النجاح وتسلق الجبال

24-10-2020 | 12:56

 

شاهدت فيلمًا أمريكيًا عن قصة حقيقية لمجموعة من متسلقي الجبال، تألمت بشدة لرؤيتي معاناتهم وتعرضهم لصعوبات قاسية جدًا وتكبدهم لمشاكل صحية ونفسية، بداية من صعوبات التنفس ومرورًا بالتجمد لبعض الوقت والكم الرهيب من الفزع الذي عانوه هم وأحباؤهم الذين يتابعون أخبار "مغامراتهم" وانتهاء بموت بعضهم وبتر أطراف آخرين.


أعترف بحبي الشديد للجبال وأراها نموذجًا "متفردًا" للجمال وللشموخ وقد تسلقت جبلًا صغيرًا ببعض الرحلات ورأيت المناظر الطبيعية رائعة "وأخاذة" من أعلى ما استطعت الوصول إليه من الجبل..

واعترف بعشقي للنجاح ولكل ما يتصل به، فأراه قبلة الحياة لكل إنسان، وهو الترياق المجرب والنافع ضد كل السموم التي تحاصرنا من القبح والإحباطات والعلاقات المزيفة، و الأخبار السيئة بالعالم والتي تلاحقنا بالفضائيات وبالإنترنت.

ولا أرى أي نجاح ب تسلق الجبال الشاهقة جدًا، وأثق أن النجاح يعني تحقيق الأهداف التي "تفيد" الإنسان وتسعده وتضيف للحياة أو لمن يحب "وترشحه" للمزيد من النجاح ات أي أن يكون "وقودًا" للأفضل وليس "ذكرى" يعيش صاحبها عليها ويجلس وسط الناس ليتحدث عنها..

كما يقاس النجاح بالثمن الذي دفع لتحقيقه من وقت وجهد ومال، ومعروف أن من يتسلقون الجبال الشاهقة "ويكابدون" ليحطموا أرقامًا قياسية "يدفعون" من أعمارهم شهورًا وسنوات للتدريب الجسدي الشاق ولتلقي التعليمات النفسية، فضلًا عن دفع الأموال الباهظة والتي كان يمكن استثمارها فيما يعود بالنفع الحقيقي للمتسلق وأسرته..

وأعرف أن الهوايات مفيدة نفسيًا وصحيًا، وأن الخروج عن المألوف مطلوب من وقت لآخر لكسر الرتابة والملل والروتين اليومي "لمنع" الاكتئاب ولتجديد الحيوية العقلية والنفسية، ولكن هناك الكثير من الهوايات غير الضارة..

ويدعي البعض أن تسلق الجبال يعلم الصبر ويساعد على تحمل المشاق، والرد على ذلك أننا لا نحتاج للتسلق لنتمتع بالصبر ونذكر ما يفعله بعض مدربي التنمية البشرية من دعوة من يحضرون دوراتهم التدريبية للسير على جمرات مشتعلة بغية زرع الانتصار على المعوقات، وهو استخفاف واضح بالعقول، فأغلب هذه الجمرات ليست كاملة الاشتعال ويسير المتدرب عليها بطريقة خاصة وسريعة، والأهم أنه يشعر بسعادة وانتصار ونجاح "مؤقت" وهذا لن يساعده على مواجهة عوائق النجاح "الحقيقية" ولعل هذا ما قصده أمير الشعراء أحمد شوقي عندما هنأ "نصير" بطل العالم بحمل الأثقال فقال:

قُل لي نُصَيرُ وَأَنتَ بَرٌّ صادِقٌ
أَحَمَلتَ إِنساناً عَلَيكَ ثَقيلًا
أَحَمَلتَ دَينًا في حَياتِكَ مَرَّةً
أَحَمَلتَ يَومًا في الضُلوعِ غَليلا
أَحَمَلتَ ظُلماً مِن قَريبٍ غادِرٍ
أَو كاشِحٍ بِالأَمسِ كانَ خَليلًا
أَحَمَلتَ مِنّا بِالنَهارِ مُكَرَّرًا
وَاللَيلِ مِن مُسدٍ إِلَيكَ جَميلًا
أَحَمَلتَ طُغيانَ اللَئيمِ إِذا اِغتَنى
أَو نالَ مِن جاهِ الأُمورِ قَليلًا
أَحَمَلتَ في النادي الغَبِيِّ إِذا اِلتَقى
مِن سامِعيهِ الحَمدَ وَالتَبجيلا
تِلكَ الحَياةُ وَهَذِهِ أَثقالُها
وُزِنَ الحَديدُ بِها فَعادَ ضَئيلًا

توقفت طويلا في الفيلم عند قول أحد المتسلقين أنه يحب تسلق الجبال ؛ لأنه "ينسيه" ما يشعر به من اكتئاب بحياته ومن عدم رضا عن عمله، وهو صادق ومحق بذلك، فالمؤكد نفسيًا أن "استغراقنا" التام بأمور بعيدة عن أنشطتنا اليومية وابتعادنا عن منازلنا ومن نعرف لبعض الوقت ونحن "نسعى" لمغامرة أو لشيء نحبه ونرغبه، فإن ذلك ينعشنا نفسيًا ويخرجنا من دوائر تفكيرنا اليومية والتي تستنزفنا، ولذا تأتي أهمية الإجازات الأسبوعية والسنوية؛ بل والاستراحات اليومية والتأمل والاسترخاء والرياضة البدنية "للقفز" خارج ما نعتاده وللتوقف عن التفكير والاهتمام بما يجلب الضيق أو الحزن لعقولنا ولقلوبنا، فيجهدنا ويؤلمنا ويسرق طاقاتنا ويقلل فرصنا في صنع نجاحات ترضينا ونرضى عنها..

والمؤلم أن هذا المتسلق عندما اشتدت معاناته قال لصاحبه: لماذا أتحمل كل هذه المعاناة؟، فرد عليه قائلًا ليكتب اسمك أنك تسلقت جبل إيفرست ، فقال بسرعة أريد فقط الوصول ثم العودة لبيتي والأكثر إيلامًا أنه مات..

نود التفرقة بين النجاح الزائف ك تسلق الجبال أو أي شيء مماثل؛ فهو مثل قرص الفوار يذوب سريعًا ويختفي أثره وفائدته، و النجاح الحقيقي الذي يذيب الصعوبات والعوائق بتدرج ويساعدنا على فهم أفضل لأنفسنا ولإمكاناتنا ولكيفية توظيفها لنصبح أفضل ولنفهم إخفاقاتنا بالحياة، ولا يوجد نجاح بلا إخفاقات، ولنتوقف عندها بتمهل ونعرف دورنا في صنعها ولا نكابر ولا نبرر؛ حتى لا نكررها ولا نقسو على أنفسنا، ولا نقلل من ثقتنا بأنفسنا ونحصل على استراحة محارب نعالج بها جراحنا، ونضاعف طاقاتنا، وندرس خطواتنا القادمة جيدًا، ونجيد التخطيط، ولا نتسرع ونتبرأ من حولنا ومن قوتنا، ونستعين "بصدق" بالقوي العزيز العظيم ثم نقول ما قاله الشاعر أبو القاسم الشابي:

ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر

فلنختر الجبل الذي "يستحق" المهر الذي سندفعه للوصول إليه، ولنبتعد عن كل الحفر التي "تبدو" لنا في صورة جبال فليست لنا إلا حياة "واحدة" ومن العار أن نبددها أو نضيع أجزاء غالية منها في أوهام وهروب وانتصارات زائفة وأشباه نجاحات "نخدر" بها أنفسنا وتحرمنا من صنع حياة "حقيقية" وناجحة تليق بنا ونستحقها أليس كذلك؟

مقالات اخري للكاتب

الحب والطلاق

تزوجا بعد قصة حب جميلة؛ أنجبا طفلًا، مرت بهما الأعوام وهما يتشاركان الاهتمام به..

كتابة المذكرات وضغوط الحياة

كتابة المذكرات وضغوط الحياة

السعادة وجينفر إيستون وسيزيف

كل ما أريده هو فقط أن أجلس بالمنزل وأرتدي ملابس فضفاضة وأكل طيلة اليوم هل هذه جريمة؟ هذا ما قالته الممثلة الأمريكية الجميلة جينيفر إنيستون.. تجسد جينفر

صداقة من طرف واحد

كما يوجد حب من طرف واحد؛ أثبتت دراسة حديثة أن نصف الـصداقات غير متبادلة؛ أي من طرف واحد فقط؛ ويتوهم أن الطرف الآخر يبادله ويشاركه الصداقة بينما يراه غير صديق..

النجاح وتسلق الجبال

شاهدت فيلمًا أمريكيًا عن قصة حقيقية لمجموعة من متسلقي الجبال، تألمت بشدة لرؤيتي معاناتهم وتعرضهم لصعوبات قاسية جدًا وتكبدهم لمشاكل صحية ونفسية، بداية من

السعادة والعمر الضائع

كثيرًا ما نقضي أوقاتًا ونحن نبحث عن أشياء ثم نكتشف أنها كانت أمام أعيننا ولم ننتبه لوجودها..

الامتنان .. طوق النجاة

تضيق الحياة وتختفي الابتسامة من القلب ومن الوجه ويزحف التعب النفسي بألوانه ويجهد الجسد ونكاد نغرق، فنبحث عن طوق للنجاة، وعندما نجده "ونسارع" بالتشبث به وباحتضانه تتسع الحياة وتشرق القلوب والوجوه بنور لطيف يزيح الوجع ويفسح المجال للفرح وللبراح بأنواعه..

ورود وأشواك العلاقات

أدعو لكم بالفوز بأجمل الورود من التعامل مع الآخرين والنجاة من أشواكهم؛ فيندر الورد بدون أشواك.

فرويد والاضطرابات النفسية

في 23 سبتمبر عام 1939 غادر فرويد الحياة وترك تراثًا هائلًا اختزله الكثيرون بنظرياته عن الكبت الجنسي ودور الغريزة الجنسية في الأمراض النفسية وتأثيرها على

شباب تحت المائة

تستطيع دومًا أن تعيش شابًا؛ هذا ما يثبته متابعة شباب تحت المائة؛ تمتعوا بالرغبة بالاحتفاظ بالحياة داخلهم ورفضوا الموت وهم أحياء؛ وزرعوا بعقولهم أن الشباب "اختيار" وليس عمرًا..

جبر الخواطر والأذى

جبر الخواطر نور لطيف وجميل ينير حياة من يقوم به قبل أن يصل لمن يجبر بخاطره، وكيف لا؟؛ وفعل الخير يوسع حياة صاحبه، وأثبتت أحدث الدراسات الطبية أن فعل الخير يزيد المناعة ويفيد صاحبه، لأنه يمنحه الرضا النفسي فيجعله أهدأ نفسيا وينعكس بالخير على صحته الجسدية.

حواء وآدم والفضفضة

من منا لم يشعر يوما بالحاجة للفضفضة وللتخلص من أحمال نفسية يحملها؛ طوعا أو كرها، ومن منا لم يندم على فضفضة قام بها ظنا أنها ستمنحه قدرا من الارتياح "يساعده" على مواجهة ما يؤلمه، وإذا بها تزيد من مشاكله وتضاعف معاناته.

مادة إعلانية

[x]