[x]

آراء

رسالة من مواطن سورى

12-11-2020 | 13:48

بعد خروجى من الخدمة العسكرية ، وتركى المهام الرسمية، صار يوم الجمعة، من كل أسبوع، أهم، وأسعد، أيام حياتى. إذ سنحت لى الفرصة للاستمتاع بتجمع الأسرة كلها، أبناء وأحفادا، والاستماع لنوادرهم، ومشاركتهم بعضا من تفاصيل حياتهم، ومساعدتهم فى اتخاذ القرارات المهمة، مثلما حدث منذ عدة سنوات، عندما تباحثنا حول سفر حفيدتى الكبرى إلى ألمانيا للدراسة، وهى الحفيدة ذات الأعوام السبعة عشر، التى ستسافر وحدها إلى عالم جديد، مجهول، إلا أن مصلحتها اقتضت الموافقة على سفرها، رغم مرارة بعدها عنا.


وفى الأسبوع الماضى، ومع الالتزام بالإجراءات الاحترازية ضد فيروس كورونا ، اقترحت ابنتى الصغرى أن نجتمع على الغداء فى أحد الأماكن المفتوحة فى مدينة 6 أكتوبر، وتحديدا فى مطعم سورى، لعلمها بأننى من هواة هذا المطبخ المتميز، ذى الطابع المحبب لنا جميعا، وبالفعل توجهنا إليه واستمتعنا بأطباقه الشهية وأهمها المقبلات السورية. وما أن انتهينا من تناول الغذاء، حتى تقدم إلى صاحب المطعم، السورى الجنسية، وعرفنى بنفسه، وطلب منى أن نتحدث سويا لدقائق قليلة، فلم أتردد، بالطبع، والحقيقة أننى لم أتكلم، بل استمعت إلى حديثه، الذى بدأه بقوله، أنا عندى رسالة أتمنى أن تساعدنى فى إيصالها إلى مستحقيها.

واستطرد صاحب المطعم: اللى قال إن مصر أم الدنيا لم يخطئ أبدا... ده قول صحيح مائة بالمائة ... لقد حضرنا إلى مصر بعد تردى الأوضاع فى سوريا ، آملين ألا يطول بنا الأمد خارج بلادنا. وهو ما ظنه كل من غادر مختلف المدن السورية هربا من القتال وقصف الطيران والمدفعية، بعدما تهدمت المنازل، وانقطعت الخدمات سواء المدارس أو المياه أو الكهرباء، واستحالت الحياة على أرض بلادنا الحبيبة. وتابع الرجل: منا من اندفع من شمال سوريا نحو تركيا، فانتهى بهم الحال، وعددهم 2 مليون سورى، فى معسكرات اللاجئين، فى المنطقة الحدودية، يعيشون فى أسوأ ظروف يمكن أن يتخيلها إنسان، رغم ما يوفره الاتحاد الأوروبى لتركيا من مساعدات لتمويل إقامة السوريين، خوفا من تدفقهم إلى أوروبا، بالطبع. ومع ذلك، فإن أى محاولة سورية للقيام بعمل تجارى، يجابه بكل أعمال العنف والبطش التركى.

استكمل الرجل حديثه قائلا: أما من تمكن منا من الوصول إلى أوروبا، فلا يضاهيه فى سوء معيشته إلا الموجودون منا على الحدود التركية، فكلهم محشورون فى معسكرات، لا حياة فيها، ودلل الرجل على ذلك بواقعة احتراق أحد معسكرات اللاجئين السوريين فى اليونان، منذ أسابيع، التى انتهت باندفاع اللاجئين السوريين إلى الشوارع بلا مأوى، بينما الجيش اليونانى يطاردهم. أما من فروا إلى لبنان، لقرب المسافة بينها وبين سوريا ، فإما يعيشون فى معسكرات لاجئين، أو يعيشون تحت خط الفقر، ويعملون بأجور زهيدة للغاية، لا تكفى لسد الرمق، بينما رجال الأعمال السوريون، الذين قرروا نقل أموالهم إلى لبنان، كانت خسارتهم فادحة، بعد تفاقم الأزمة المالية والاقتصادية والسياسية التى ألمت بلبنان الشقيقة، ولا يعلم مداها، اليوم، إلى الله.

لم أقاطع الرجل، بينما هو مستطرد فى حديثه يقول: أما من راهن على مصر فقد ربح ... فمنذ وصولنا إلى الحبيبة مصر ، لم نشعر، يوما، بغربة ... لقد أحسن أهل مصر استقبالنا، ولم تتاجر قيادتها بقضيتنا، لقد تقاسمنا معكم العيش، والتحق أبناؤنا بمدارسكم وجامعاتكم، ولما طالت إقامتنا، بدأنا فى أعمالنا التجارية، لم نسمع من مصر ى من يقول إننا نزاحمهم فى أرزاقهم، بل انضم إلينا العديد من الشباب ال مصر ى، حتى توسعت أعمالنا معا، يدا بيد، وأموالنا محفوظة، لا قيود عليها ... فلما ننظر إلى حالنا، وحال إخواننا الذين تشتتوا فى البلاد، شرقا وغربا، نبكى على حالهم متمنين لو أنهم اختاروا مصر .

تابع الأخ السورى حديثه قائلا: آخر ما أريد قوله ... شكرا لكل ال مصر يين ... لابد أنكم فخورون بانتمائكم لأم الدنيا، التى احتضنتنا، كما احتضنت من سبقنا إليها من الإخوة الليبيين والإخوة العراقيين، ومازالت تفتح ذراعيها لنا بلا كلل أو ملل. ورسالتى لكم فى مصر حافظوا على بلدكم, فالعرب من غير مصر ولا حاجة ... أنتم القوة الحقيقية، الوحيدة، التى يستند إليها العرب ... خافوا على بلادكم، ولكم فينا وفى جيرانكم عبرة وعظة ... فالكل متربص بكم ولا يريدون لكم خيرا، وعلى رأسهم مثلث الشر قطر وتركيا وإيران، إلا أن تكاتفكم، ووحدتكم، والتحامكم بجيشكم القوى العظيم، هو حائط الصد القادر على درء كيدهم ... إن الأمان الذى تعيشون فيه نعمة غالية، لا يشعر بها إلا من ذاق مرارة التهجير، وفقد البيت والوطن... وهنا انتهى الحوار.



نقلا عن صحيفة الأهرام

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة