معارك فكرية في زمن مختلف

30-10-2020 | 15:52

 

حين يقال إن الثقافة المصرية كانت تعيش زمانًا مزدهرًا راقيًا فى حواره مترفعا فى لغته فإن هذه حقائق ليست فى حاجة إلى تأكيد لأن المقارنة صارت مستحيلة والمسافات بعدت كثيراً والرموز صغرت ولم تعد لغة الحوار والاختلاف كما كانت فى يوم من الأيام..


لنا أن نتصور حجم قامات الفكر فى مصر وبين من كانت تدور المعارك والصراعات فى الفكر والإبداع والسياسة والدين وشئون الحياة.. لنا أن نتصور معارك عباس العقاد ومن هو وهو يقود الحملات الصحفية مع حزب الوفد وزعيمه سعد زغلول ثم النحاس باشا، وبعد ذلك يكتب مقدمة كتاب جمال عبدالناصر فلسفة الثورة ثم لا يتردد فى أن يقول إن الدولة التى تكرم النابغين من أبنائها إنما تكرم نفسها.

> كان الخلاف ممكنا وكان راقيًا ومترفعًا، وكان الحوار يعكس فكرًا ومواقف بعيدًا عن الادعاء والغوغائية.. لم يكن غريبًا أن يقال أن ثقافة مصر كانت تعيش عصرها الذهبى، لأن حوارها ورموزها وأفكارها كانت كل الشواهد فيه تؤكد ذلك، كان كاتبنا الكبير خالد محمد خالد محبا للزعيم جمال عبدالناصر، ورغم ذلك صال خالد وجال وهو يحاور عبدالناصر حول قضية الحرية ويومها قال مقولته الشهيرة دع الزهور تتفتح مطالبًا بالحرية والديمقراطية للمصريين، كان عبدالناصر يعرف الكثير من مواقف خالد «من هنا نبدأ» «ورجال حول الرسول»، وكان الحوار حادًا واستمر ساعات فى المؤتمر الوطنى الذى كان يناقش الميثاق وما بين يقين خالد محمد خالد بقضية الحرية وميثاق الحزب الوطنى كان الحوار عنيفا وحادًا. كانت لغة الحوار رغم تعارض الآراء والأفكار والرؤى يحكمها الكثير من الضوابط والثوابت؛ لأن اللغة راقية والمواقف واضحة والرموز كبيرة فى زمانها..

> كانت حوارات السياسة هى الأرقى فى لغتها وشواهدها وربما تجاوزت قليلا دون إسفاف أو تجريح وإهانة.. وكانت نفس الصيغة التى حكمت ثوابت السياسة هى التى سادت الواقع الثقافي والفكري.. كانت خلافات أهل الفكر والإبداع تحكمها ثوابت الحوار والترفع التى فرضها واقع ثقافى فى السلوك والأخلاق ولغة الحوار..

كانت لدينا مدارس نقدية تدرك قيمة الإبداع الحقيقى وكان لكل مدرسة رموزها وقواعدها وكانت هذه المدارس والرموز تضع ضوابط كل شيء كان طه حسين يمثل مدرسة تختلف عن مدرسة العقاد، وكان الحكيم فنانًا أكثر منه ناقدًا، واختلف د.محمد مندور عن رشاد رشدى وكان لدينا فريق من كبار النقاد القط والراعي والمعداوي والنقاش وشوقي ضيف وسهير القلماوى ولويس عوض لنا أن نتصور هذه الكتيبة من الرموز العظيمة التى صاغت العصر الذهبي للثقافة المصرية..

وبجانب هذه الكوكبة كانت هناك مدارس مختلفة فى الإبداع الأدبى والفنى فى كل المجالات وكانت هناك اختلافات بين هذه المدارس كان الحكيم رائد المسرح ومعه كتيبة من الكتاب والفنانين والمخرجين وكان نجيب محفوظ رائد الرواية العربية وكان شوقى وحافظ وناجى وعلى محمود طه ومحمود حسن إسماعيل وكانت أم كلثوم وعبدالوهاب ويوسف وهبى ومحمود مختار وكانت السينما المصرية تنافس السينما العالمية. كان لدينا ثقافة رفيعة وسياسة واعية ورموز نفخر بها فى كل المجالات..

> حين أراجع أحوال الثقافة المصرية أشعر بحزن شديد وأتوقف عند شواهد كثيرة تحرك الأحزان.. إن لغة الحوار وما يسقط على رءوس الناس من بذاءات ومهاترات وفضائح أكاد لا أصدق أن هذه الأرض هى نفسها التى أنجبت كوكبة النجوم التي أضاءت سماء مصر فى يوم من الأيام.. حين أشاهد تلال التجاوزات فى لغة الشارع وما يكتب على مواقع البذاءات أو ما نسمع من الأغانى أكاد لا أصدق أننا كنا يوما نسمع أم كلثوم ورامى وعبدالوهاب والسنباطى من أين هبطت علينا كل هذه الخطايا، ومن يوقف كل هذا الإسفاف وكيف نجلس فى بيوتنا ونسمع ونشاهد كل هذا الهراء يطاردنا سؤال عن رموز مصر فى كل شيء فى الإبداع والسياسة والقدرات والمواهب وأسأل هل جفت الأرض أم بخلت علينا إن لغة الحوار تعكس خللا وضمور آخر الرموز والمواهب يؤكد أننا فى محنة وأن كورونا ليست الكارثة الوحيدة..

> أعود من حيث بدأت إننا نعيش أزمة حقيقية لابد أن تكون لدينا الشجاعة أن نواجهها.. إن ثقافة مصر لم تعد كما كانت وأنها فقدت الكثير من جوانب الضوء والإبهار فيها وأننا فرطنا فى أجمل وأعظم ما كنا نفخر به ونتباهى وهو العقل المصرى وأننا كلنا شركاء فى هذه الجريمة..

إن مصر ليست هذه المهاترات والبذاءات والإسفاف الذى لا يتناسب مع تاريخ عريق من الترفع والمهابة.. لا أدرى كيف تسللت هذه الحشائش فوق أشجار النخيل واستبدلت مصر نخيلها بالأعشاب.. إن رموز مصر شيء غير ما نراه اليوم إذا كنا شوهنا شواطئ النيل بالحشائش وقطعنا النخيل فإن الحشائش لن تبلغ النخيل طولا..

إن مصر التى استبدلت أم كلثوم وطه حسين والعقاد بهذه الحشائش لابد أن تراجع نفسها وتعيد الزمان إلى مساره.. إن فرض القبح على الناس لا يمكن أبدا أن يكون طريقًا للجمال وإذا كانت هناك فئات بيننا تتصور أن البقاء للقبح ـ حوارًا وأشخاصًا وسلوكًا ـ فإن مصر قادرة على أن تعيد الجمال إلى نيلها والشموخ إلى شعبها والقيمة إلى ثقافتها..

> كانت معارك الفكر والإبداع لا تقل فى قيمتها عن المعارك السياسية وكان الالتزام بقضايا الوطن أكبر من كل الحسابات والمصالح كان من الصعب أن يبيع كاتب أو سياسى أو مفكر قلمه أو مواقفه جريا وراء مصالحه.. وكانت السياسة تحكمها ثوابت الانتماء والولاء للوطن.. اختلف الساسة كثيرًا ولكن كانت هناك ثوابت تحكم شفافية المواقف وأمانة المسئولية..

إن المشهد المرتبك الذى نعيشه الآن ما بين أحزاب ضعيفة لا وجود لها فى الشارع ولا رموز حقيقية يمكن أن يقوم عليها كيانات سياسية حقيقية..

> لقد فشل المناخ الثقافى فى حالة العجز التى يعانيها فى أن يتحاور حول قضية الإصلاح الدينى وبعد سنوات مازلنا نتراشق بالاتهامات والتشويه والاعتداء على كل ثوابتنا الدينية..وخرجت فرق من الحاقدين والمغامرين تحاول التشكيك فى كل شيء وتشويه أى شيء وتحاول وسط هذا الجدال البغيض أن تبحث عن نقطة ضوء ولا تجد غير الشطط والغوغائية..إن أكبر دليل على سقوط لغة الحوار فى ثقافتنا هو ما حدث حول قضية إصلاح الخطاب الدينى لأننا لم نتفق فيها على شيء حتى الآن وكانت لغة الحوار أولى ضحاياها.

> هناك أيضا قضايا غاب فيها الحوار فى حدود الآراء والاختلاف فيما يتناوله الإعلام من قضايا الشارع المصري.. مازلت اعتقد إننا فى حاجة إلى الحوار وهذا الحوار الذي أقصده ليس صراخ الفضائيات وبذاءات التواصل الاجتماعى ووصلات الردح الليلية.. إنما أقصد الحوار الراقى المترفع الذى يتناول قضايانا الحقيقية بفكر يتمتع بالمصداقية والأمانة.. كنا فى يوم من الأيام نعرف ونقدر حدود الأشياء فى العصر الذهبى للثقافة المصرية ـ حوارا وفكرا ورموزا وإبداعا ـ وقد يكون السؤال ومن يعيد هذا الزمان وقد وصلت الثقافة المصرية إلى ما وصلت إليه..

> بداية لابد أن تنهض الدولة لإصلاح ما أصاب ثقافة مصر، فانحدار مستوى لغة الحوار وهبوط مستوى اللغة فى الشارع والمدرسة والشاشة والأسرة كان نتيجة طبيعية لغياب دور الدولة فى مراحل سابقة.

إن غياب الحريات خلال عقود مضت كان سببا فى تراجع مستوى الإبداع وحين سيطرت لغة الإسفاف غاب الفن الجميل.. كما أن اختفاء القامات الكبيرة أو تراجع لفترات طويلة هو الذي فتح الأبواب للصغار فى كل شيء وسيطرت وجوه من الأدعياء على العقل المصرى فى الثقافة والسياسة وقضايا الدين والانتماء والوطنية ووجدنا أنفسنا أمام صورة مشوهة لإنسان كان قدوة في الأخلاق والسلوك والإبداع..

> تبقى عندى نقطة أخيرة أن الحوار يعكس صورة أى المجتمع ما بين الرقى والإسفاف والقبح والجمال وأن الرموز تعكس قيمة البشر بين الحشائش والنخيل وأن المجتمعات التى تخلت عن رموزها وهمشت أقدر من فيها من البشر خسرت كل شئ. وقبل هذا كله لا يوجد إبداع حقيقى بلا حرية..

ويبقى الشعر


مَا زالَ يرْكضُ بَيْنَ أعْمَاقى
جَوادٌ جَامحٌ..
سَجنوهُ يوما فى دُروبِ المسْتحيلْ..
مَا بَيْنَ أحْلام الليَالى
كانَ يَجْرى كلَّ يَوْم ألفَ مِيلْ
وتكسّرتْ أقدامُهُ الخضراءُ
وانشَطرتْ خُيوط ُالصُّبح فى عَيْنيهِ
وَاختنق الصَّهيلْ
مِنْ يومها وقوافِلُ الأحْزان تـَرتـعُ فى رُبُوعى
والدّماءُ الخضْرُ فى صَمتٍ تسيلْ
من يَومهَا..والضَّوءُ يَرْحلُ عنْ عُيونى
والنـّخيلُ الشـّامخُ المقهُورُ
فِى فـَزع ٍ يئنٌ..ولا يَمِيلْ..
مَا زالتِ الأشـْبَاحُ تسْكرُ مِنْ دمَاءِ النيلْ
فلتخبرينـِى.. كيف يأتى الصُّبْحُ
والزمَنُ الجمِيلْ..
فأنا وَأنت سَحَابتـَان تـُحلقـَان
على ثـَرى وطن ٍبخيلْ..
من أينَ يأتِى الحُلمُ والأشْباحُ تـَرتعُ حَوْلنا
وتغـُوصُ فى دَمِنا
سِهَامُ البطـْش..والقـَهْرُ الطـَّويلْ
مِنْ أينَ يأتى الصبْحُ
واللــَّيْـلُ الكئيبُ عَـلى نزَيف عُيُوننـَا
يَهْوَى التـَسَكـُّعَ.. والرَّحيلْ
من أينَ يَأتى الفجْرُ
والجلادُ فى غـُرف الصّغـَار
يُعلمُ الأطفالَ مَنْ سَيكونُ
مِنـْهم قاتلٌ ومَن ِالقتيلْ..
لا تسْألينى الآنَ عن زَمن ٍجميلْ
أنا لا أحبُّ الحُزنَ
لكن كلُّ أحزانِى جراحٌ
أرهقتْ قلبى العَليلْ..
ما بيْنَ حُلم ٍخاننى..ضاعتْ أغَانِى الحُبّ..
وانطفأتْ شموسُ العُمر..وانتحَرَ الأصِيلْ..
لكنه قدَرى بأن أحيا عَلى الأطـْلالْ
أرسمُ فى سَوادِ الليل
قِنديلا..وفجرًا شاحبًا
يتوكـَّآن على بقايَا العُمر
والجسدِ الهزيلْ
إنى أحبُّك
كلما تاهت خـُيوط ُالضَّوء عَنْ عَيْنى
أرى فيكِ الدَّليلْ
إنى أحبـُّك..
لا تكونِى ليلة ًعذراءَ
نامت فى ضُـلـُوعى..
ثم شرَّدَها الرَّحِيلْ..
أنى أحبـُّك..
لا تكـُونى مثلَ كلِّ النـَّاس
عهدًا زائفـًا
أو نجْمة ًضلتْ وتبحثُ عنْ سبيلْ
داويتُ أحْزان القلوبِ
غرسْتُ فى وجْهِ الصَّحارى
ألفَ بسْتان ٍظليلْ
والآن جئتك خائفـًا
نفسُ الوُجوه
تعُودُ مثلَ السّوس
تنخرُ فى عِظام النيلْ..
نفـْسُ الوُجوُه..
تـُطلُّ من خلف النـَّوافذِ
تنعقُ الغرْبانُ.. يَرتفعُ العَويلْ..
نفسُ الوجُوه
على الموائِد تأكلُ الجَسدَ النـَّحيلْ..
نـَفسُ الوجوهِ
تـُطلُّ فوق الشاشَةِ السَّوداءِ
تنشرُ سُمَّها..
ودِماؤنـَا فى نشْوة الأفـْراح
مِنْ فمهَا تسيلْ..
نفسُ الوجوهِ..
الآن تقتحِمُ العَيُونَ..
كأنها الكابُوس فى حلم ٍثقيلْ
نفسُ الوجوه..
تعُودُ كالجُرذان تـَجْرىَ خلفنـَا..
وأمَامنا الجلادُ.. والليلُ الطويلْ..
لا تسْألينى الآن عَنْ حُلم جَميلْ
أنا لا ألومُ الصُّبحَ
إن ولــَّى وودّعَ أرضنـَا
فالصبحُ لا يَرضى هَوَان َالعَيْش
فى وَطن ٍذليلْ
أنا لا ألومُ النارَ إن هَدأتْ
وصَارتْ نخوة عرجاء
فى جَسَد عليلْ..
أنا لا ألـُوًمُ النهرَ
إن جفتْ شواطئـُه
وأجدَبَ زرْعُه..
وتكسَّرتْ كالضَّوء فى عَيْنيهِ
أعناقُ النخيلْ..
مادَامَتِ الأشْباحُ تسْكرُ
منْ دمَاء النيلْ..
لا تسَألينى الآنَ..
عن زمن ٍ جميلْ

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

مادة إعلانية

[x]