من قطع رأس السيدة .. دينه إيه؟

29-10-2020 | 17:02

 

الحادث الإرهابي الذي وقع اليوم في مدينة نيس الفرنسية، وراح ضحيته 3 فرنسيين، بينهم سيدة تم قطع رأسها، يؤكد أن العنف الذي تحركه دوافع طائفية ونوازع انتقامية تتخذ من الدين ستارًا لتنفيذ مثل هذه الجرائم، أصبح يشكل خطرًا جسيمًا على المجتمعات التي يجب أن تتخذ من التعايش الحتمي بين أبناء وأتباع الديانات جسرًا للترابط المجتمعي، ووسيلة للاستقرار وتحقيق الأمن للشعوب.

 
ولعل ما حدث خلال الأسابيع الماضية في فرنسا يمثل صورة عنصرية وطائفية مقيتة تغذي هذه الأعمال الإجرامية المرفوضة؛ حيث أطلقت سهامها صوب الإسلام والنبي الكريم محمد "صلى الله عليه وسلم"، بزعم حرية الرأي عبر رسوم مسيئة شجعها الرئيس الفرنسي نفسه؛ مما جعل منها وسيلة جماهيرية للدرجة التي دفعت أصحاب السيارات إلى وضعها على مركباتهم التي تجوب الشوارع؛ لتسيئ لنبي الرحمة، وتجرح مشاعر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في سلوك غير مسئول، ودعم غير مقبول من رئيس الدولة الفرنسية.
 
وإذا كان هذا التصرف المرفوض من الدولة الفرنسية، فإن رد الفعل الهمجي الإرهابي على الإساءات يعد أيضًا خروجًا على الدين وتطاولًا على أخلاق الرسول الكريم، وخرقًا سافرًا لتعاليمه السمحاء؛ فهو الذي قدم أرفع القيم الحميدة، وأفضل المثل النبيلة في رد الإساءة مها بلغت في حدتها أو كبرت في قسوتها.
 
إن دعاة القتل والإرهاب الذين يسفكون الدماء بزعم الدفاع عن الدين - والدين منهم براء - هم فئة ضالة سقطت في غياهب الجهل والضلال .. أي دين يقول إن ذبح سيدة بريئة، أو قتل شخص بريء هو من صور الدفاع عن الدين، بينما الإسلام الذي يتذرعون بالدفاع عنه ينهى عن قتل النفس؛ بل يعتبر أن هدم الكعبة أهون عند الله من قتل النفس.
 
أي دين يا قتلة تتذرعون بالدفاع عنه؟ بينما الرسول المبلغ برسالته رد إساءة جاره اليهودي - الذي كان يلقي القاذورات يوميًا أمام منزله - بأن زاره بمنزله حين مرض ودعا له بالشفاء.
 
وقائع الإساءة المتكررة؛ بل والممنهجة ضد المسلمين، والعنف المقابل، بل والمتبادل يفرض على دول العالم مراجعة أمينة للمواقف، ووقفة صادقة للمحاسبة، تنزع معارك طائفية توشك أن تشتعل وتفتح طريقًا للحوار الموضوعي يؤسس لمرحلة جديدة من التعايش الحتمي والتوافق المجتمعي الذي يجلب الاستقرار للشعوب.
 
وقد حرصت مصر بوعي وحكمة قيادتها السياسية أن تكون منارة للتعايش وقبلة للتفاهم  وساحة لحرية العبادة، وقدمت نموذجًا يحتذى في احترام الآخر، وشهدت السنوات الماضية خطوات كبيرة في هذا المجال كانت محل تقدير واحترام من دول العالم.
 
إن التهكم برسوم كاريكاتورية من رمز ديني مقدس - في منزلة الرسول الكريم - تحت دعوى حرية الرأي يجب ألا يمر دون مراجعة من الحكومة الفرنسية؛ التي تفتقد الحنكة والمسئولية في الحفاظ على استقرار المجتمع؛ لأن هذا السلوك - المرفوض - هو نوع من التطرف، ويحمل في طياته مخاطر جسيمة على أمن فرنسا، ويغذي روح التطرف والعنف في المجتمع.
 
وعلينا - كمجتمعات إسلامية - البحث عن وسائل أخرى غير تقليدية لتصحيح صورة الإسلام لدى المجتمعات الغربية، والمؤكد أن هناك خطأ جسيمًا في تعاطينا مع هذه القضية المحورية، فكيف يكون لدينا هذا الدين وما يحمله من خير وسلام للبشرية، وما يدعو له من قيم نبيلة وفضائل إنسانية كبرى، بينما صورة أتباعه في الغرب أنهم أهل تخلف وأرباب جهل ودعاة قتل؟!
 
على مدى عقود تابعنا ندوات ومؤتمرات عالمية وزيارات دولية تحت شعار حوار الأديان، ولم تأت بنتيجة يمكن الإشارة إليها، أو آلية مؤسسية مشتركة يمكن الاستعانة بها لإخماد مثل هذه الحرائق الطائفية في الدول، لتبقى قضايا ازدراء الأديان مفتوحة على كل السيناريوهات ومرشحة لكل الاحتمالات، بينما هناك إرهاب أسود - لا دين له ولا وطن - يستغل مثل هذه الأزمات في سفك الدماء وقطع رأس النساء!!
 
Alymahmoud26@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

موسم الهجوم على مصر

..وكأن التحقيق مع مواطن مصري يمارس نشاطًا مخالفًا للقانون صار جريمة في نظر فرنسا وبريطانيا وكندا وأمريكا وألمانيا ومنظمات دولية أخرى تزعم أنها تدافع عن حقوق الإنسان، وتعطي لنفسها حق التدخل في شئون دولة مستقلة لديها مؤسسات قضائية تمارس دورها في إنفاذ سلطة القانون.

لماذا يرفض الرئيس "المصالحة"؟

لماذا يرفض الرئيس "المصالحة"؟

"التحرك الثوري" المزعوم

فى كل يوم تثبت جماعة الإخوان الإرهابية أنها جماعة بلا عقل لا تعرف سوى لغة الدم والفوضى، لا تتعلم من أخطائها، ولا تستفيد من تجاربها الفاشلة .. لم تستوعب

كتلة "صم وبكم" في البرلمان

من المفارقات الغريبة؛ بل المخزية فى أداء مجلس النواب الذى أنهى دور الانعقاد الخامس منذ أيام وتستحق التوقف عندها أن هناك 75 نائبًا لم ينطقوا بكلمة واحدة

.. عن التعايش بين أتباع الديانات

حتمية التعايش بين أبناء الأديان

صناديق الشيوخ تستعيد الشباب

حمل اليوم الأول في انتخابات مجلس الشيوخ العديد من المشاهد اللافتة، التى لا يمكن أن تمر دون التوقف عندها بالتدقيق والتحليل، ولعل من أهم تلك المشاهد عودة

الرسالة التى تركها طبيب الغلابة

ما أحوجنا إلى ضمير الدكتور الطبيب الراحل محمد المشالي في كل مهنة وعلى كل مكتب وفوق كل كرسي.. في المزارع والمصانع وحتى في الشوارع.. هذا النموذج الاستثنائي

حلم الرئيس .. كيف يتحقق؟

في عالم اليوم تقاس أوزان الدول بحجم إنتاجها، وتقدم الأمم بقوة صناعتها بل تحدد مصائر الشعوب بقدراتها الإنتاجية والاقتصاية.. ومصر لن تدرك النهضة المنشودة

"السد وليبيا" .. هل هي صدفة؟

في حياة الأمم مواقف فارقة وقرارات مصيرية حاسمة، ومصر اليوم تمر بتحديات جسيمة تصل مخاطرها إلى حد التهديد الوجودي للوطن، ولا يخفى على أحد أن تلك المخاطر في تزامنها وارتباطها ومحركاتها تستهدف النيل من هذا البلد وضرب مكتسباته وكسر إرادته.

الرئيس .. ومبادرات التحفيز الاقتصادي

ما يميز تجربة الإصلاح الاقتصادي فى مصر أنها تسير على مرتكزات واضحة ورؤى شاملة مدروسة النتائج ومحسوبة التداعيات وهو ما جعل منها نموذجا يحتذى به في العالم .. واليوم تشهد هذه التجربة مرحلة جديدة وفى ذات الوقت تواجه تحديات صعبة فرضتها تداعيات جائحة كورونا التي ضربت اقتصاديات العالم بأسره

30 يونيو .. ما بعد السنوات السبع

فى مثل هذا اليوم من 7 سنوات سطر الشعب المصرى ملحمة وطنية جديدة فى تاريخ هذا الوطن.. يوم أن ثار على جماعة إرهابية أرادت أن تخطف هذا البلد وتطمس هويته وتنزع

.. إلى محلل الزنا وشرب الخمر

كيف لمن حلل الزنا وشرب الخمر أن يعتد بكلامه أو يعول على تخاريفه؟ فهو من المؤكد شخص غير مسئول .. هذا ما ينطبق على ياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ولم لا ورئيسه الذى اتخذه مستشارا يعانى أيضا خللا نفسيا وهوسا بالسلطة وحقدا أعمى على مصر وشعبها وقيادتها.

مادة إعلانية

[x]