ما بين الشيوخ والنواب .. قضايا تأخرت كثيرا

23-10-2020 | 11:13

 

فى أحيان كثيرة كان الحوار لا يجدي، وكانت الآراء تأخذ مكانها فى سراديب المكاتب ويتغير المسئولون وكل شيء مكانه.. كثيرا ما كنا ننادى ولا أحد يسمع ونكتب ولا أحد يقرأ وغابت لغة الحوار وتراجع المنطق وبقى كل شيء على حاله، واليوم تشهد مصر تحولات كثيرة ما بين مجلس جديد للشيوخ وبرلمان سوف تجرى انتخاباته بعد أيام قليلة وحكومة تنتظر هذا وذاك.. ولا شك أن هناك قضايا مطروحة ربما منذ سنوات وتحمل تساؤلات مازالت تبحث عن إجابة.. واليوم أضعها أمام النواب الجدد فى المجلسين..


< أولا عندى رجاء للسادة النواب والحكومة أيا كانت رموزها أن نحافظ على ما بقى من مجانية التعليم .. أنا هنا لن أناقش منظومة التعليم التى يجرى الآن تنفيذها، لأن هناك من يتابعها أكثر مني.. ولكن أتحدث عن حق تاريخى وإنسانى واجتماعى أصبح حقا مكتسبا للمواطن المصري.. إن قصة مجانية التعليم كانت من أهم منجزات ثورة يوليو وزعيمها الراحل جمال عبد الناصر، ومهما تكن درجة الخلاف حول سنوات حكمه، إلا أن كل مصرى لن ينسى أنه تعلم تعليما جادا فى عصره وأن الشعب المصرى لن ينسى معجزة السد العالي، هذه أشياء لن نختلف عليها .. إن دعوة عميد الأدب العربى طه حسين فى الأربعينيات بأن التعليم حق مثل الماء والهواء، وقد وجدت صداها فى فكر جمال عبد الناصر، وكانت أهم مكتسبات فقراء مصر من ثورة يوليو.. وكانت وراء أهم المتغيرات فى المجتمع المصرى هذا الإنجاز ينبغى ألا نفرط فيه مهما تكن الأسباب..

< إن مجانية التعليم غيرت ثوابت كثيرة فى حياة المصريين، وخلقت واقعا اجتماعيا وإنسانيا جديدا وقدمت نخبا جديدة فى كل مجالات الحياة ما بين فئات كثيرة من القادة والمفكرين وأصحاب الرأى والأطباء والقضاة وأساتذة الجامعات والعلماء والمدرسين.. وهذه النخب هى التى قام عليها بناء مصر الحديثة.. كانت مجانية التعليم وراء أهم المتغيرات فى الشخصية المصرية فى ريف مصر وبين فقراء هذا الشعب، وأبناء الطبقة المتوسطة، وهى التى نقلت حياة المصريين حضاريا وإنسانيا.. قد يسأل البعض وما هى أسباب طرح هذه المخاوف..

< إن ما تشهده الآن منظومة التعليم الجديدة يحمل الكثير من الأسباب.. هذا الارتفاع الجنونى فى أسعار العملية التعليمية فى كل مراحله ومستوياته حتى المؤسسات والمدارس والجامعات تبالغ فى الرسوم والمصروفات والكتب والمراجع.. هذه الأعباء تتعارض تماما مع ما كان يسمى مجانية التعليم وإذا انتقلنا إلى التعليم الخاص فإن نفقاته لا تتناسب أبدا مع الطبقات محدودة الدخل ولنا أن نتصور أسرة من طفلين وليس أكثر أمام عشرات الآلاف التى تطلبها المدارس الخاصة ما بين الأجنبى والمصري.. إن مصروفات المدارس الآن تغلق كل الأبواب أمام محدودى الدخل ولا أقول الفقراء..

< إذا انتقلنا إلى التعليم الجامعى تصبح القضية أصعب لمن يريد أن يلتحق بكليات الطب والصيدلة أو كليات القمة هنا تصبح المصروفات فوق طاقة الجميع.. إن الدولة أقامت الجامعات الأهلية وهى تجربة رائدة، ولكنها أبعد ما تكون عن مجانية التعليم ، لأنها لا تقل فى نفقاتها عن الجامعات الخاصة.. إن كل هذه التناقضات بين الحكومى والخاص والأهلى تركت آثارا اجتماعية وإنسانية.. فإلى أين يذهب بقية الملايين من المتفوقين علميا والعاجزين ماديا.. أعرف أن هناك من يرى أن مجانية التعليم حلم وانتهي، وأن الواقع الاجتماعى والطبقى يفرض ثوابت جديدة ليس منها مجانية التعليم .. وفى تقديرى أن الدولة مهما تحملت يجب أن تبقى مساحة فى منظومة التعليم الجديدة لما كان يسمى مجانية التعليم .. ويجب أن تكون فى مقدمة أولويات سلطة البرلمان و مجلس الشيوخ لأن التفريط فى هذا الحق المكتسب خسارة لا تعوض ..

