنا إياه الأهلي، والحكمة الخالدة خلف انتصاراته. لقد تصور البعض أن الصوت العالى والخطاب العدوانى والاستبداد بالقرار الإدارى وتخاذل البعض فى مواجهته، يستطيع أن يلعب فى ناديه دور المؤسسة بأكملها، باعتبار أنه الوحيد القادر على أن يصارع منافسيه، فلا دور إذن للآخرين من إدارة وأعضاء وجماهير سوى الاصطفاف خلفه كالحرافيش خلف الفتوة، متجاهلا أن الفتونة مستحيلة فى زمن الحداثة، وأن الصخب والبذاءة لا يحققان أهدافا كبيرة، ولا يستطيعان الاستمرار طويلا.

وفيما كان الرجل يبذل جهده ويسخر إعلامه فى محاولة اغتصاب لقب نادى القرن العشرين الذى أعطاه الكاف للأهلى حسب معايير صارمة، كانت المؤسسة الأهلوية تخطط للقب نادى القرن الحادى والعشرين، وها هى تقطع خطوة كبيرة على الطريق. جاء انتصار الأهلى فى مباراة القرن ، الصعبة والمتكافئة، تتويجا لجهد الفريق طوال عام كان خلاله هو الأفضل، فلم يهزم سوى مرة واحدة، أحرز أكبر عدد من الأهداف وتلقت شباكه الأقل منها. وتتويجا لإدارة النادى التى أبدت صبرا وحكمة فى مواجهة تحديات غير محتملة، كالمهاترات المربكة والملاسنات الزاعقة. وخصوصا السعار المادى الذى أصاب سوق الكرة المصرية مع دخول أندية جديدة تنفق ببذخ يكاد يفسدها، لا يتفق مع أدنى قواعد اللعب المالى النظيف التى تضبط المصروفات بحجم الإيرادات والانجازات والجماهيرية. أغوى المال لاعبين كانوا من أعمدة الفريق بالرحيل عنه مع نهاية عقودهم دونما تقدير لانتماء حقق لهم المجد، كما أغوى نجوما تربوا فى أحضان البيت الكبير، لكنهم تملصوا من واجبهم نحوه وتنكروا لاتفاقاتهم معه، ليخرجوا منه فى وقت لم يكن يسمح بتعويضهم. أما التتويج الأكبر فكان لمحمود الخطيب رئيس النادى، أفضل من داعبت قدماه كرة القدم فى مصر، رغم شهرة المحترفين وإنجازاتهم. إنه اللاعب الذى نال جميع البطولات الإفريقية مرات عديدة، واحتفظ لربع قرن بالرقم القياسى لهدافيها (37 هدفا)، ظل خلاله المصرى الوحيد المتوج بالحذاء الذهبى للأفضل فى القارة. وهو النجم الذى احترم نفسه وجمهوره فجمع بين المهارة الفائقة والكاريزما الهائلة. وهو الإدارى الذى صعد السلم من أسفله إلى قمته، فكان ربانا ماهرا رغم متاعبه الصحية وتشكيك الكارهين ممن جعلوا الإعلام الرياضى مسرحا للنباح والعبث. لقد توج الرجل كما يليق به ودموع فرحه التى انطلقت مع صفارة نهاية المباراة، وكما يرقى لمستوى ناديه الذى بات مؤسسة حديثة تعمل بقوانين ونظم العالم الأول، فيما يتخبط سواه فى فوضى واستبداد العالم الثالث، فللأهلى العظيم وقائده وجماهيره خالص التهاني، ولمنافسه الكبير الزمالك أصدق الأمنيات بانتصارات قادمة فى ظل قيادة محترفة وواعية.

نقلا عن صحيفة الأهرام

كورونا والمصير البشري

عانت البشرية أوبئة كثيرة عبر تاريخها الطويل، أبرزها الطاعون والكوليرا والسل، قبل أن تتقدم العلوم والمعارف، وتُنتج الأمصال واللقاحات التى تتصدى لها. ربما

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة