المفكر السياسى الأمريكى ستيفن والت لـ «الأهرام»: «النوايا الحسنة» لا تصنع سياسة خارجية جديدة

31-10-2020 | 15:44

المفكر السياسى الأمريكى ستيفن والت

 

رسالة واشنطن - منال لطفي

الدبلوماسية الأمريكية بحاجة إلى الإصلاح لإعفاء «الهواة عديمي الخبرة» من المسئولية

5 نقاط فقط للسياسة الخارجية من 54 نقطة يتضمنها مانفيستو حملة ترامب
واشنطن لا تراجع أخطاءها مما قد يكلفها مكانتها على رأس النظام الدولي

هناك قلق أمريكى متزايد من تراجع مكانتها على المسرح الدولي. وهناك أيضا تسليم بفكرة عودة المنافسة بين القوى العظمي، خاصة المنافسة الصينية الاقتصادية والإستراتيجية مع عبارة تتردد كثيراً وهى «ترميم البيت من الداخل»، وهى عبارة كاشفة عن كيف ترى أمريكا نفسها من الداخل.

كثيرون داخل مراكز الأبحاث الأمريكية من الخبراء والمسئولين السابقين لا يشغلهم فقط أسئلة من قبيل: هل نتدخل فى سوريا؟ هل نتفاوض مع إيران؟ هل نبقى فى الشرق الأوسط؟ هل نغادر الشرق الأوسط؟ فهذه الأسئلة تبدو أقل أهمية إزاء التحديات الأكبر التى تواجه أمريكا وهى كيفية تعاملها مع التحديات العالمية التى يشكلها صعود الصين بالذات. وكيف تتعامل مع القوة الصينية اقتصادياً، وكيف تتعامل معها بالمعنى الإستراتيجى فى آسيا وخارجها.

فأمريكا تشعر أنها بددت انتصار الحرب الباردة، وأن تربعها على عرش النظام العالمى كالقوة العظمى فى العالم لم يدم طويلاً، فالصين تطرق على الأبواب.

وفى حوار خاص مع «الأهرام» يقول المفكر السياسى الأمريكى البروفسير ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية فى «كلية كينيدى» بجامعة هارفارد الأمريكية ،إن على السياسية الأمريكية إعادة ترتيب أولوياتها وعدم التدخل فى كل أزمة وفى كل مكان حول العالم، مرجعاً الأزمات العديدة التى تعانى منها أمريكا اليوم لعقيدة أو مبدأ «الهيمنة الليبرالية» الذى دفع كثيرا من الإدارات الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية للتدخل على المسرح الدولي، ليس لتحقيق مصالح مشتركة بل «أيضاً لمحاولة إعادة تشكيل العالم على صورة أمريكا» فيما يتعلق بقيم الليبرالية الديمقراطية وحرية السوق. ويقول والت لـ«الأهرام» إن محاولات تشكيل العالم على صورة أمريكا «لم تسر على ما يرام»، وأن النوايا الحسنة وحدها لا تصنع سياسة خارجية جيدة.

وفى نظر والت فإنه على الرئيس الأمريكى المقبل بغض النظر عن هويته أن يحاول الدفع نحو المزيد من الواقعية السياسية على غرار «عقيدة نيكسون» فى السبعينيات، فى إشارة إلى الرئيس الأمريكى الراحل ريتشارد نيكسون الذى دشن مسارا سياسيا واقعيا غير مسبوق بالانفتاح الإستراتيجى على الصين الشيوعية.

ويوضح والت أن ذلك النهج سيساعد مناطق عديدة حول العالم تعانى من الآثار السلبية للسياسة الخارجية الأمريكية، ومن بينها الشرق الأوسط. ويستطرد: «الشرق الأوسط ما زال مهما. لكن أهميته الإستراتيجية آخذة فى التراجع لأسباب عديدة. يوجد حالياً تخمة نفطية، وسيتراجع الطلب على النفط والغاز فى المستقبل حيث يحاول العالم الحد من التغييرات المناخية عن طريق الابتعاد عن الوقود الأحفوري. علاوة على ذلك ، فإن المصلحة الإستراتيجية الأمريكية الرئيسية هى الحفاظ على توازن القوى الأقليمي، بحيث لا يمكن لدولة واحدة أن تسيطر على المنطقة. لا يوجد بلد يمكنه فعل ذلك اليوم أو فى المستقبل القريب ، لذلك يمكن للولايات المتحدة أن تقلص دورها العسكرى بأمان وتسمح للجهات الإقليمية بالتعامل مع المشكلات».

البروفسير ستيفن والت ليس غريباً على الجدل فى واشنطن. ففى عام 2007 ، أصدر أحد أهم كتبه وهو «اللوبى الإسرائيلى والسياسة الخارجية الأمريكية» الذى شارك فى تأليفه مع البروفسير جون ميرشايمر، الأكاديمى الكبير فى جامعة شيكاجو الأمريكية. وفى الكتاب يخلص والت وميرشامير إلى أن الدعم الأمريكى غير المشروط لإسرائيل، والذى شكلته منظمات الضغط القوية مثل لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك)، يلحق ضررا جسيما بالمصالح الأمريكية، والإسرائيلية، والشرق الأوسط.

وفى الكتاب يوضحان أن اللوبى الإسرائيلى ماهر بشكل خاص فى خنق النقاش قبل أن يبدأ، مشيرين إلى أنه فى أمريكا هناك نقاش حيوى حول كل شىء من امتلاك السلاح، إلى قضايا البيئة، والسياسة التجارية، والرعاية الصحية ، والهجرة لكن فيما يتعلق بإسرائيل «فإن الأصوات المنتقدة تصمت ولا يكاد يكون هناك أى نقاش على الإطلاق».

والمشكلة، كما يقول البروفسير ميرشايمر والبروفسير والت، هى أن إسرائيل أصبحت عبئا إستراتيجيا على أمريكا منذ نهاية الحرب الباردة. وأن الدعم الأمريكى غير المشروط لها أضر بمصداقية أمريكا فى العالم العربي، وشجع الإرهاب، وعرقل البحث عن حل للمشكلة الفلسطينية، وجعل موقف أمريكا الدولى أضعف وأكثر خطورة.

كل هذه الحجج تتلاقى وتتقاطع مع آخر كتب والت «جحيم النوايا الحسنة »: حول السياسة الخارجية الأمريكية الذى يقدم فيه والت وجهة نظر نقدية لمجمل السياسة الخارجية الأمريكية ويدعو لعودة «التوازن» لها.

طبعاً هذه الأسئلة الجوهرية حول السياسة الخارجية الأمريكية مهمة جداً وأمريكا على أبواب انتخابات مصيرية خلال 3 أيام.

من سيمتلك القرن الـ21؟
العوامل التى تحسم المنافسة الدولية فى القرن الـ21 لن تكون العوامل نفسها التى حسمتها فى القرن الـ20، مثل من يمتلك أكبر عدد من الرؤوس النووية، أو من يملك أضخم جيش، أو من يملك أفضل شعارات دعائية.

فالقوى المنتصرة التى سيئول إليها القرن الـ21، هى التى ستتعامل بكفاءة مع طائفة جديدة ومختلفة من التحديات على رأسها نظام رعاية صحية قوى لمواجهة أوبئة الحاضر والمستقبل. ونظام تعليمى يستجيب للتحولات التكنولوجية والاقتصادية، فبسبب تلك التحولات، خاصة التكنولوجية، أصبح خلق الوظائف أصعب بكثير. أيضا مستقبل القوى فى القرن الـ21 يحدده نظام قوى لحماية البيئة والموارد الطبيعية ومواجهة التغييرات المناخية. وخلق نظام اقتصادى لا يزيد الفجوة الهائلة بين شخص يربح أكثر من 10 مليارات دولار فى اليوم (مؤسس أمازون كمثال)، والمواطن العادى الذى يعيش على 6 أو 7 دولارات فى الساعة (40% من الأمريكيين).

هذه هى بعض التحديات التى سيتعين على الرئيس الأمريكى المقبل أن يقرر ماذا يفعل حيالها إذا كان لأمريكا أن تظل القوة الدولية على رأس النظام العالمى.

فأمريكا تعانى من بنية تحتية من الدرجة الثانية مقارنة بغالبية الدول الأوروبية. ويتراجع فيها متوسط العمر. ومعدلات وفيات المواليد فى ارتفاع. وما لا يقل عن 40 مليون أمريكى يعيشون عند خط الفقر (1 من كل 8 أشخاص). و 43 مليون أمريكى يعانون من أمراض نفسية. وهناك تدهور بيئى متزايد ( أكثر من 19 مليون أمريكى معرضون لخطر شرب مياه ملوثة). ومازالت أمريكا ثانى أكبر مصدر للغازات المسببة للاحتباس الحرارى فى العالم، ويبلغ متوسط البصمة الكربونية لأمريكا ضعفى ما لدى المواطن الأوروبى أو الصيني. أما مستوى المدارس الأمريكية فهو أسوأ من الأوروبية والأسيوية .

وفى الوقت نفسه، تعمل أمريكا وروسيا، اللتان تمتلكان معاً أكثر من 90% من الرؤوس النووية فى العالم على تحديث وتوسيع ترساناتهما بأسلحة جديدة بعدما انهارت المعاهدة الأمريكية الروسية بشأن الرؤوس النووية متوسطة المدى العام الماضي. وسيكون من أول قرارات الرئيس الأمريكى المقبل التوصل لاتفاقية جديدة أو قبول سباق تسلح جديد.

وبالتالى عندما أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى إبريل 2016 أن «سياستنا الخارجية كارثة شاملة» وأنها تضر الأمريكى العادى الذى يدفع تكلفة الحروب من ضرائبه، ضرب ترامب على وتر حساس لدى العديد من الأمريكيين. فالمواطن الأمريكى غير شغوف بالتدخل الخارجى إلا لدواع إنسانية محضة مثل وقف عمليات إبادة عرقية على غرار التدخل الأمريكى فى الحرب الأهلية فى رواندا أو حرب البوسنة فى التسعينيات من القرن الماضي.

عزلة أمريكية لم تطل
فعند استقلال أمريكا، لم ترغب الولايات الأمريكية فى الدخول فى تعقيدات صراعات وتنافسات وحروب القوى الأوروبية الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا وأسبانيا. وعلى حد تعبير الرئيس الأمريكى الراحل جون آدامز فإن «عمل أمريكا مع أوروبا هو التجارة وليس السياسة أو الحرب». فيما تساءل الرئيس الأسبق جورج واشنطن «لماذا نمزج مصيرنا مع مصير أى جزء من أوروبا؟».

لكن العزلة الأمريكية لم تطل. فقد اضطرت لعبور الأطلنطى وإرسال قوات للقارة العجوز خلال الحرب العالمية الأولى والثانية، التى بعدها نشبت حرب باردة لم يشهد العالم مثيلاً لها. فأصبحت القوات الأمريكية فى كل مكان: فى آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.

ولإعادة بناء أوروبا دشنت أمريكا «خطة مارشال» عام 1948 وتأسس حلف الناتو كمظلة دفاعية جماعية. أما الخصوم السابقين مثل ألمانيا واليابان، فقد تحولوا لحلفاء أقوياء. وشهد العالم خلال الأربعة عقود التالية مستويات غير مسبوقة من الانتعاش والنمو الاقتصادي، وطفرة فى التكنولوجيا والتصنيع.

ثم انتهت الحرب الباردة بانتصار أمريكا والمعسكر الغربي، لكن الانتصار الأمريكى لم يدم طويلا. فبعد أقل من 30 عاماً على انتهاء الحرب الباردة تجد أمريكا أن جلوسها على قمة نظام عالمى أحادى القطب «قصير العمر».

فما هى نصيحة والت للرئيس الأمريكى المقبل وسط تلك التحديات الاستراتيجية غير المسبوقة؟
يقول والت لـ«الأهرام»: أفضل شيء يمكن أن يفعله هو تبنى نهج أكثر توازناً فى السياسة الخارجية... فمحاولات أمريكا تشكيل السياسات المحلية للمنطقة، أى فى العراق وسوريا واليمن وليبيا وأماكن أخري، فشلت والفشل كان مكلفاً. لذلك يجب على الولايات المتحدة أن تعود إلى استراتيجيتها السابقة المتمثلة فى (التوازن الخارجي)، وأن تحد من تواجدها العسكرى فى المنطقة، وأن تكون لها علاقات طبيعية متكافئة مع دول المنطقة.

ففى نظر والت ما زالت المؤسسة السياسية فى واشنطن متمسكة بشغف بفكرة أن كل أزمة دولية تحتاج إلى تدخل أمريكي، بغض النظر عن خصوصية المشكلة المطروحة، وذلك من أجل الحفاظ على «الهيمنة الليبرالية» العالمية بقيادة أمريكا. وبعد دراسته لثلاث إدارات أمريكية والشبكة الواسعة من المؤسسات البحثية والفكرية التى تغذى صانع القرار الأمريكى فيما يتعلق بمسار السياسة الخارجية الأمريكية، يقول والت إن الإدارات الأمريكية قد استهانت بثمن أخطاء السياسة الأمريكية على اعتبار أن أمريكا على قمة النظام العالمى وتستطيع التعامل مع بعض الاخفاقات الخارجية والأثمان المترتبة عليها.

وبالتالى وبرغم تكرار الأخطاء من فيتنام إلى العراق، مروراً بافغانستان وسوريا، ظل مبدأ استخدام السياسة الخارجية الأمريكية للترويج للقيم الليبرالية كأداة لمواصلة السيطرة العالمية فكرة محورية لدى الحزبين الجمهورى والديمقراطي. وقد استخدم هذا المبدأ على نحو كارثى خلال رئاسة جورج بوش الابن مجسدا فى حرب العراق. ثم تواصل بدرجات أقل خلال إدارة باراك أوباما على الرغم من الديون الفيدرالية، وعجز الميزانية، والتخفيضات فى الإنفاق الدفاعي، والأزمات المالية العالمية.

واستطاعت الإدارات الأمريكية الواحدة تلو الأخري، القيام بمغامراتها فى السياسة الخارجية عبر إقناع الجمهور الأمريكى بفوائد الدور العالمى لأمريكا، وأن هذا الدور ليس مهما فقط لحماية أمن أمريكا القومى، بل مهم أيضا للدول التى تتدخل فيها أمريكا.

وبحسب تقييم والت، فقد انخرط خبراء السياسة الخارجية الأمريكية فى المراكز الفكرية فى واشنطن ونيويورك فى تقديم تبريرات لضرورة التدخل الأمريكي، والمبالغة فى الفوائد التى سيتم حصدها من وراء ذلك التدخل سواء كانت على المستوى الأمنى أو الاقتصادي. كما عمل هؤلاء الخبراء على إخفاء حقيقة التكلفة البشرية والسياسية والمادية لذلك التدخل، والتغطية على ردود الأفعال المحلية والإقليمية فى الدول التى تدخلت فيها أمريكا ،وحرب العراق 2003 هى النموذج المثالى على كل هذا.

وانطلاقا من هذا الرأي، يرفض والت مبدأ «الهيمنة الليبرالية» فى السياسة الأمريكية ويرفض أيضا مدرسة «المحافظين الجدد»، فكلاهما يدعى أنه يمكن لأمريكا التدخل فى العالم لتحقيق قيم معينة (سواء الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو حكم القانون)، لكن غالبا ما تكون النتائج كارثية.

ويستخدم والت نموذج حرب العراق وتداعياتها، موضحاً أنه مهما كانت النوايا نبيلة (أو غير نبيلة) لمخططيها، فقد أدت الحرب إلى مقتل وإصابة أكثر من مليون عراقي، وتدمير النسيج الاجتماعى الخصب، والعلاقات بين الطوائف المختلفة، وزرع بذور الانقسام فى دولة قومية كبيرة وعريقة فى الشرق الأوسط عمرها آلاف السنين.

والت لا ينتقد كل النوايا وراء كل أشكال التدخل بالضرورة، فهناك نوايا نبيلة فى بعض الحالات، لكن النوايا الطيبة لا تصنع سياسة خارجية جيدة. والمسئولون الأمريكيون، والخبراء فى مراكز الأبحاث من مواقعهم فى واشنطن أو نيويورك لم يكونوا على دراية فى كثير من الحالات بالتعقيدات الجيوسياسية وطبيعة البيئة المحلية للدول التى تدخلوا فيها.

وبالتالى وبدلاً من عالم أفضل، حدث العكس. فالتدخلات الخارجية لم تجعل أمريكا ولا العالم من حولها أكثر أماناً وازدهاراً. يؤكد والت أن «محاولة أمريكا الطموحة لإعادة تنظيم السياسة العالمية قوضت موقفها وزرعت الفوضى فى عدة مناطق، وتسببت فى بؤس كبير فى عدد من البلدان». وأن انتصار الحرب الباردة قد تم تبديده، ووجدت الولايات المتحدة نفسها تتحمل نصيباً غير متناسب من أعباء الأمن العالمى مع تكلفة كبيرة على دماء أمريكا وأموالها.

فتوسيع حلف الناتو لضم الكثير من دول الكتلة الشرقية «سابقا»، وعواقب تغيير النظام فى أفغانستان والعراق وليبيا ومحاولة تغيير النظام فى سوريا وأماكن أخرى والحرب بلا نهاية على الإرهاب، وسوء إدارة عملية السلام فى الشرق الأوسط ، واستمرار انتشار أسلحة الدمار الشامل، كل هذا جعل أمريكا ضعيفة دولياً.

أيضاً الإفراط فى الاعتماد على القوة العسكرية عند مواجهة الأزمات السياسية، والميل نحو الأحادية تحت عباءة «القيادة العالمية» وعدم الاستماع إلى أراء الحلفاء عبر الأطلنطي.

كذلك انعدام المساءلة عن الفشل الجماعي. فعلى الرغم من التكلفة الباهظة لحرب العراق ينتقد والت عدم شعور كثير من صقور السياسة الأمريكية بالندم. فالسناتور الجمهورى ماركو روبيو ما زال يعتقد «أن الذهاب للعراق لم يكن خطأ». أما السناتور الجمهورى البارز ليندسى جراهام، فيرمى اللوم على الرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما فى «الفوضى فى العراق وسوريا، وليس الرئيس بوش». أما جيب بوش، شقيق الرئيس الأمريكى الأسبق جورج بوش الابن، فيعتقد أن «الانسحاب المبكر كان الخطأ الفادح» وليس الغزو نفسه.

وبالنسبة إلى والت، يجب أن تكون الدبلوماسية أداة لفن الحكم بدلاً من أيديولوجية خالية من الإنجازات الملموسة. وللفوز على الجبهة الدبلوماسية، يرى أن الدبلوماسية الأمريكية بحاجة إلى الإصلاح من أجل إعفاء «الهواة عديمى الخبرة» من المسئولية،وتخليص مؤسسة السياسة الخارجية من السرية المفرطة. وتعزيز المساءلة عن الأخطاء لأن عدم وجود مساءلة يشجع المسئولين على السعى وراء أهداف محفوفة بالمخاطر فى السياسة الخارجية دون أى تكلفة مهنية.

كما يدين والت ميل السلك الدبلوماسى الأمريكى لتهميش المعارضة الداخلية، وإسكات أى انتقادات للسياسة الرسمية، وعدم السماع للأراء المخالفة ما جعل غالبية الدبلوماسيين الأمريكيين يترددون فى الإفصاح عن أرائهم إذا كانت ستتعارض مع كبار المسئولين فى الخارجية أو البيت الأبيض. أو الاستقالة وترك الخارجية كلها، كما فعل مئات الدبلوماسيين الأمريكيين المخضرمين خلال الأعوام القليلة الماضية.

وبالتالى انتقاد ترامب للسياسة الخارجية الأمريكية منذ كان مرشحاً للرئاسة فى 2016 فى محله تماماً.

لكن السؤال هو: هل أصلح ترامب الأمور؟
يجيب والت: لا.بالعكس إدارة ترامب «قدمت نموذجاً لكيفية عدم معالجة الأمور». فترامب لم يضع استراتيجية بديلة، وواصل تبنى استراتيجية معيبة، ولكن تنفيذها الآن أسوأ.

والبديل الذى يقدمه والت للرؤساء الأمريكيين، وخاصة الرئيس الأمريكى المقبل ،هو استراتيجية «التوازن الخارجى» التى انتهجها الرئيس الأسبق نيكسون ووزير خارجيته هنرى كيسنجر، وهى استراتيجية تعتمد بشكل أساسى على «الجهات الفاعلة الإقليمية لدعم موازين القوى المحلية وإلزام الولايات المتحدة بالتدخل بقواتها الخاصة فقط عندما يكون واحد أو أكثر من تلك التوازنات فى خطر من الانهيار».

هذه الاستراتيجية أو ما يسمى «عقيدة نيكسون» التى تم تطويرها على خلفية حرب فيتنام المريرة، لخصها نيكسون كالتالي: «أمريكا ستساعد فى الدفاع عن الحلفاء والأصدقاء وتطويرهم... لكنها لن تتولى الدفاع الكامل عن الدول الحرة فى العالم».

أما مهندس تحويل تلك الاستراتجية إلى سياسات مادية ملموسة على الأرض فهو كيسنجر، وهو سياسى واقعى حتى النخاع، ورافض لفكرة أى بُعد أخلاقى للسياسة الخارجية. فمثلاً فى السبعينيات عندما أراد تعزيز سياسة الانفتاح على الصين للاستفادة من الفرص الاقتصادية للشركات الأمريكية فى الصين وعارضت اليابان خوفا من النفوذ الصينى الهائل، وقف كسينجر ينعت اليابان (حليف أمريكا القوى بعد الحرب العالمية الثانية وأحد أركان الاستراتيجية الأمريكية فى آسيا) بأنها، أى اليابان، التهديد الأكبر للسلام فى شرق آسيا بسبب معارضتها للانفتاح التاريخى لنيكسون مع الصين.

واليوم تقف أمريكا فى مفترق طرق. فدورها على رأس النظام الدولى فى تراجع بعد انسحابها من التزاماتها الدولية مثل اتفاق باريس للمناخ، و منظمة الصحة العالمية، والنافتا، واليونسكو. كما أن الإعجاب بأمريكا حول العالم فى تراجع، ورضاء الأمريكيين أنفسهم فى تراجع، خاصة وسط الشباب.

أما فكرة «الغرب»، أى مجموعة الديمقراطيات الليبرالية المتشابهة التفكير التى انتصرت فى الحرب الباردة، فهى على المحك أيضا. فالغرب اليوم ضعيف ومنقسّم ويفتقد للكفاءة فى إدارة بعض الأزمات الخطيرة مثل أزمة كورونا مثلا. فأداء العديد من الدول الآسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة والصين كان أفضل كثيراً، وبالتالى معدلات الوفيات والإصابات أقل بكثير بسبب قدرتهم التنظيمية الخارقة التى ساعدتهم بعد أشهر قليلة من تفشى كوروبا على بناء نظام «الاختبار والتتبع» لمنع انتشار العدوي، وبالتالى تجنب سيناريو الإغلاق الكلى للاقتصاد الذى تعانى منه أمريكا وأوروبا.

وفى الانتخابات المصيرية يوم الثلاثاء المقبل سيتحدد الكثير حول مستقبل أمريكا والعالم. فلم تقل حملة ترامب سوى القليل جداًعن نواياها الخارجية. وأصدرت ما يعد أقصر مانفيستو فى تاريخ الانتخابات الأمريكية . وهو مانيفستو من 54 نقطة، فقط خمس من هذه النقاط عن السياسة الخارجية (41 كلمة بالضبط)، تتضمن شعارات من بينها:«القضاء على الإرهابيين العالميين الذين يهددون بإيذاء الأمريكيين«. لم تظهر كلمة «المناخ». ولكن هناك نقطتين حول الشراكة مع البلدان الأخرى «لتنظيف» المحيطات، والتعهد بـ «الاستمرار فى قيادة العالم فى الحصول على أنظف مياه شرب وهواء أنظف».

أما حملة بايدن فقد تعهدت بأن تعود أمريكا للانضمام إلى اتفاق باريس للمناخ فى اليوم الأول من رئاسته، وشن حملة دبلوماسية لتحقيق أهداف عالمية طموحة لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحرارى بوصفها مسألة أمن قومى عالمي. ووضع خطة لإنفاق تريليونى دولار على البنية التحتية للطاقة النظيفة والاستثمارات المناخية الأخري. لكن التنفيذ يظل أهم من الوعود. وحتى إذا فاز بايدن فإنه قد يواجه عراقيل من الكونجرس (هو يأمل أن يحقق الديمقراطيون أغلبية فى مجلسى الشيوخ والنواب)، وعراقيل فى المحكمة العليا التى يسيطر عليها قضاة محافظون. وفى كل الحالات، سيعرف بايدن وترامب رأى الناخب الأمريكى خلال أيام قليلة.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

مادة إعلانية

[x]