[x]

آراء

طه حسين: العقل النقدى والرؤى البصيرة

4-11-2020 | 20:26

منذ الشيخ حسن العطار وتلميذه رفاعه رافع الطهطاوى، ثم الشيخ خليفة المنياوى- واضع أول تقنين مدنى على المذهب الحنفى - بدأت المحاولات الأولى للرد على صدمة التحديث والحداثة المدوية من داخل الفكر الإسلامى الوضعى، ثم بدأ السعى الجاد للتجديد من داخل الموروث التاريخى الفقهى والكلامى مع الإمام محمد عبده، وتلامذته المشايخ العظام مصطفى المراغى، ومحمود شلتوت، وعبدالمتعال الصعيدى، فى محاولاتهم للخروج من هيمنة الفكر النقلى الموروث وأسئلته الماضوية، داخل المؤسسة الدينية الرسمية الموالية للحكم.


فى ظل عالم من العنعنات النقلية والعقل الحافظ، خرج من بين سياقاته وأعطافه طه حسين العقل الناقد والرائى البصير، ذو الملكة الإبداعية، والمجدد الفكرى، وصاحب الذائقة الأدبية الرفيعة، والحساسية اللغوية والأسلوبية الفذة، والخطاب النقدى الجديد المواكب لما يجرى فى المركز الأوروبى حول فرنسا آنذاك. هذا الحضور الاستثنائى أحدث نقلة نوعية فى الفكر المصرى والعربى الحديث والمعاصر، ونقل المقاربات النقدية واللغوية والتاريخية والسردية إلى ما يشبه قطيعة معرفية ومنهجية على عديد المستويات مع السائد التقليدى وشبه الحداثى فى هذه الحقول المتعددة، وعلى نحو يختلف مع من سبقه من مفكرى النهضة، ومجايليه، وعديدين ممن جاءوا بعده، إلى أن جاء بعض من استوعبوا درسه المنهجى والنقدى، وحاولوا استكمال دربه فى بعض حقوله المتعددة.

مرت سبعة وأربعون عاما منذ رحيله، وبقى الاسم العلم رفيعا حاضراً فى العقل والوعى النقدي، ومجانية التعليم، وفى عمله الفكرى متعدد الأبعاد والتأثير، لا يزال العميد حاملاً إشعاعاته المنيرة، ومتألقاً، أيا كانت المحاولات النقدية لإعادة النظر فى عمله، وفى تاريخ تطور نظم الأفكار شبه الحداثية منذ مطالع النهضة، وأيا كانت التطورات فى النظريات والمناهج التاريخية والنقدية الأدبية، وفى العوالم السردية على اختلافها تنظيراً وممارسة وتجارب، منذ سردية الأيام الذاتية، وتمريناته الروائية الأولية إلى عمله المؤسس فى المقاربة التاريخية للموروث فى الشعر الجاهلى -أيا كانت مصادره المرجعية مارجليوث أو غيره!- الذى أحدث صدمة كبرى للعقل المصرى إلى كتاباته التاريخية الأخرى. ما طرحه من مقاربة نقدية تاريخية شكلت صدمة منهجية ومعرفية مع السائد النقلى المسيطر الذى يعيد إنتاج مقولات وضعية لا تاريخية ابنة زمانها وأسئلته، وهو ما شكل صدمة الحداثة المنهجية والوعى التاريخى، الذى مثل زلزالا للعقل النقلى، ربما يماثل صدمة مدافع نابليون، وبدايات الوعى بالتخلف التاريخى لمصر من قبل قلة قليلة من النخبة المصرية آنذاك وحتى وصول محمد على سدة الحكم، وبدء عمليات تأسيس الدولة الحدثية، واستكمالها مع هندسات إسماعيل باشا فى المنظومات القانونية، والتخطيط العمرانى، والبعثات إلى فرنسا، وتشكيل أول برلمان مصرى، والتحديث السلطوى للدولة والقيم.. الخ. صدمة الشعر الجاهلى فارقة أيا كان الرأى النقدى حوله-، وبعدها الفتنة الكبرى، عثمان وعلى وبنوه، ولا تزال تمثل جذوراً مرجعية أولية فى مقاربة الموروثات التاريخية حول التاريخ الإسلامى، بعيداً عن العنعنات، والخطابات اللا تاريخية ذات النزوع التمجيدى الذى يضفى القداسة حول العقل الوضعى الإسلامى، وحول تاريخه.

المقاربة التى أسس لها العميد شكلت المرجع التاريخى، لعديد الكتابات، التى مارسها بعض كبار الباحثين العرب من أمثال هشام جعيط، وعبد المجيد الشرفى وتلامذته ومدرسته، ثم المقاربات الماركسية لعبد الله العروى وحسين مروة والطيب تزينى، ثم مقاربة محمد عابد الجابرى، وآخرين. أيا كانت هذه المقاربات على تعددها إلا أنها خرجت من معطف الأستاذ العميد تاريخياً. ركز عميدنا على الثقافة المصرية ومستقبلها وشكل كتابه حتى هزيمة يونيو 1967 الساحقة الماحقة، مرجعاً ملهماً مع بعض تعديلات عليه لإمكانية تطوير سياسة ثقافية فعالة، إلا أن الهزيمة وآثارها، ولا مبالاة الطبقة السياسية الحاكمة والجماعة الثقافية، فى ظل بعض هزيانات السرديات الأيديولوجية السائدة، إعاقته معرفيا إمكانية تحويل نص العميد إلى سياسة وحركة فعالة .

يمكن القول إن الذائقات اللغوية العربية لم يكن لها أن تتحرر إلا من خلال سرديات العميد النقدية، والسردية (الروائية) على الرغم من أنها لا تعدو أن تكون تمرينات حول جنس الرواية التى استكملها واضفى عليه المشروعية نجيب محفوظ لتغدو جزءاً من أنسجة الأدب العربى وأجناسه، ساهم العميد فى تطوير اللغة العربية وجمالياتها، وله الفضل والمنة . السؤال الذى يطرح حول ما الذى تبقى من طه حسين ؟ تبقى هذا الإرث الدينامى فى هذه المجالات، لكن طه حسين ليس هذا الجانب الحداثى فقط، ثمة وجه آخر به بعض من التقليدية نتج عن شدة وقسوة الهجوم عليه من المحافظين، لكن ذلك دائما ما يتم تناسيه فى مقاربة فكره، ويتم التركيز على دوره الحداثى، وفى هذا لابد من الإشارة إلى أنه لم يخضُ الممارسة الحداثية النقدية إلى منتهاها منهجاً وممارسة وإنما مارس بعض الهجنة بين المحدث الحداثوى، والموروث التقليدى لكى يسوغ لدى بيئة ثقافية تسيطر عليه المحافظة، والعقل النقلى الوضعى.

ما الذى تبقى صالحا من كل هذا الإنجاز الفكرى والأدبى سؤال طرح علنيا، إنها محضُ المحاولة الجسورة كمشروع لأى باحث أو مفكر أو مثقف، الممارسة الفعالة للعقل النقدى، وثقافة الأسئلة، ومساءلة السائد والتاريخى واللاتاريخى من منظومات الأفكار، ونقد السلطات السائدة، منهجياً ومعرفيا وفلسفيا ونقديا وسردياً وشعرياً . العالم المعرفى والفلسفى والسوسيولوجى والنقدى، وأنماط الكتابة، والثقافة تغيرت جذريا منذ نهاية الأربعينيات من القرن الماضى، والثورة النظرية والتطبيقية الألسنية، إلى تحولات ما بعد الحداثة، وما بعد بعدها، ونحن الآن فى عوالم سائلة وتتشكل بسرعة فى إطار الثورة الصناعية الرابعة، وعالم الروبوتات، وما بعد الإنسان، وما بعد الحقيقة، الكتابة والفلسفة، ونظريات الحداثة وما بعد بعدها، تتغير، ونهاية الإنسان كمركز للمكون.

من هنا تطرح أسئلة جد استثنائية، فى واقع موضوعى وسياقات متحولة وسائلة وسريعة فى تشكلاتها المتغيرة، ومن ثم منظومات كاملة من النظريات والمفاهيم والمصطلحات والمقاربات لم تعد صالحة لفهم وتفسير ما يحدث حولنا وبنا فى ظل تحلفنا التاريخى والبنيوى المركب ..

ما الذى سيبقى من عمل العميد وأثره الفعال وهل لا يزال صالحاً؟ سيبقى جزءاً من تاريخ الفكر العربى الحديث والمعاصر، إلا أن موروثة سيكون جزءاً من المقاربات النقدية الجديدة ومن وعى المثقفين والمفكرين ومعه تظل حية قيمة العقل النقدى الشجاع .



نقلا عن صحيفة الأهرام

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة