[x]

آراء

نقاط الخلل

2-11-2020 | 15:32

عمليا لا يوجد ـ على الأقل حتى الآن ـ ما يضمن ويحول دون تكرار حوادث الطعن والذبح المروعة في فرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية، التي ينفذها إرهابيون مدون في هويتهم الشخصية أنهم مسلمون، انتقامًا للإساءة لنبي الرحمة والتسامح والتعايش السلمي سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم، بواسطة الرسوم المسيئة بدعوى حرية التعبير.


بالتأكيد سوف تسارع بالتساؤل عن السبب الجوهري الذي يقوم عليه هذا الاستنتاج المزعج غير المبشر، وسأجيبك مباشرة وببساطة متناهية أن الحضارتين الإسلامية والغربية لم تنجحا بعد في استيعاب وهضم حقائق ومخرجات الوقائع السابقة المماثلة ـ على كثرتها ـ ومن ثم بقاء نقاط الخلل على حالها بدون علاج ناجع واستمرار اتساع الفجوة الشاسعة بين الجانبين.

أخطر نقاط الخلل وأشدها وطأةً وخطرًا الاعتقاد الراسخ الذي لا يتزعزع لدى كل طرف أنه صاحب الحق الناصع واليد العليا في معادلة العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي، ويجيز له هذا الحق فرض منطقه وتصوراته ومفاهيمه كاملة، وما على الطرف الآخر سوى قبولها صاغرًا وبلا ضجيج مهما كانت درجة شططها وغرابتها.

فالغرب يتبنى منظورًا أساسه أنه حامي حمى الديمقراطية وحرية التعبير غير المحدودة بسقف يُراعي ويحترم أديان ومقدسات الآخرين، وأن مهمته المقدسة تصدير هذه البضاعة لشعوب الأرض على اختلاف مشاربهم، بينما يعتقد كثير من المسلمين جازمين أنهم ضحايا لاضطهاد ومكائد الغرب الذي يُكن كراهية شديدة للإسلام ومعتنقيه ويحاربه، وأنه يجوز لهم الرد على ذلك بالعنف والترويع والإرهاب وجز الرقاب، والنموذج الدال على ما سلف تغريدة مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا السابق الذي أباح فيها للمسلمين ضمنيا ذبح الفرنسيين!

يتلازم مع نقطة الخلل تلك أخرى مفادها تهرب كل طرف من الإقرار بنصيبه المعلوم من المسئولية فيما آلت إليه الأمور من تردٍ وبشائع، ألقت بظلالها الكثيفة على علاقة الغرب بالعالم الإسلامي، إذ إن الغربيين يتحاشون الاعتراف بأنهم ربوا ثعابين سامة في عقر دارهم، بتوفيرهم ملاذات آمنة لثلة من المتطرفين والإرهابيين، لاستغلالهم كمخلب قط ضد دول عربية وإسلامية سعوا بليل لتغيير أنظمتها، وأن هؤلاء المتطرفين بدورهم ربوا أجيالًا مشوهة تشربت التطرف والقتل.

في المقابل، فإن المسلمين لا ينظرون إلى تعاملاتهم مع بعضهم البعض وما يكتنفها من عنف وتكفير للمخالفين في الرأي، وتنظيم "داعش" الإرهابي يمثل هذه الحالة المرضية، حتى لو قال أحدهم إن «داعش» لا يعبر عن جموع المسلمين والصورة الحقيقية للإسلام السمح، فقبل أن نشير بأصابع الاتهام إلى سين أو عين بالغرب لننظر بداية لأنفسنا وأفعالنا.

ومن بين الأفعال المقيتة والشاذة أن الآلاف من المسلمين يفرون من بلادهم للغرب بوسائل في الغالب غير شرعية، بحثًا عن معيشة ودخل أفضل، والمفترض أن الوافد يعيش بشروط وقواعد البلد الذي كافح وغامر للوصول إليه وليس العكس، لكن الجاليات المسلمة في القارة الأوروبية بخلاف انغلاقها وابتعادها عن الاندماج بمحيطها الاجتماعي فإنها وللغرابة تسعى لتبديل الإطار القيمي والأخلاقي والديني بما يتوافق مع تصورهم الديني الذي ليس بالضرورة يستند لأسس واستدلالات سليمة من صحيح الدين.

وعلينا الاعتراف بوجود خلل بين في أسلوب تنشئتنا لأطفالنا وشبابنا، فالعديد منهم يتربى على الانغلاق التام فلا مساحة للانفتاح ليس على معتنقي الأديان والمعتقدات الأخرى، وإنما على المؤمنين بنفس الدين لكونهم مختلفين في توجهاتهم ما بين سلفي وصوفي وسنة وشيعة .. إلخ، وفي المعية يتم تغذيتهم بشحنات لا تتوقف من التمييز والاستعلاء ونبذ الآخر.

أيضًا فإن من بين ما يعمق ويزيد من نقاط الخلل بين الغرب والمسلمين افتقار الطرفين لشخصيات شكلت في مراحل سالفة جسرًا للتواصل والتفاهم بين الحضارتين، فأين نعثر في زمننا هذا على أمثال طه حسين، وعباس العقاد، وتوفيق الحكيم، وأنيس منصور، والقائمة تطول، فهؤلاء تأثروا بالغرب وعلومه وعاداته الحميدة المساهمة في الارتقاء والتقدم ومغادرة مستنقع التخلف، وفي الوقت نفسه تمسكوا بقوة واعتزوا بهويتهم وحضارتهم الإسلامية والعربية وكانوا مشاعل نور أضاءت الطريق للقادمين من بعدهم لفهم واستيعاب الحضارة الغربية بمنأى عن التحيز والأحكام المسبقة التي تقود للتباعد وليس للتقارب وإيجاد نقاط تلاق.

وراجعوا بهدوء شديد آلاف المقالات والتقارير المنشورة بالصحافة الورقية أو بالمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي بعالمنا العربي والإسلامي لتجدوا كمًا رهيبًا مفزعًا من المهاترات والمهازل وسكب البنزين على النار المشتعلة، والانسياق خلف هاشتاجات مقاطعة المنتجات الفرنسية التي يقف خلفها جماعة الإخوان الإرهابية وإمامهم الرئيس التركي أردوغان ، وشرعنة نحر آمنين يتعبدون لربهم في كنيسة إو أي مكان عبادة آخر، ولا تنسوا أن أصداء شحنات الغضب والتحريض تتردد في جنبات فرنسا وباقي بلدان القارة العجوز، وتستخدم كدليل لا يرقى إليه شك بوجود صلة وطيدة بين الإسلام والإرهاب.

والأزمة الحقيقية في قضية الرسوم المسيئة لرسولنا الكريم تتمثل في عدم الالتفات من الجانبين لما سيترتب عليها من عواقب ومآس لا تعد ولا تحصى، فالذين أرسلوا التونسي « إبراهيم العويساوي » منفذ هجوم كنيسة مدينة نيس الفرنسية لو كانوا مسلمين حقا ويفهمون دينهم وتدبروا قليلًا ما سيلي تنفيذه لمذبحة ضد مدنيين لا جريرة ولا ذنب لهم لما أقدموا على فعلتهم الشنعاء، لأنها ستضر بالإسلام أكثر ما ستفيده وتدعم أركانه وصورته السمحة النقية.

ولو كان الرئيس الفرنسي ماكورن، تدبر ما سيعقب ما صدر عنه من تصريحات تصنف الإساءة لنبي الإسلام في خانة حرية التعبير لما تفوه بها من الأصل، واضطر لاحقًا للتراجع عنها تحت ضغط رد الفعل الغاضب من الدول الإسلامية، وللأسف اختار منبر قناة الجزيرة ليعلن تراجعه مع علمه بأن القناة القطرية أحد أبرز منابر الإرهاب والحض عليه، فالأديان ورسلها يجب أن تسمو وتعلو فوق العبث والتقديرات والحسابات الخاطئة، ورجاء اخمدوا النار قبل امتدادها وحدوث ما لا تحمد عقباه.

معركة حاسمة

تطرقنا الأسبوع الماضي إلى جانب من الجوانب المعتمة للسوشيال ميديا، متمثلا في ظاهرة "مجاذيب الشهرة" الذين لا يتورعون عن فعل أي شيء غريب وشاذ، لكي يصبحوا

مجاذيب الشهرة

للشهرة مذاقها الحلو الأخاذ وسحرها الخلاب الناعم، الذي يأسر ويستلب العقول الرشيدة، ويُقفدها اتزانها وبوصلتها، وفي مقابلها فإن المرء مطالب بدفع ثمن غالٍ

التنمر على شيكابالا .. المذنب الحقيقي

التنمر على شيكابالا .. المذنب الحقيقي

فقه الأولويات

يزدحم الفضاء العام في مصر بمواقف واتجاهات لا تعد ولا تحصى، حول كثير من القضايا الخلافية والجدلية في الدين والسياسة والتاريخ القديم والحديث .. إلخ، وظاهريًا

خطة مارشال الطبية

خطة مارشال الطبية

اختبار أمريكا الأصعب

ما تابعناه من فصول ومشاهد غريبة للفوضى الانتخابية بالولايات المتحدة بين المرشحين دونالد ترامب وجو بايدن، ليس سوى الاختبار الأصغر لأمريكا، تمهيدًا لخوضها

سد النهضة

رد الفعل الإثيوبي العصبي والمتشنج على التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشأن سد النهضة، يقدم دليلا إضافيًا على إصرار أديس أبابا على متابعة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة