عودة الوعى

27-10-2020 | 14:02

 

حضرت ندوة أكتوبر التثقيفية منذ أيام وتحدث فيها الرئيس السيسى عن مفهوم الوعى خصوصًا أن الشيخ خالد الجندى كان قد ألقى كلمة فى البداية تحدث فيها عن أهمية الوعي، كما يبدو أن تلك كانت هى الفكرة المحورية للندوة هذا العام، وكما أكد الرئيس فإننا لا نستطيع أن نغفل أهمية الوعى فى الحفاظ على بلدنا والمضى فى طريقنا دون معوقات تسعى بها أطراف كثيرة إلى تجميد مصر وإيقاف حركتها وتحنيط جسدها فى تابوت فرعونى يجعل أهلها ينظرون إلى الماضى ولا يشعرون بالحاضر ولا يفكرون فى المستقبل، وأنا أستعير اليوم عنوان كتاب أب المسرح المصرى توفيق الحكيم الذى كتبه بعد التحول الذى طرأ على تفكيره من عودة الروح إلى عودة الوعي، فقد كان فى حياة عبد الناصر مواليًا وداعمًا وحتى عندما رحل الزعيم فإنه كتب نصًا يقول فيه: يداى ترتعشان ولا تقويان على الكتابة عنك أيها الزعيم، ودعا فى مقاله إلى إقامة تمثال ضخم ل عبد الناصر فى ميدان التحرير، والمعروف أن الزعيم المصرى الراحل كان معجبًا بتوفيق الحكيم ومتحمسًا لما يكتب، وعندما تزايدت حدة الهجوم على الكاتب الفيلسوف من بعض خصومه تصدت لهم الدولة وقتها إذ منح عبد الناصر توفيق الحكيم وسامًا رفيعًا اعترافًا بفضله وتقديرًا لمكانته وإيقافًا للحملة عليه، ولن استطرد فى هذا الأمر فالذى يعنينى هنا هو أن ألفت النظر إلى أهمية الوعي، فالفارق بين الإنسان والكائنات الأخرى يكمن فى الوعى لأن كل الكائنات الحية تعيش بروح منحها الخالق لمخلوقاته أما الوعى فهو اختصاص أصيل للإنسان الذى لا يمكنه التمييز بين الأشياء إلا بعد الوعى بها وإدراك وجودها، والوعى لا يعنى درجة معينة من الثقافة ولا مستوى محددًا من التعليم ولكنه قبل ذلك كله هو حالة من الإدراك الشامل والرؤية المتكاملة لكل ما يحيط بالإنسان من رغبات وتطلعات ومحاذير فضلًا عن أنه يعكس درجة الفهم للآخر والوعى بطريقة تفكير الغير وأسلوب تعامله مع الأمور، وقد نجحت نماذج شابة كثيرة فى عملية الصعود الطبقى نتيجة التعليم والخبرات التى حصلوا عليها فى مسيرة حياتهم، لذلك يهمنا أن نسجل الآن الملاحظات التالية:


أولًا: لقد اختلف المثقفون حول تفسير مفهوم الوعى ولكن الأغلب الأعم منهم استقر على أنه من يتمتع بمستوى إدراك عام لما يدور حوله من ظواهر ومواقف وأفعال وأقوال، فالوعى هو الذى يفرق بين الإنسان وغيره من الكائنات لذلك فإن ارتفاع درجة الوعى يمثل تميزًا له أهميته وقيمته.

ثانيًا: إن استهداف أمة معينة أو شعب بذاته من أجل تدمير مقوماته وإجهاض إنجازاته يأتى من خلال عملية منظمة لتغييب الوعى وإحداث قطيعة بين المواطن وماضيه بل بين حاضره ومستقبله، وهنا نكون أمام مجتمعات جرى تخديرها وإبعادها عن الحقيقة والتمويه على شئونها فتصبح وكأنها قد أصيبت بغفلة تجعل كل ما حولها ضبابا لا يمكن الرؤية من خلاله ولا الفهم فى وجوده.

ثالثًا: إن الوعى سلاح تحتاجه الشعوب لمواجهة الشائعات ، والأكاذيب، والأراجيف، ولفك طلاسم المواقف المعقدة والمشاهد الصعبة، والمساعدة على تفكيك الأوهام والخرافات وتكوين عقلية وطنية تدرك المصالح العليا للبلاد وتمضى نحوها مهما تكن الصعاب والمتاعب، إن التجارب الناجحة للشعوب التى وقفت فى صلابة تبنى ذاتها وتشيد مستقبلها قد ارتبطت دائمًا بدرجة الوعى القومى والإدراك الحقيقى للمفاهيم التى يجب أن تستقر فى وجدان الأمة حتى تلحق بركب التطور وتعيش حياة العصر.

رابعًا: لقد أثبتت التجارب أن هناك علاقة طردية بين ارتفاع معدلات الوعى لدى الشعوب وقدرتها على الإنجاز واقتحام المشكلات والتغلب على الأزمات لأن مساحة الرؤية واسعة ولأن القدرة على الفهم قد سمحت لتلك الشعوب - قيادات ومواطنين - بأن يستشرفوا المستقبل وأن يقرؤا الأحداث قراءة صحيحة بعيدة عن المبالغات والأوهام والخيالات الزائفة التى تصيب بعض الشعوب بحالة من الإنكار والتى لا تجعل الفرد قادرًا على فهم ما يدور حوله بل تدفع به إلى نوع من ازدواج الشخصية الذى يجعل صورته لدى ذاته مختلفة تمامًا عن صورته لدى العالم من حوله، وهنا تكون السقطة الكبرى لشعوب لا تدرك طبيعة التحديات الحقيقية التى تواجهها ولا تتحرك فى الاتجاه الصحيح عند اللزوم، والحياة فى النهاية هى فكر ورؤية كما أن التقدم فرصة إذا نجحت الدولة فى اقتناصها خلال التوقيت الصحيح ولذلك فإن مأساة كثير من الشعوب المعاصرة تكمن فى مجمل الفرص الضائعة، بل إننى أزعم أن القضية العربية الإسلامية الأولى وهى القضية الفلسطينية قد واجهت عبر تاريخها الطويل منعطفات أثبت فيها العرب عجزهم عن اغتنام الفرص واقتناص الظروف فى ظل التغيرات الدولية المختلفة حتى أفلت الزمام وتحولت القضية من التأييد السياسى إلى التعاطف الإنساني.

خامسًا: لقد قالوا قديمًا «إن الحاجة أم الاختراع»، وقال آخرون «بل إن الحرية هى أم الإبداع»، وأنا أضيف هنا أن الوعى بجوهر الأمور وفهمها فهمًا صحيحًا هو الذى يضعنا على الطريق الصحيح ويدعونا إلى اتخاذ الخطوات العاقلة الواعية الحكيمة التى تستطيع أن تقوم بعملية فرز كامل لما يجب أن تفعل وما يجب ألا تقدم عليه، والتجارب أمامنا كثيرة والشواهد عديدة ولكن الأمر فى النهاية يتوقف على ارتفاع معدلات الإدراك مع مرور الزمن وازدياد التجارب وتراكم الخبرات، ونحن العرب نبدو حاليًا أشد ما نكون حاجة إلى تعزيز الوعى القومى وتأمين عناصره فى هذه الظروف الصعبة التى تجتازها البشرية فى ظل الصراعات والمشكلات والأوبئة والأزمات.

هذه ملاحظات سقناها لكى نربط بين المواطن والوعى الوطنى إذا جاز التعبير، أى أن يصل عقل الشعب إلى مستوى يصبح فيه ندًا أمام غيره وتعبيرًا حقيقيًا عن ظروف تحيط بنا، وعقبات تعترض طريقنا، وغايات نسعى نحوها.

نقلا عن صحيفة الأهرام

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

مقالات اخري للكاتب

مادة إعلانية

[x]