ماكرون .. ويمكرون ضد الإسلام

31-10-2020 | 15:41

 

لقى الحادث الإرهابى الذى وقع فى العاصمة الفرنسية باريس، أخيرا، وأسفر عن قيام متطرف بقتل مدرس، إدانة من مختلف المؤسسات الإسلامية الرسمية و زعماء العالم الإسلامي ، وهو نهج ثابت ضد حوادث الإرهاب التي تقع فى أى بقعة بالعالم، فالجريمة بلا شك نكراء يرفضها الإسلام، ولكن ملابسات ما قبل الحادث وما بعده تؤكد استمرار الازدواجية في التعامل مع التطرف والإرهاب بشكل يزيد هذه الجرائم، فقبل الحادث وصف الرئيس الفرنسى ماكرون خلال خطابه (2 أكتوبر الحالي) الإسلام بأنه فى أزمة حول العالم فى خلط مخل بين الإسلام وبعض المسلمين، و تشويه لدين سماوى يعتنقه ثلث سكان العالم، مما أثار ردود أفعال إسلامية غاضبة بالعالم، كانت تستوجب اعتذاره، ولكن بدلا من ذلك، وجدناه بعد الحادث، يتمادى فى تهجمه على الإسلام حينما قال، إن القتيل كان ضحية هجوم إرهابى إسلامى ليوصم الإسلام بالإرهاب وهو وصف لا يمكن أن يصدر من زعيم سياسى ينتمى لهذا العصر؛ لأنه يناقض الدبلوماسية والحضارة والتقدم.


هذا الوصف يجعلنا نتساءل: هل نحن أمام (ماكرون) السياسى المنتخب الذى يؤمن بالحرية والمساواة ويرفض تعميم أفعال قلة قليلة لا تبلغ واحدًا فى المليون من بين مليارى مسلم مسالمين، أم أننا أمام (ماكرون) (جمع ماكر)، يمكرون لتغذية الإسلاموفوبيا فى الغرب متغافلين عن تنامى اليمين المتطرف الذى يتربص بكل من هو غير أوروبى أو ذى بشرة ملونة وبخاصة من المسلمين.

يقودنا ذلك الموقف الملتبس إلى نوعين من الازدواجية الغربية التى يعتبر هذا الربط المتعسف بين الإسلام والإرهاب والأزمة، أحدث مظاهرها.

النوع الأول الازدواجية فى التعامل مع الإرهاب، حيث نجد الإدانة تكون عالمية أى من مؤسسات دولية وبعض زعماء العالم إذا كان مرتكب الجريمة الإرهابية مسلما، فينعت المدان بانتمائه (الإسلامي)، أما إذا كان غير مسلم فالأمر يختلف، فقد يدان وقد لا يدان، وإذا أدين ينعت بانتمائه الوطنى أو العرقى وليس الديني.

فمثلا مرتكب جريمة لاس فيجاس الذى قتل 50 أمريكيا وأصاب 500 آخرين عام 2017، لم يوصف بالإرهابي، ولم تنعت الآلة الإعلامية العالمية هذا الحادث بأنه إرهاب مسيحى وفقا لديانة مرتكبه!. ونفس الحال حدث مع المسلح الذى أطلق النار على المصلين فى مسجدين بنيوزيلاندا وقتل أكثر من 50 مسلما، فلم يوصف بالإرهاب المسيحى على الرغم من أن منفذه أسترالى مسيحى كتب على فيسبوك عبارات عنصرية ضد الإسلام؛ بل بث متفاخرا لقطات الهجوم الذي نفذه على المسجدين.

وقد أشرت إلى هذه الازدواجية والتحيز من قبل حيث اكتشفته مبكرا، عندما كنت أعد خطة مبدئية لمشروع دراسة حول صورة المسلمين بالصحافة الغربية، فى تسعينيات القرن الماضي، فبحثت فى محركات البحث عن كلمات مفتاحية (مسلم/ إسلامى) وفوجئت أن 90% من المواد الإعلامية الواردة فيها هذه الكلمات تتناول عمليات عنف أو إرهاب توصف بالإسلامي.

فى حين أن وسائل الإعلام الغربية فى نقلها لحوادث اعتداء المتطرفين اليهود على العرب فى فلسطين لا تصفهم عادة بأنهم يهود ولا تعتبر الاعتداء بأنه إرهاب يهودى وإنما تصفهم بالمستوطنين، ففى 25 فبراير 1994م قتل يهودي (باروخ جولدشتاين) 29 مصلياً فلسطينياً فى مسجد بمدينة الخليل، ولكن لم تصفه وسائل الإعلام بأنه إرهابى ولم تنعت الجريمة بالإرهاب اليهودى وإنما على العكس اعتبرته بعض المجموعات اليهودية بأمريكا وإسرائيل قديساً وبنوا له الأضرحة.

