إلا.. الطابق السادس بـ«الأهرام» (1)

25-10-2020 | 00:14

 

صعدت إلى الطابق السادس في مبنى «الأهرام» ومكثت بعضًا من الوقت، بعد حسن ضيافة صديق عريق وزميل أنيق، من جيلنا الذي أخذ العلم الصحفي على أعلامه وأساتذته، فنحن الذين شربنا من الكأس الصحفية حتى الثمالة، ونهلنا من ينابيعها الصافية، في عقد السبيعينيات تحديدًا، إذ عاصرنا عمالقة الصحافة والسياسة والثقافة، كما سأسرد بعد سطور.


وقفت أمام مدخل المكان الذي كان يجمع مفكري مصر العظام، وقد تفوقت «الأهرام» في استقطاب هذه الثلة الرائعة والمروعة بجرأتها في الأطروحات الفكرية، في عدة تشكيلات جمالية مدثرة بـ الإبداع الأدبي تارة، والإبداع الثقافي تارة أخرى، وبـ الإبداع الصحفي تارة ثالثة، وفي الإبداع السياسي اللا مؤقت واللا موسمي تارة عاشرة ومائة وألفا: تنوع.. تعددية.. فكر.. فلسفة.. سياسة.. دين.. مجتمع.. قضايا.. آراء..مناقشات.. مناوشات.. مساءلات.. متقابلات.. مفارقات.. جدليات.. أصوات من أهل فكر.. إصغاء من المجتمع.. استقبال من صناع القرار لاسيما القرار السياسي..

*
لا أزال في الطابق السادس بـ«الأهرام»..

هنا.. كان مكتب توفيق الحكيم ، وهذا نجيب محفوظ بجواره، و بنت الشاطئ د.عائشة عبدالرحمن، ويوسف جوهر، ود.لويس عوض، وهناك إحسان عبدالقدوس ، ويوسف إدريس، وثروت أباظة، ولطفي الخولي، وأحمد بهجت، وغيرهم.

كان ظهر يوم الخميس هو الذي يجتمع فيه أساتذتنا في الفكر وشيوخنا في الصحافة، وينضم إليهم زكي نجيب محمود وحسين فوزي ولطفي الخولي وعبدالرحمن الشرقاوي الذي انضم لكتاب الأهرام بعد روزاليوسف بصوفيته الثورية اليسارية، وغيرهم من الذين علمونا الحب والفكر والحق والحرية، والدعوة إلى التفكير في اللَّا مفكر فيه، وإثارة الأسئلة المسكوت عنها.

كنت أتسلل إليهم لكوني محررًا ثقافيًا بـ «الأخبار»، وكنا في صفحة «أخبار الأدب في الأخبار» ننافس صفحة «الأدب في الأهرام»، وكان القارئ هو الرابح من هذه المنافسة الثقافية، وتخلقت علاقاتي معهم تجاوزت الإطار الضيق بين صحفي ومصادره، وكم اختصوني بأوراق خاصة بخط أياديهم عن شرائح من حيواتهم، وومضات من أفكارهم، وصفحات من قلوبهم (ومن منطلق الوفاء لـ«الأهرام» سأختصه بهذه الوثائق الخطية قبل نشرها في كتابي «بصمة العقل» إن شاء الله، وإذا كان في العمر بقية).

معهم.. مع العمالقة عشت وتعايشت.. تعرفت إليهم واقتربت منهم اقترابًا حميميًا في الطابق السادس بالأهرام، مع أني ابن مدرسة «أخبار اليوم»، وكنت في مقتبل العمر أخطو «اللَّاهوينا» في شارع الصحافة، وعنفوان السير على حد السيف في بلاط صاحبة الجلالة، وما بين مبنى «دار أخبار اليوم» التي أنتمي إليها، وفيها ولدت وتشكلت حتى وصلت بفضلها إلى منصب رئيس تحرير، وبين مبنى «مؤسسة الأهرام» الذي يتجلى بتعادلية التزاوج بين المعنى والمبنى، خطوة خطوتان ثلاث خطوات.. الروح الصحفية واحدة، وإن تعددت المدارس الصحفية، ولابد أن تتعدد «أيام كان يوجد لدينا مدارس وليس (كوفي شوب إعلام) كما يحدث في هذه الحقبة الإعلامية التي تتوه بوصلتها تشكيلًا ودلالة».

*
ولا أزال في الطابق السادس بـ«الأهرام»

امتدت اللحظة لحظات.. سنوات.. عقودًا.. زمنًا جميلًا مضى.. زمنًا ثريًا كان.. ذكريات والذكريات صدى السنين الحاكي.. ثنائيات: الرأي والرأي الآخر .. الرؤيا والرؤية.. الطرح والكشف.. المواجهة والمجادلة.. الأخذ والعطاء.. وثلاثية: القلم والألم والأمل.

كان مفكرونا هؤلاء وأقرانهم بمثابة الأوتاد التي تشد خيمة المجتمع، كانت مقالاتهم الأسبوعية في «مفكرة الأهرام» اليومية التي كان يكتبها كل يوم عظيم من هؤلاء العظماء، توعي المجتمع وتنير محيطه، كانت مقالاتهم شموعًا لم تعرف الانطفاء، والشمعة بقدر ما تنير مساحة صغيرة فهي تكشف مساحة أكبر من الظلام.

كانت يومياتهم ومقالاتهم وإبداعاتهم تهز المجتمع، كانت توجعه لكن توقظه.. تفزعه لكن تقنعه.. تجرحه لكن تفرحه بالوعي الذي يعود إليه طبقًا لتوصيف شيخنا توفيق الحكيم ، وما أحوجنا إلي من يوقظ فينا الشعور بالحياة بين الحين والحين، وأننا لا نحيا لمجرد أن نبقى أحياء كما كان يقول يوسف إدريس، في صرخته «أهمية أن نتثقف يا ناس».

*
ولا أزال في الطابق السادس بـ«الأهرام»

كانت «مفكرة فلان.... » بالأهرام، و«يوميات الأخبار» بأخبار اليوم، بمثابة نافذتين أو قل إنهما كانت رئتين، يتنفس منهما المجتمع المصري في خصوصية والعربي بكليته، تنفسًا طبيعيًا.

معارك فكرية ومجتمعية، كانوا يخوضونها، وقد عشت كثيرًا منها، مثلا قضية الأحاديث الأربعة التي نشرها الحكيم في الأهرام بعنوان (حديث مع الله) وقامت الدنيا ضده من خلال بعض شيوخ الأزهر، والشيخ الشعراوي الذي دخل في مناظرة مع الحكيم ويوسف إدريس وزكي نجيب محمود، وأراد هو أن يرد على الحكيم منفردًا، وكنت أنا الذي أثرت أطرافها على صفحات في (الأخبار) كما سأسردها لاحقًا، وغير ذلك من القضايا والأزمات، وكان المجتمع يتابع ويحلل ويقرأ القراءة الكاشفة، كانت الكلمة من أفواه أقلامهم بألف صورة وصورة وغواية الميديا..

وكان أنيس منصور برغم أنه كتب أكثر من مليون صفحة يقول «لو يعرف الذين يكتبون أين تقع كلماتهم من نفوس الناس، لارتجفت الأقلام في أيديهم، وترددوا كثيرًا قبل أن يقولوا شيئًا، ولكن هذا لا يحدث إلا قليلًا، عندما تواجهنا الحقيقة فجأة، فنعرف أن كلماتنا كانت أحجارًا سقطت على ماء ساكن فهزته ثم سكن كل شيء، أو كانت بذورًا استقرت في أرض واسعة مسطحة كأنها أكف متعطشة تنتظر، أو كانت سمومًا جاءت بعدها النهاية».

*
ولا أزال في الطابق السادس بـ«الأهرام»..

في سياق لحظة الاستعادة أستذكر صورة نابضة لعظمة الكلمة كقيمة مضافة وشرف لو تعلمون عظيم لكل من يقولها أو يكتبها، تلكم الصورة التي تفيض بنور الكلمة والحرف رسمها وكثفها الشاعر والمفكر عبدالرحمن الشرقاوي:
ما دين المرء سوى كلمة
ما شرف الرجل سوى كلمة
أتعرف ما معنى الكلمة؟
مُفتاح الجنة في كلمة
دخول النار على كلمة
وقضاء الله هو الكلمة
الكلمة نور وبعض الكلمات قبور
بعض الكلمات قلاع شامخ
يعتصم بها النبل البشري
الكلمة فرقان ما بين نبي وبغي
بالكلمة تنكشف الغمة
الكلمة نور ودليل تتبعه الأمة
الكلمة زلزلت الظالم
الكلمة حصن الحرية
إن الكلمة مسؤلية
إن الرجل هو الكلمة
شرف الرجل هو الكلمة.

*
ولا أزال في الطابق السادس بـ«الأهرام»..

كيف استطاع الأستاذ هيكل أن يستقطب هؤلاء العمالقة؟ أية غواية قدمها لهم ليشكلوا هذه المرحلة في مسيرة البعد الثقافي والفكري للأهرام، وهي حقبة عنوانها «مفكرة فلان» ما بين منتصف السبعينيات واستمرت حتى منتصف الثمانينيات؟.

وإلى الملتقى في بهو عبقرية هذا المكان في الطابق السادس بـ«الأهرام»..!.

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

مقالات اخري للكاتب

إلا.. الطابق السادس في «الأهرام» (5)

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام» (5)

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام».. (4)

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام».. (4)

إلا.. الطابق السادس في «الأهرام» .. (3)

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام» .. (3)

إلا الطابق السادس في «الأهرام» (2)

إلَّا الطابق السادس في «الأهرام» .. (2)

إلا.. الطابق السادس بـ«الأهرام» (1)

صعدت إلى الطابق السادس في مبنى «الأهرام» ومكثت بعضًا من الوقت، بعد حسن ضيافة صديق عريق وزميل أنيق، من جيلنا الذي أخذ العلم الصحفي على أعلامه وأساتذته،

سلام على أبطال أكتوبر ٧٣

ليس فقط لأن الندوة كانت عن نصر أكتوبر العظيم.. وليس فقط لأن الحالة المجتمعية صار ت أكثر احتياجًا لاستلهام الروح الأكتوبرية..

اللعبة الخفية على رقعة الشطرنج

تتجلى حكمة إنسانية بواحدة من القيم التي يجب أن تلفح وجه كل من يفكر في دمار شعب، أو إزهاق الأرواح بالحروب التي يتفننون فيها تكنولوجيًا وإلكترونيًا، ويروعون بها خلق الله الأبرياء، وحتى غير الأبرياء.

الجوهرة السمراء تصفع القبعة البيضاء

أستعيد هذه الورقة السمراء المعبأة بالحكمة والتحدي والثقافة والتجربة والكبرياء من حياة الزعيم الإفريقي الراحل (نيلسون مانديلا)، في مواجهة الرجل الأبيض، الذي لا يزال يمارس الغطرسة بصورة أو بأخرى، والذي يستند إلى تراثه البغيض في امتصاص دماء الشعوب في خدعة ما يسمى وهما بــ (العالم الثالث..).

رغم الجدل بالتي هي أحسن

أراد كاتب مغمور أن يشتهر، مع أنه لا يملك مقومًا واحدًا من مقومات النجاح، فكتب مقالاً عنيفًا - حتى حد السب والشتم - في سعد زغلول باشا، في عز عنفوانه السياسي كزعيم للأمة في مطالع القرن الماضي..

خطورة النجوم اللامعة…!

خطورة النجوم اللامعة…!

في نور هذا المشهد الكوني

في نور هذا المشهد الكوني

لو عـرف الشباب.. لو قـدر المشيب!

لو عـرف الشباب.. قـدر المشيب!

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]