< هناك قضية ثانية أتمنى أن تكون لها وقفة ما بين البرلمان و مجلس الشيوخ والحكومة، وهى مأساة الأمية ، هذا الداء الذى ينخر فى عقل الأمة منذ سنوات بعيدة.. إذا تحدثت عن العشوائيات فهى الأمية سلوكا وتخلفا ومخدرات وجرائم.. وإذا تحدثت عن الإرهاب والتطرف فمن أسبابه الأمية.. وإذا وضعت مصر أم الحضارة والثقافة فى مقدمة دول العالم التى تعانى الأمية.. إن الشيء الغريب أن دولا عربية تخلصت من الأمية منذ زمن بعيد وبقى فى مصر 30 مليون إنسان معظمهم من النساء لا يقرأون ولا يكتبون .. إن كل الدساتير فى مصر منذ دستور1923 تلزم الحكومات بالقضاء على الأمية فى فترة لا تزيد على خمس سنوات واقتربنا الآن من مائة عام والأمية تأكل عقول أجيالنا جيلا بعد جيل..

< إن فشل الحكومات المتتالية فى مواجهة هذه المأساة يمثل قصورا على كل المستويات.. إن الدولة تسعى إلى إنشاء منظومة جديدة للتعليم فى كل مراحله، ولا يعقل أن يكون بيننا هذه الملايين التى لا تقرأ ولا تكتب.. إننا نحاول أن نلحق بالعصر من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة ولا أتصور كيف تعمم البنوك استخدام الكروت فى المعاملات بين 30 مليون إنسان لا يجيدون القراءة، أو أن نحلم بـ انتخابات صحيحة والناخبون لا يقرأون ولا يكتبون، أو أن نتصور مناخا سياسيا واعيا، والأمية تحاصرنا من كل جانب..

< إن بقاء هذا العدد يمثل عبئا كبيرا على التنمية والتطور والتقدم وقبل هذا كله إنسان يعيش خارج العصر.. لا يعقل أن تبقى الأمية قضية أجيال عجزت عن مواجهتها.. إن الجهود التى بذلتها الحكومات المتعاقبة لم تستطع القضاء على هذا المرض اللعين، ويكفى أنه يقف وراء كل مظاهر التخلف التى أصابت العقل المصرى طوال مائة عام.. إننى أتمنى لو أن هناك خطة للقضاء على الأمية فى خمس سنوات سيكون انجازا عظيما من الحكومة والبرلمان و مجلس الشيوخ سوف يوفر ذلك مناخا متحضرا يواجه التطرف والإرهاب والتخلف، وكلها توابع للأمية.. هناك مؤسسات كثيرة فى مصر يمكن أن تشارك فى هذه الحملة فى مقدمتها رجال الأعمال من أصحاب الأعمال الكبرى بحيث يقيمون مراكز لمحو الأمية، وهناك الجامعات والمؤسسات التعليمية الخاصة فى أوقات الإجازات، وهناك المجلس القومى للمرأة، إن الأزمة تحتاج إلى جهود الدولة كلها..

< بقيت عندى قضية ثالثة أتمنى أن تجد اهتماما لدى البرلمان و مجلس الشيوخ وهى إنقاذ الطبقة المتوسطة فى مصر.. قد تكون القضية بعيدة قليلا عن مجانية التعليم ، والأمية وإن كانت من أهم القوى الاجتماعية التى أضيرت أمام واقع اجتماعى تغيرت كل الثوابت فيه.. إن الطبقة المتوسطة وهى العمود الفقرى للمجتمعات، وقامت عليها نهضة مصر فى كل مجالات الحياة قد ذابت وتلاشى دورها اجتماعيا وثقافيا وسلوكيا، وفقدت كل مقومات تميزها وتفردها.. إن هذه الطبقة تلاشت أمام واقع اقتصادى غير كل الحسابات، وواقع اجتماعى سلب منها كل ما أنجزته من مظاهر التقدم والتفوق، ولا شك أن المجتمع خسر الكثير أمام تراجع دور الطبقة المتوسطة، وكان أخطر ما فيه تهميش النخبة والاستغناء عن دورها .. لقد ذابت الطبقة المتوسطة فى واقع اجتماعى واقتصادى أهدر حقوق هذه الطبقة، وقد يكون السؤال وما هى أخطر ما تعرضت له؟! أقول إنه الجانب الثقافى والفكري، وهو أهم أدوار هذه الطبقة.. لن أتحدث عن أدوارها الأخرى حضاريا وسلوكيا، ولكن الدور الثقافى الذى تراجع كان خسارة للثقافة المصرية كلها.. إن غياب الطبقة المتوسطة كانت له سلبيات كثيرة ولكن خسائرها الثقافية كانت هى الأخطر، والسؤال هنا كيف نعيد دور الطبقة المتوسطة؟!.. أقول أن نعيد وجه مصر الثقافي.. والطبقة المتوسطة هى التى حملت راية هذا الدور فكرا وإبداعا وسلوكا..

