مراسلات كلينتون ونهاية الإسلام السياسي

24-10-2020 | 14:38

 

بصرف النظر عن التوقيت الذى تم فيه الكشف رسميًا عن الرسائل البريدية الإلكترونية للسيدة هيلارى كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية سابقًا فى إدارة أوباما، والمرشحة السابقة للانتخابات الرئاسية الأمريكية فى مواجهة دونالد ترامب عام 2016، وهو التوقيت الذي ينخرط ويرتبط بموعد جولة الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة فى الثالث من نوفمبر عام 2020، والذى يستهدف كما لاحظ العديد من المراقبين زعزعة وإضعاف مركز المرشح الديمقراطى جو بايدن فى مواجهة ترامب؛ باعتبار أنه كان شريكًا فى إدارة أوباما كنائب للرئيس، ويفترض موافقته على توجهات الإدارة السياسية، فإن ما يهمنا فى المقام الأول أن هذه الرسائل الإلكترونية تعد وصمة سياسية لـجماعات الإسلام السياسي و جماعة الإخوان على رأسهم، على اعتبار أنهم تواطأوا سرًا وعلانية مع الإدارة الأمريكية لـنشر العنف والفوضى وتخريب الدول الوطنية والمجتمعات في سبيل اعتلائهم قمة الحكم، ومن أجل هذا الهدف يبدون استعدادهم للتحالف مع من يساعدهم أيًا كان موقعه، ومن ناحية أخرى فإن الرسائل تكشف عن مدى انشغال الإخوان بمصالحهم دون مصالح الوطن والدولة والشعب وطبيعة الأولويات، فى جدول أعمالهم.


ورغم أن بعض هذه الرسائل كان مضمونها معروفًا منذ فترة لأجهزة الدولة المختلفة، وتسرب مضمونها إلى وسائل الإعلام على نطاق كبير، فإن الكشف الرسمى عن هذه الرسائل يمنح الخطاب الرسمى مصداقية أكبر مدعومة بوثائق محفوظة ورسمية من الدوائر الأمريكية المعنية.

ورغم أهمية هذه الرسائل فى كشف طبيعة العلاقة بين إدارة أوباما والإخوان وقطر والدعم السياسى والمالى لصعود التيار السياسي الإسلامي ، فإنها لا تعدو أن تكون مجرد خطوة أو مرحلة فى نهاية الإسلام السياسى سبقتها خطوات وقد تتلوها أخرى.

تتمثل الحلقة الأولى فى نهاية الإسلام السياسي منذ نشأته فى عجز وقصور هيكلى فى بنية الأفكار والمقترحات التى قدمها لمعالجة قضايا الشعوب العربية والإسلامية، وانخراط مجمل الأفكار التي قدمها في تفسير محافظ ومغلوط للدين الحنيف ونصوصه، والاستشهاد بوقائع واقتباس أفكار ارتبطت بزمانها، بل حتى فى زمانها لم تلق القبول الواسع مثل فكرة الحاكمية لله واعتبار أن مجتمعاتنا العربية والإسلامية جاهلية فى ثقافاتها وعاداتها وتقاليدها، وأنها لابد أن تحكم بالإسلام وتعود إليه، مثل هذه الأفكار المتطرفة تستهدف عزل المجتمعات الإسلامية عن الحضارة الحديثة والمعاصرة وتجريم التحديث والاقتباس والتفاعل ومصادرة المبادرات الفردية والجماعية لتجاوز عثرة التخلف.

أما الحلقة الثانية فتتمثل فى مجرى الحياة السياسية والوطنية المصرية العامة، فى أن الانتقال بهذه الأفكار من النظر إلى الواقع كشف أن تيار الإسلام السياسي ممثلا بصفة أساسية فى جماعة الإخوان ، لم تكن ضمن إطار الحالة الوطنية العامة ضد الاستعمار الإنجليزى والقصر، بل تتموضع فى الجبهة المناوئة للحركة الوطنية؛ لأن أسلوب التربية العقائدية والتنظيمية لأعضائه كان يمنح الأولوية للإسلام أو بالأحرى فهمهم للإسلام والدولة الإسلامية، ولا يعبأ بـالدولة الوطنية وقيم الحركة الوطنية وأهدافها فى الجلاء والدستور، ولم ير الإسلام جامعًا وحاضنة للحركة الوطنية والدولة بل نقيض هذه وتلك.

أما الحلقة الثالثة والأهم فى نهاية الإسلام السياسى فتتمثل فيما بعد الربيع العربي حيث كشف صعود الإخوان عن خواء الخطاب السياسى الإسلامى الهيكلى وعجزه عن إدارة الدولة، ومعالجة مشكلات المواطنين وقصوره عن وضع برامج عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية، كقبلة لحل هذه المشكلات، بل وضع خليطا من مختلف الإيديولوجيات والسياسات وذيلها أو صدرها بجمل إسلامية؛ مجرد توليفة من الليبرالية والقومية والناصرية لا تعكس على الإطلاق ما وعدوا به من برامج إسلامية لمعالجة هذه المشكلات، وكان الافتقار والعجز عن صياغة هذه البرامج الواقعية دافعًا لمزيد من التشدد اللفظى الدينى والهوياتى وتصعيد وتيرة التطرف فى المجال الطقوسي والشعائري وغير ذلك من المجالات التى لا يكلف الحديث فيها أو التطرف فيها مجهودًا فكريًا يذكر.

تبين بعد الصعود أن الخطاب مجرد أوهام، لم تنطل على جماهير المصريين الذين تطلعوا إلى حلول، حيث تم التركيز على الألفاظ وليس المعاني، والتخيل والإغراق فى الخيال وليس الواقع المحدد والمتعين، الذي يجب مواجهته، ولأنه خطاب يتدثر «بالقداسة» لأنه ديني، فإن تجريم الاعتراض عليه واجب ديني وأفضى ذلك إلى العنف بشتى صوره والفتنة فى أجلى معانيها، أما مؤسسات الدولة فقد خضعت للحصار والتطويق والأخونة والتى مهدت الطريق إلى 30 يونيو عام 2013.

كشف حكم الإخوان خلال العام الأسود الذى صعدوا فيه إلى قمة الحكم، عن افتقادهم لأهلية الحكم، وافتقاد كوادرهم لمبادئ الإدارة الرشيدة وولعهم بالمكاسب والغنائم على حساب مصالح الشعب والدولة وعجزهم عن التوفيق بين خطابهم والخطاب السياسى المعاصر ورغم قلة وفقر بعض هذه المحاولات فإنها جاءت مبتسرة وانتهازية لا تنم عن أى أصالة فكرية أو اجتهاد حقيقي؛ مثل محاولة ركوب موجة حقوق الإنسان والديمقراطية التى انتهت باحتقارهم لهذه الحقوق واستبداد حكمهم والأحادية التي توجه أفكارهم والعنف الذى تنطوى عليه أيديولوجيتهم وولع التفتيت والتقسيم، ولم يكن تبنيها سوى تجميل وترقيع لخطابهم حتى يحظى بالرضا الأمريكي.

والواقع أن سوء التطبيق والإدارة لم يكن يرجع فقط إلى افتقاد الخبرة الدولية والتنظيمية، بل يعود بالأساس إلى التناقضات الجوهرية بين الخطاب الإسلامى وبين الواقع، فالخطاب يتميز بالأحادية، فى حين أن الواقع يزخر بالتعدد والتنوع، كما أن الخطاب يزخر بالطابع الإيديولوجى، أى الذى يميل إلى إخفاء الواقع ويكتفى منه بمجرد فكرة عنه، مختزلة، فى حين أن الواقع بحاجة إلى رؤية سياسية تلم بكل عناصره وتستكشف طرق حلها ومعالجتها.

الأفكار لها دورة حياة تبدأ بالنشأة والتطور ثم مرحلة اختبارها واقعيًا، وهذا حال معظم الأفكار الاشتراكية والليبرالية والقومية والديمقراطية، ولكن بعضها لديه القدرة على التجدد والتجديد والتلاؤم مع تطور المعطيات فيستمر، وبعضها الآخر يصل إلى طريق مسدود؛ لأنه لم يستطع التلاؤم مع الواقع بل حاول تطويع الواقع للقوالب الفكرية الجامدة، وأيضا غير قادر على التجديد والتجدد والإحاطة بقوانين التغير؛ لأن أصحابها يرون فيها أفكارًا متسامية عن الواقع ولا تخضع له.

وهكذا يدخل فكر الإسلام السياسى فى نفق النهاية، ولن يتمكن من العودة مجددًا، لأنه كشف عن طبيعته الدموية والعنيفة والتخريبية، ليس فحسب فى مصر بل فى السودان وليبيا واليمن والعراق وغيرها من البلدان العربية، وتثبت مصر قدرتها وخبرتها فى رؤية الأخطار فى الأفق ومواجهتها قبل أن تتفاقم ويصعب السيطرة عليها.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

السلام .. وليس الأرض مقابل السلام

ليس من السهل وضع الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي للسلام على قدم المساواة مع المعاهدة المصرية الإسرائيلية، أو معاهدة وادي عربة مع الأردن أو مع اتفاق أوسلو

تركيا .. قدوة سيئة لإثيوبيا في السياسات المائية

تواجه مصر تحديات غير مسبوقة, على الأقل فى العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين والعقد الأول والثانى من القرن الحادى والعشرين، تتعلق بأمنها القومى وأمنها

أشباح الضم تراود حكومة نيتانياهو

إن صح تسمية الحكومة الإسرائيلية الخامسة التى شكلها بنيامين نيتانياهو وبينى جانتس من الليكود وحزب أزرق أبيض والتى يتم فيها تبادل منصب رئيس الوزراء بعد ثمانية

مصر عصية على الانكسار

مصر عصية على الكسر، هكذا كانت عبر الزمن، وهكذا ستكون إلى الأبد، فهى محروسة وهى الصفة التى لازمتها وستلازمها فى تاريخها القديم والحديث، وسواء كان مصدر هذه

مادة إعلانية

[x]