ما الذي يحدث في الغرب.. ولماذا تتكرر الإساءة إلى الرسول الكريم؟

29-10-2020 | 22:12

أزمة نشر الرسوم المسيئة فى فرنسا

 

شيماء عبد الهادي

انتفضت المؤسسات الدينية، خلال الأيام القليلة الماضية لرفض وإدانة إعادة نشر مجلة فرنسية "تشارلي إبدو" صور مسيئة إلي الرسول صلوات الله عليه، وذلك بالتزامن مع  ما نشرته بعض المواقع والصحف من جريمة ارتكبها متطرف قام بحرق المصحف الشريف في السويد. وما تلا ذلك أيضا من مواقف وردود فعل فرنسية اساءت للدين الإسلامي وجرح مشاعر المسلمين .


وما بين إصدار بيانات رسمية للإدانة وإطلاق حملات للتعريف بأخلاق النبي محمد صلوات الله عليه، وصل الأمر إلي مطالبة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، المجتمع الدولي بإقرار تشريعي يجرم معاداة المسلمين والتفرقة بينهم وبين غيرهم في الحقوق والواجبات. تبقى الأزمة فى حاجة إلى وقفة للمراجعة فى الأسباب والبحث فى الجذور لتلمس حقيقتها وتداعياتها والحد من تفاقمها  فليست تلك هى المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التى يتعرض فيها الإسلام والمسلمين للإهانة تحت دعاوى زائفة مثل حرية التعبير، وعلى الرغم من عشرات المبادرات والمؤتمرات والزيارات تحت عناوين حوار الأديان والحضارات  والتعايش بين أتباع الديانات وغير ذلك عشرات العناوين التي أقيمت تحتها مناقشات وتوصيات دون الوصول إلى نتيجة واضحة على الأرض تحقق الإحترام لأتباع الدين الإسلامي وتحترم مقدساتهم .

و يبقي السؤال الذى يحتاج لأن نجيب عليه فى هذا السياق.. ما الذي يحدث في الغرب.. لماذا تتكرر أزمة نشر الرسوم المسيئة فى فرنسا رغم الجهود المبذولة على طريق الحوار وعقد الكثير من الفعاليات خلال السنوات الماضية على المستوى المؤسسي وتحديدًا بين الأزهر وفرنسا.

يقول الدكتور كمال بريقع منسق عام مركز حوار الأديان فى الأزهر الشريف: إن الحقيقة التى ينبغى توضيحها أن المؤتمرات الكثيرة التى تم عقدها خلال العقود الثلاثة المنصرمة كان يغلب عليها الطابع الرسمى ولم تكن حوارًا تفاعليًا بالمعنى المفهوم ، ومن ثم فإن الطريق ما زال طويلًا لبناء الثقة وإرساء قواعد الحوار.

وتابع بريقع لـ"بوابة الأهرام" قائلا: إن واجب الوقت هو توسيع قاعدة الحوار ليشمل العديد من فئات المجتمع على اختلافها وتنوعها دون اقتصار على المؤسسات الرسمية، ووضع الضوابط لهذا النواع من الحوار وذلك لتحقيق الفهم المشترك وإزالة الكثير من اللبس و سوء الفهم الذي يكتنف العلاقة بين أتباع الديانات المختلفة فى كثير من الأوقات وتوضيح الكثير من الحقائق والأمور التى من شأنها أن تستفز مشاعر شركاء الوطن وتؤجج مشاعر الحقد بين أبناء الوطن الواحد. والتركيز على قيم التعايش والقيم المشتركة التى تجمعنا ، مع الأخذ فى الاعتبار عدم التقليل من أهمية بحث نقاط الاختلاف على المستوي الرسمي والمؤسسى وتوضيح أنها لا تقل أهمية فى فهمها عن نقاط الالتقاء والاتفاق .

ويرصد منسق عام مركز حوار الأديان ، ما يحدث بالغرب قائلا: قد يحلو للكثيرين توصيف الوضع الراهن فى الأزمة الحالية فى فرنسا بأنها نوع من العنصرية الثقافية التى تحرض على الكراهية والعداوة بناء على خلفية المعتقدات الدينية والتقاليد الثقافية والاختلافات العرقية ، وهذه العداوة تجاه المسلمين من وجهة نظره، ليست عداوة حقيقية فكل من زار المجتمعات الغربية وعاش فيها يعرف أن علاقات المسلمين بجيرانهم علاقات طيبة وقوية وأن الحوادث التى تقع من بعض الجهلاء من آن لآخر لا تتجاوز كونها حوادث فردية لا تكاد تصل إلى حد الظاهرة ، ولولا هذا الاستقرار التى تتمتع به هذه المجتمعات، وقوة العلاقة بين أبناءها لما أستطاعت أن تحقق هذه التقدم والرخاء على مستويات متنوعة ، فعلينا التوقف عن سوء تقدير الأمور المغالاة فى النظر للأحداث وتهويل المواقف، والتراشق بالبيانات وتبادل التصريحات المستفزة.

ويتابع قائلا: إن نصرة النبى تكون باتباع سنته والاقتداء بهدية والعمل من أجل تقدم بلادنا ورخاءها، وعلينا الحذر من حملات التشويه والسب والسخرية فهى حملات ممولة من جماعات العنف والتطرف وتستهدف ضرب العلاقات بين مصر وغيرها من الدول ، ومن ثم فإننا نحتاج أن نكون أكثر وعيًا فى التعامل مع هذه الحملات وعدم الترويج لها أو تبنيها ، فهى حملات تم تصديرها من قبل هذه الجماعات، كما أنها تخالف نهج النبي فى الإعراض عن الجاهلين والنهى عن السباب والتراشق بالألفاظ التى لا تليق بأخلاق المسلمين وتناقض مقاصد الأديان ، وعلينا أن نتذكر أن تسامح النبي كان سببًا فى إسلام أعدائه.

وبحسب منسق عام مركز الحوار بالأزهر، فهو يري أنه حسنًا فعل مجلس الحكماء برئاسة الإمام الأكبر فضيلة شيخ الأزهر، حين اتخذ اجراءات بشأن تشكيل لجنة من الخبراء القانونيين الدوليين لرفع دعوى قضائية على الصحيفة التي قامت بنشر رسوم كاريكاتورية مسيئة لنبي الرحمة –صلى الله عليه وسلم- وعلى كل من يسيء للإسلام ورموزه المقدسة ، و مؤكدا على أن أفضل الطرق لمواجهة هذه الإساءات هى الطرق القانونية، وعلى أهمية مقاومة خطاب الكراهية والفتنة بالطرق السلمية والعقلانية والقانونية.

ويوجه الدكتور كمال بريقع منسق عام مركز الحوار في الازهر الشريف، رسالتين إحداهما إلي الغرب طالبه فيها بأن يراجع أسباب خوفه من الإسلام والمسلمين وأن يبذل مزيدًا من الجهد للتعرف على ثقافة المسلمين وتعاليم الإسلام ، كما يتوجب عليهم البحث عن مصادر هذا الخوف للتأكد من أن هذه المخاوف ليست حقيقية ولا تنبنى على أساس موضوعى .

 

ولفت إلي أن هناك الكثير من خطاب الكراهية الذى يتبناه العديد من القادة السياسيين فى الغرب ووسائل الإعلام والذى ينزع إلى شيطنة المسلمين وتجريدهم من إنسانيتهم ، لتحقيق مكاسب سياسية ومغازلة اليمين المتطرف وكسب ود الناخبين وتأييدهم، لذا ينبغى عليهم التوقف عن الزج بالدين فى معترك السياسة ، كما يتوجب على الغرب أيضا بذل المزيد من الجهد لتفهم النزاعات العالمية والتى تم الزج بالعديد من الدول الإسلامية لتصبح طرفًا فيها وضحية من ضحاياها خاصة تلك النزاعات التى تتعلق بقضايا الأقلية والأكثرية .

أما الرسالة الثانية فوجهها الدكتور بريقع إلي كل مسلم بضرورة تحرى الدقة فى بناء مواقفه ، وفى هذا السياق ينبغى علينا أن نعى أن لكل مجتمع ضوابطه التى تحكمه وتنظم العلاقة بين أبنائه على اختلاف ثقافاتهم وأديانهم، كما يتوجب علينا فهم الثقافة الغربية بكل معطياتها ونعرف ما لها وما عليها، وأن نحاول الإحاطة بواقع المجتمعات الغربية التى تسمح بزواج المثلييين فى معظم الأحوال وتعتبر السخرية والاستهزاء من الأنبياء نوعًا من الحرية وأذكر فى هذا الصدد أن رسامى الكاريكاتير المسىء للنبي عليه السلام يتعاملون بالطريقة ذاتها مع المسيحية والبوذية والهندوسية والأديان الأخرى، فرسام الكاريكاتير الدانماركى الذي رسم صورة للنبى محمد عليه السلام بقنبلة في عمامته قد رسم كاريكاتور للمسيح عليه السلام وعليه الصليب وفي عينيه أوراق نقدية من الدولارات وأخرى مع نجمة داود مثبتة في فتيل قنبلة.

وينبغي أن نفهم أن مراعاة محرمات الأديان في المجال العام ليس مطلبًا فى الثقافة الغربية ، فهم يعتبرون هذا نوع من الخضوع، وأن هذا من وجهة نظرهم يتعارض مع قيم الديمقراطية العلمانية.

[x]