[x]

آراء

تشابك المصالح يُعطِّل تشكيل الحكومة اللبنانية

24-11-2020 | 22:20

لا يزال تشكيل الحكومة اللبنانية مُعلَّقاً بعد أكثر من ثلاثة أشهر من استقالة حكومة حسّان دياب . وإذ يجد سعد الحريري - المُكلَّف بتشكيل الحكومة- نفسه محاصراً بمطالب متعددة من مختلف القوى السياسية لتكوين حكومة تقشفية من 18 وزيراً، يتمسك المجتمع الدولي بشرط تكوين حكومة تكنوقراط إصلاحية قبل أن يتلقى لبنان، الذي احتفل في 22 نوفمبر الجاري بالذكرى الـ77 لاستقلاله، مساعدات دولية تزيد من قدرته على تجاوز أزمته الاقتصادية والمالية.


ولكن الحقيقة أن جوهر الأزمة في لبنان متعدد الوجوه، بسبب تناقص الاحتياطي الدولاري، ودخول البلاد جولة جديدة من الإغلاق في مختلف القطاعات تحسباً لانتشار فيروس كورونا، فضلاً عن استمرار القوى السياسية في التشدد فيما بينها رفضاً لتخفيض حصصها الوزارية تماشياً مع إجراءات التقشف. بينما لا تزال آثار انفجار المرفأ في أغسطس الماضي ماثلة للعيان.

ورغم الاهتمام الدولي الكبير والتدافع لتقديم المساعدات الإغاثية العاجلة بُعيد الانفجار ، بقيت المساعدات المالية طويلة الأجل والقادرة على انتشال لبنان من أزمته مُعلَّقة لحين تكوين حكومة بمواصفات إصلاحية تهتم بالإنقاذ الاقتصادي ولا تخضع للابتزاز من جانب القوى السياسية. تجلى هذا الاهتمام الدولي في المبادرة الفرنسية التي مزجت بين التلويح بالمساعدات الدولية وبين التوعد بفرض عقوبات بحق السياسيين المُعطِّلين لتشكيل الحكومة وتمرير الإصلاحات الإدارية والمالية.

وفيما كان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون يروج لقدرته على حشد وعود المساعدات الفورية، بقى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب دور التلويح بالعقوبات إذا ما أخّلت القوى السياسية بالتزامها بالتشكيل السريع للحكومة.

رهان مُؤجَّل:
ولكن على الجانب اللبناني، كان رهان الفريق الموالي لحزب الله يتلخص في تسويف التشكيل الحكومي لحين إجراء الانتخابات الأمريكية وانتهاء ولاية ترامب ومن ثم عودة الديمقراطيين للتفاهم مع إيران. واليوم حتى بعد تأكد فوز بايدن لا يبدو أن جنى ثمار التفاهم المحتمل مع الأخيرة سيكون سلساً في الملف اللبناني كما توقع المراهنون على ذلك.

فإدارة بايدن، التي سيكون أمامها أولويات عديدة داخلية وخارجية، ليست مهتمة بشكل مباشر بالملف اللبناني. بل على العكس من ذلك يبدو أن السياسة الأمريكية التي أرساها ترامب في لبنان-والمتمثلة بتوالي العقوبات على مقربين من حزب الله- ستظل قائمة ولن تُرفع بشكل تلقائي كما كان يتوقع المتفائلون بقدوم بايدن.

بل إن إدارة ترامب حرصت مؤخراً على فرض عقوبات جديدة على جبران باسيل رئيس التيار الوطني الحر- حزب الرئيس ميشال عون- وصاحب التمثيل المسيحي الأكبر في البرلمان والمتحالف بشكل وثيق مع حزب الله، ما يعني أن العقوبات بدأت تطبق على بعض سياسيي الصف الأول دون أن يؤتي ذلك ثماره في التعجيل بتشكيل الحكومة.
وبينما استقبلت هذه العقوبات الأخيرة بشكل إيجابي من جانب الحراك الشعبي الذي رفع منذ احتجاجات أكتوبر 2019 مطالب بتنحية النخبة الحاكمة، فإنها جاءت جزئية على نحو لن يـُقصي الجميع ولكن يسمح للبعض بمزيد من التعطيل. وإذا كانت بعض العقوبات المفروضة على شخصيات لبنانية تتعلق بملف الإرهاب، والبعض الآخر يتصل بالفساد، فإن المتوقع أيضاً أن تتوالى عقوبات أخرى ترتبط بقانون قيصر، ما يعني أن سيف العقوبات الأمريكية سيظل قائماً بمعزل عن هوية الرئيس الأمريكي ولا يُتوقع أن يُرفع بشكل مباشر بناءً على نتائج الانتخابات الأمريكية.

وفيما حاول حزب الله أن يستوعب قبل بضعة أشهر موجة الغضب الأمريكي بالإعلان عن قبول التفاوض حول الحدود البحرية مع إسرائيل، يبدو أن الأمريكيين لن يخففوا ضغط العقوبات في مقابل مجرد الإعلان عن التفاوض، بل المطلوب التوصل لاتفاق ملزم لضمان الهدوء البحري في شرق المتوسط من جهة لبنان وإسرائيل.

تراجع الاهتمام:
أما على الجانب الفرنسي، فيبدو أن الاهتمام الذي كرّسه ماكرون للملف اللبناني عقب انفجار المرفأ آخذ في التقلص. ففي الصيف الماضي، كان الرئيس الفرنسي بحاجة للانشغال ببعض ملفات الشرق الأوسط وتحقيق نجاح سريع بها كى يُعوِّض الإخفاقات في سياسته الداخلية، ولذا أسرع إلى بيروت في زيارتين متتاليتين يفصلهما أقل من شهر.

وكان التناول الفرنسي للملف اللبناني برجماتياً وتقنياً للغاية، حيث اعتمد على استقالة حكومة وتشكيل أخرى وإعداد خطة إصلاحات وإطلاق مؤتمر للمساعدات ومن ثم حل كل المشكلات الاقتصادية دفعة واحدة. ولكن هذه الخطوات وقعت في فخ التعطيل والتسويف الذي نصبه المتفائلون بتغيير الإدارة الأمريكية والمتضررون بشكل مباشر من العقوبات الاقتصادية.

ويختلف التناول الفرنسي، جزئياً، عن الأمريكي في الموقف من حزب الله، فالفرنسيون متواصلون بالفعل مع الأخير ولا يزالون يفصلون بين جناحيه العسكري والسياسي، إذ ما يعنيهم هو تشكيل حكومة محايدة جزئياً- خاصة في الوزارات ذات الصفة الاقتصادية- كى تتمكن من تنفيذ الإنقاذ الاقتصادي بعيداً عن مماطلات السياسيين.

تداعيات كورونا:
ويبدو اليوم أن الاهتمام الفرنسي بلبنان قد تم تخفيضه من درجة "الرئاسة" إلى درجة "مبعوث رئاسي" ليعيد الرسالة الفرنسية نفسها ألا وهى "لا مساعدات دون حكومة إصلاحية". ورغم وضوح الرسالة، فإن السياسيين اللبنانيين يتعمدون تجاهلها في محاولة لاجترار خطوات التعطيل نفسها ثم انتظار نتيجة مختلفة.

هنا يطرح السؤال التالي نفسه: إلى متى سيستمر الفرنسيون في إرسال مبعوثهم لإقناع السياسيين اللبنانيين بسرعة تشكيل الحكومة؟. فدخول فرنسا، وغيرها من الدول الأوروبية، الموجة الثانية من فيروس كورونا سيُقلل من الاهتمام بالملفات الخارجية على أجندة الرئاسة لصالح توفير بدائل سياسية لمواجهة الوباء سواء داخلياً أو أوروبياً. وفي غياب الاهتمام الفرنسي سيخفت بالتأكيد الاهتمام الأمريكي بالملف اللبناني، بينما من المتوقع أن يستمر توالي العقوبات على حلفاء حزب الله.

وكما يخفت الاهتمام بالسياسة الخارجية تجاه بلد صغير كلبنان، تتحول أيضاً ميزانيات الدول الكبرى عن إنقاذه اقتصادياً وتتبخر الوعود المرصودة لهذا الغرض، خاصة في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي واحتياج كل الاقتصاديات، بلا استثناء، لموارد بهدف تعويض خسائر الإغلاق أثناء موجات انتشار الوباء. ولذا لا يمكن التعويل على استمرار الاهتمام الدولي لإنقاذ لبنان في ظل مماطلة سياسييه وتدافع قضايا أخرى على الأجندة الدولية. ويبقى لبنان في حيز إدارة أزماته بالحد الأدنى الذي يمنع سقوطه التام ولكن دون الوصول إلى حلول جذرية.

باحثة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة