الجمهورية ضد دعاة التطرف

29-10-2020 | 15:56

 

حالة عامة من صخب المشاعر والغضب والعنف الخطابى والرمزى فى بعض البلدان العربية والإسلامية إزاء التباس وعدم دقة خطابات ماكرون حول أزمة الإسلام الراديكالى ، ونزوعه لتأصيل وتكوين مجتمع انفصالى وانفرادى داخل الضواحى الفرنسية، من خلال نمط التنشئة والدعوة الدينية التبشيرية الراديكالية الوضعية التى تؤسس للانعزال الشعورى والثقافى المفاصل لقيم الجمهورية الفرنسية العلمانية. الخطاب السياسى ل ماكرون ، وقع فى خطأ فادح تمثل فى الخلط بين الديانة الإسلامية فى العالم، وبين بعض المتطرفين وجماعاتهم، وأزمة الخطابات السياسية الدينية الإسلامية الراديكالية، وبين المسلمين والإسلامويين ــ والأخير مصطلح زائع وغير دقيق فى الأدبيات الفرنسية السياسية والسوسيولوجية والأنثربولوجية حول الجماعات الإسلامية الراديكالية من مثيل الجهاد والجماعة الإسلامية، والقاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية داعش، ونظائرها من الجماعات السلفية الجهادية. هذا الخلط فى المصطلحات أدى إلى شيوع سوء الفهم، وإلى التعمية على القضايا الحقيقية التى تعانيها الجاليات العربية والإسلامية، فى فرنسا، وبلجيكا، وإيطاليا، وألمانيا، والسويد، والدنمارك.. إلخ.


وتتمثل هذه القضايا، في التهميش وعدم الاندماج، ومن ثم تبدو مخاطر التعميم حول خصوصية بعض أبعاد حالات كل جالية من الجاليات، وتحويل كل المشكلات الحياتية التى يعانونها إلى الدين الإسلامى ، ومن ثم استسهال التبسيط المخل، وتوظيف الدين ــ كقائد وقيم وطقوس ومبادئ وتراثات تاريخية- كآلة ضخمة للتعبئة السياسية والدينية، وذلك من لدن أطراف فاعلة فى المجال الدينى والعام، فى كل بلد أوروبى، ومحاولة تجييش عالمي الإسلام السنى والشيعى، لدعم هؤلاء الفاعلين، وذلك دونما مساءلة لأدائهم، وخطاباتهم الدعوية المتطرفة كدعاة وكجمعيات إسلامية لديها تمويلات داخلية وخارجية من تركيا، وإقليم النفط العربى، ولكل بلد وجمعية أهدافها السياسية والمذهبية . الحياة اليومية فى الضواحى أصبحت مصدرًا من مصادر إنتاج الجريمة، والبطالة، والتهميش الاجتماعى، والإقصاءات فى ظل أزمة سياسة الاندماج الاجتماعى الفرنسى والبلجيكى الفاشلة.. إلخ، وذلك فى ظل الأزمات الاقتصادية، ومع تطور ثورة الذكاء الصناعى ، ستشهد الضواحى والأقليات الإسلامية العربية، ارتفاع معدلات البطالة بالنظر إلى طبيعة الأعمال التى يعمل بها العمال العرب والمسلمون بمن فيهم بعض خريجى الجامعات فى مجال الدراسات الإنسانية، بالنظر إلى التغير الجذرى الذى يحدث فى الطلب على العمالة المتخصصة فى مجالات الثورة الصناعية الرابعة. لا شك فى أن الوسط الاجتماعى لحياة العرب والمسلمين سوف يتأثر كثيرًا، وهو ما سوف يسهل عمليات التجنيد والتعبئة الدينية الراديكالية لبعض الجماعات الإرهابية، خاصة فى ظل نمط من الدعاة الأتراك والمغاربة والتونسيين والجزائريين المتشددين، يقدمون خطابات دينية انعزالية، وعدائية، تهدف إلى الفصل بين بعض أبناء الجالية والمحيط الاجتماعى والثقافى والدينى المتعدد فى فرنسا وبلجيكا.. إلخ، على نحو ييسر لهم نفسيا وعقيديا -من منظور تأويلى- القيام ببعض أعمال العنف والقتل والجرح لأبرياء لأنهم كفار أوغير مسلمين! أحد أكبر مشكلات الاندماج، أن بعض الآباء والأسر من الغلاة يحاولون فرض هندسة دينية واجتماعية على تفكير وسلوك الأبناء الاجتماعى، وفرض الرقابة على ما يدرسونه فى مدارس الجمهورية، برفض بعض الدروس، وفق آرائهم ومعتقداتهم الشخصية وتصوراتهم حول العقائد والقيم الإسلامية، بل إن بعض الآباء لعب دورا تحريضيا فى قطع رأس صامويل باتى ، على الرغم من أن ابنته لم تحضر الدرس حول حرية الرأى والتعبير، وساعده أحد الدعاة المتطرفين عبد الحكيم الصغريوى، وصدور فتوى بحق القتيل!

توظيف الواقع الاجتماعى للتهميش لبناء العزلة والانفصال الاجتماعى، من خلال بعض الدعاة والآباء الغلاة والمتطرفين، باسم احتكار بعضهم النطق باسم الإسلام الحنيف، يشكل أحد عوائق الاندماج والحياة المشتركة لبعض العرب والمسلمين فى أوروبا، خاصة فى نمط العلمانية الفرنسية المؤسسة على الحرية الدينية الكاملة فى إطار حريات الرأى والتعبير دون قيود ونقد الأديان والفلسفات والأفكار..الخ. يبدو أن ثمة أزمة فى غياب الثقافة الدستورية والقانونية بين أبناء الضواحى، حول هذه القضايا المركزية، ومنها الدساتير الفرنسية، لاسيما دستور الجمهورية الخامسة وتعديلاته، ومصادره التاريخية المرجعية، ومنها إعلان حقوق الإنسان والمواطن 1789 الذى ذهب إلى أنه لن يجرى استجواب أى شخص عن آرائه، ونفس الأمر ينطبق على آرائه الدينية، شريطة ألا يؤدى التعبير عنها إلى اضطراب النظام العام الذى يقره القانون. ومن المبادئ القضائية الأساسية التى يطرحها ويدعمها الفقه الدستورى الفرنسى أن حرية التعبير لا تنصرف فقط إلى المعلومات والأفكار التى تُستقبل بالتأييد وتعتبر غير مؤذية أو غير مختلف عليها وإنما تشمل أيضا الأفكار التى تصدم وتقلق أو تجرح الغير، فهذا هو ما يفرضه مبدأ التعددية والتسامح وروح الانفتاح التى بدونها لا يوجد مجتمع ديمقراطى مثل هذا فى مجتمع يتشكل من 20% من اللا دينيين، و 30% ملحدين، و50% روم كاثوليك ومن 4 إلى 5% مسلمين، و3% بروتستانت، 1% يهود، 1% بوذيين، و1 % طوائف أخرى. فضاء تعددى، وعلمانى مغاير فى ثقافته القانونية والسياسية والعلمانية عن أنماط العلمانية الألمانية والبريطانية.. الخ من هنا يأتى التصادم مع بعض الجماعات الإسلامية الراديكالية، والدعاة الغلاة، والمشكلة معهم، وليست فى الإسلام الحنيف.اما ردود الأفعال الصاخبة ودعوات المقاطعة وراءها مرامي سياسية لحكومات وجماعات إسلامية ستضار من الإجراءات الفرنسية وهو مايتطلب الرصد والتحليل.


نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

مادة إعلانية

[x]