< أعود من حيث بدأت أن مجانية التعليم مكاسب شعب، والأمية مأساة لا تليق بنا، والطبقة المتوسطة هى كنز مصر الذى ينبغى ألا تفرط فيه.. إن الطبقة المتوسطة هى التى حملت مسيرة التقدم فى مصر بناء وتعليما وإبداعا ومسئولية، وهى التى أعطت مصر واجهة مضيئة فى كل العصور..

< إن هذه القضايا تدخل فى صميم توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي  للمسئولين فى الدولة فى إطار مشروع لبناء الإنسان المصري، ولا يعقل أن يحرم الإنسان المتفوق من ثمار جهده ونجاحه، لأنه لا يملك المال.. إن المال ضرورة.. ولكن ينبغى ألا يتحكم فى كل شيء، ولهذا فإن الدولة يجب أن تحرص على حقوق تاريخية وفرتها مجانية التعليم للشعب، خاصة طبقاته الفقيرة وينبغى ألا نترك الأمية تدمر عقول أجيال من حقها أن تعيش العصر.. تبقى الطبقة المتوسطة وهى تاج مصر فى كل العصور وغيابها خسارة لا تعوض.. هذه قضايا يجب أن تكون لها الأولوية ما بين مجلس الشيوخ والبرلمان لأنها مسئولية تاريخية..

ويبقى الشعر
أتيتُكِ نهرا حزينَ الضِفافِ
فلا ماءَ عندي..ولا سنبلة
فلا تسألى الرّوضَ كيف انتهيت
ولا تسألى النهر من أَهْمَلَه
أنا زهرةٌ من ربيعٍ قديمٍ
أحَبَّ الجمال.. وكم ظلله
حقائب عُمرى بقايا سراب
وأطلالُ حلمى بها مُهْمَلَة
وجوهٌ على العينِ مرَّت سريعا
فمن خان قلبي.. ومن دَلله
ولا تسألى الشِعْرَ من كان قبلي
ومن فى رحاب الهوى رَتّلَه
أنا عَابِدٌ فى رِحَابِ الجَمَالِ
رأى فى عيونكِ ما أَذْهَلَه
يقولون فى القتلِ ذنبٌ كبيرٌ
وقتل المحبينَ مَن حَلّلَه
أناديكِ كالضوءِ خلفَ الغيوم
وأسأل قلبكِ من بَدَّلَه
وأصبحتُ كالنهرِ طيفا عجوزا
زمانٌ من القهرِ قد أَثْقَلَه
فهذا الحريقُ الذى فى يديكِ
يثير شجوني.. فمَن أَشْعَلَه
وهذا الشموخُ الذى كان يوما
يضيءُ سماءَكِ.. مَن أَسْدَلَه؟
أَعيدى الربيع لهذى الضفاف
وقومى من اليأسِ..ما أَطْوَلَه
فخيرُ الخلائقِ شعبٌ عنيدٌ
إذا ما ابتدا حُلْمَهُ.. أَكْمَلَه
<<<
حَزينٌ غنائى فهل تسمعينَ
بكاءَ الطيورِ على المِقْصَلَة؟
أنا صرخةٌ من زمانٍ عريقٍ
غَدَتْ فى عيون الورى مَهْزَلَهْ
أنا طائرٌ من بقايا النسورِ
سلامُ الحمائمِ.. قد كَبَّلَهْ
أنا جذوةٌ من بقايا حَريقٍ
وبستان وردٍ به قُنْبُلَة
فلا تسألى الفجر عن قاتليهِ
وعن سارقيهِ.. ومن أَجَّلَه
ولا تسألى النَّهر عن عاشقيهِ
وعن بائعيهِ، وما أَمَّلَهْ
<<<
تعالى أحبُّكِ.. ما عاد عندي
سوى الحب .. والموت .. والأسئلة
زَمانٌ دميمٌ..أذلَّ الخيولَ
فما كان مني..وما كنت له
خيولٌ تعرَّت .. فصارت نعاجا
فمن روّج القُبحَ.. مَن جَمَّلَه؟
ومن علَّم الخيلَ أنَّ النباحَ
وراء المرابينَ.. ما أجملهْ؟
هنا كان بالأمس صوتُ الخيولِ
على كل باغٍ.. له جَلْجَلَة
فكم أسقط الحقُّ عرشَ الطغاة
وكم واجَهَ الزيفَ.. كم زَلْزَلة
فكيفَ انتهى المجدُ للباكياتِ
ومن أخرس الحقَّ.. من ضَلَّلَهْ؟
ومن قال أن البُكا كالصهيلِ
وَعَدو الفوارس كَالهَرْوَلَة؟
سلامٌ على كلِ نسرِ جسور
يرى فى سماءِ العلا مَنْزِلَة
قصيدة "الخيول لا تعرف النباح" سنة 2000

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]