وخلال الحرب التى قادها الصرب ضد البوسنة، كان الإعلام الغربى يصفها بأنها معارك بين الصرب والمسلمين، فى ازدواجية غريبة، لأن التصنيف إما أن يكون على أساس العرق أو الدين، ولكن لأن المعتدى هنا الذى ارتكب جرائم حرب ليس مسلما فتم استخدام معيارين، معيار العرق لوصف الصرب الذين اعتدوا على المسلمين حتى لا يوصف القتلة بأنهم مسيحيون، معيار الدين لوصف مسلمى البوسنة!

والنوع الثانى من الازدواجية الغربية يظهر فى التعامل مع حرية التعبير، حيث يعتبرون الاعتداء على المقدسات الإسلامية (رسوم النبى نموذجا) حرية التعبير، بينما يتم تجريم من يشكك فى رقم الـ6 ملايين يهودى المزعوم فى المحارق النازية، بل إن السيد ماكرون وقع فى هذه الازدواجية، حينما وصف الإسلام بأنه فى أزمة ولكنه فى الخطاب نفسه، رفض أى معاداة للسامية بوصفها تناقض قيم الجمهورية، وهو بذلك النهج، يناقض قيمة المساواة التي تعد أبرز قيم الجمهورية الفرنسية!.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

مقالات اخري للكاتب

لسنا مجرد أرقام بقوائم المبيعات!

لسنا مجرد أرقام بـقوائم المبيعات!

مقاتلون بلا سلاح فى ملحمة أكتوبر!

مقاتلون بلا سلاح فى ملحمة أكتوبر!

عشوائية فوق 3 عجلات!

«طايش لكن عايش».. هذه الشعار الذى قرأته على ظهر توك توك يلخص بعبقرية ما تفعله هذه المكينة التى اجتاحت شوارعنا فى غير غفلة من الزمان والمكان، لتجعلنا نعيش

بابا جوجل والآباء المنافسون!

في سبتمبر الحالي يمر 22 عامًا على تأسيس جوجل، وهو ما يعني أن لدينا جيلًا كاملًا ولد وتعلم وتخرج في المدارس والجامعات في رعاية وأحضان أحد أبرز مظاهر العالم

المصريون بالخارج بين نارين!

تابعت ما تداوله رواد شبكات التواصل الاجتماعي أخيرا، حول الاعتداء على أحد المصريين العاملين بالكويت، وما سبقه من تصريحات مستفزة لإحدى الكويتيات عن العمالة

سد النهضة وخطابنا الإعلامي

مقطع الفيديو المنتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعى باللغة العربية والذى تعبر فيه فتاة إثيوبية عما تزعم أنها حقها فى منع اثيوبيا مياه النيل عن مصر، حيث تصب

سد النهضة.. الحلقة المفقودة بالمسار الدبلوماسي

استمرت مصر قرابة عقد فى مفاوضات مضنية بهدف التوصل إلى حل عادل ومتوازن يلبى مصالح الأطراف الثلاثة (إثيوبيا ومصر والسودان)، وعندما تعثرت المفاوضات نتيجة التعنت الإثيوبي، رفعت القاهرة ملف سد النهضة إلى مجلس الأمن لتؤكد حرصها على المسار الدبلوماسى والسياسى لحماية حقوقها فى مياه النيل.

اعمل من المنزل.. شعار ما بعد الجائحة

تسببت جائحة كورونا فى إغلاق العديد من الأنشطة الاقتصادية، كما وضعت هذه الأزمة أكثر من نصف سكان العالم فى إقامة جبرية بمنازلهم، ونتج عن ذلك حدوث تغييرين

الجيش الأخضر .. المعركة مستمرة

بجانب جيشنا الوطنى الذى يدافع عن البلاد ويحمى الثغور ويحافظ على تراب الوطن، لدينا جيوش مدنية تخوض معركة الحياة والتنمية والبقاء، منها الجيش الأبيض الذى

وادي النيل .. سودان ومصر ومصير

منذ أكثر من 25عاما حضرت ندوات عقدت بواشنطن وولايات أمريكية أخرى ضمن برنامج الزائر الدولى بعنوان (دور الدين فى خدمة المجتمع) بمشاركة علماء وباحثين وصحفيين

الخطاب الديني في رمضان.. تجديد أم تبديد؟

جدد حياتك فى رمضان. اكسب الحسنات واخسر السعرات. وصافح قلبك ابتسم لذاتك وصالح نفسك وأطلق أسر أحزانك وعلّم همومك الطيران بعيداً عنك..بهذه الأمنيات استقبلت

كوفيد19.. مفيد 20 مرة!

هل يمكن أن يكون كورونا مفيدا؟.. نعم، إذا اتبعنا منهج تحويل المحنة إلى منحة، حيث أتاح هذا الفيروس فرصة لتجريب العديد من البدائل التى قد نحتاجها لحل الكثير

مادة إعلانية

[x]