"سنية الوزان" ستينية تعرفها أشجار المزارع.. وأمنيتها "أوضة وبوتاجاز"|صور

16-10-2020 | 15:50

سنية الوزان

 

البحيرة - ياسر زيدان

جسد نحيل يعكس وهن الصحة، وعينان ملونتان غائرتان تعمدت صاحبتها إخفاء آثار الحزن والتعب، ووجه حفر الشقاء فيه أخاديداً، ولكنه لم يخف بقايا جمال -ربما- لم يذبل، ويدان انتفخت عروقهما؛ اعترافاً بوطأة الفقر والحاجة، هكذا تبدو " سنية الوزان "، المرأة التي تعيش فى عقدها السابع من العمر، وتعمل فى مزارع النخيل والمانجو والخضر فى مدينة إدكو بمحافظة البحيرة.


مثل الرجال، أكسب الحاجة "سنية" العمل شخصية قوية منذ صغرها، ورغم توالي المصاعب وتقدم العمر -64 عاما- إلا أنها تعمل كل يوم لتجد قوت يومها؛ حيث لا يفي معاش المطلقات متطلبات حياتها، بعد أن حرمها خطأ في شهادة ميلادها، معاش والدها، وفي السطور القليلة التالية حكايتها.





"اسمى سنية علي الوزان، ما عرفتش مشكلة اسمى إلا لما كبرت"، يبدو من بداية حديث السيدة الستينية مع "بوابة الأهرام" أن معاناتها بدأت في سن مبكرة، ولكن دون أن تدري ماذا سيخبئ لها القدر، في وقت ستكون أحوج ما تكون فيه للرعاية، موضحة "إحنا 7 أخوات، أنا ومحمد أخويا اسم أبونا فى شهادة الميلاد "علي"، وباقي أخواتي اسم الأب "محمد"!".

تقسو الحياة على السيدة، ولأنها "من أسرة فقيرة" -بحسب ما وصفت- اضطرت للعمل منذ صغرها في المزارع مع إحدى قريباتها؛ حتى تزوجت، واستمر زواجها 7 سنوات، لم ترزق خلالها بأطفال، فكان ذلك أحد أسباب الطلاق، ودفعها الطلاق للاستمرار في العمل وزيادة جهدها؛ لتوفير احتياجاتها وتوفير أدوية والدتها المريضة حتى وفاتها، متابعة: "من وأنا صغيرة ما بطلتش شغل عند الناس اللي بتكرمني".

على ظهرها حملت الحاجة سنية "سباطات" البلح، إلى مكان التعبئة، ثم تنقلها بعد نزع البلح عنها إلى المكان المخصص للتخلص منها، ثم يتحمل كتفها وذراعاها حمل كراتين البلح بعد تعبئته على "الكارو" لنقله إلى الوكالة.




حركتها تبدو آلية، مرتبة ومنظمة، تعكس خبرة عشرات السنوات من العمل الذي لم ينقطع، وربما تحدث نفسها بين حين وآخر: "لو ما اشتغلتش هموت من الجوع، مفيش حد بيدي حد حاجة، وأخواتى كلهم فقراء"، ولكنها قررت أن تُسمع "بوابة الأهرام" ما يجول في خاطرها، مشيرة إلى أنها تقطن فى بيت أختها المتزوجة، متخذة من غرفة المخزن مأوى وملحفا، قائلة: "باصرف على نفسى وأطبخ لنفسى على"كانون" علشان معنديش بوتاجاز، ولو تعبت مفيش حد هيشيلنى".

"ورثت عن والدي 15 ألف جنيه، واشتريت مع أخواتي البنات قطعة أرض"، قد يبدو ذلك نقطة نور في طريق أشبه بنفق مظلم طويل، ولكن بقعة النور تلك تتبدد، عندما احتاج إخواتها لأموال، أضطروا معها لبيع قطعة الأرض التي اشتروها، موضحة أن نصيبها من البيع صرفته على مرضها، وإجراء جراحة لإزالة المرارة، وعلاج آلام عظامها التي لا تهدأ، من مشقة العمل تارة، ومن وطأة السن تارة أخرى، مؤكدة: "يا دوب فلوس الشغل تكفي الأكل والعلاج".





إذن ما هي المشكلة التي أشارت إليها الحاجة سنية في بداية حديثها مع "بوابة الأهرام" ولم تعرفها إلا عندما تقدم بها العمر، لتجيب: "لا أتقاضى من الحكومة سوى 325 جنيها معاش المطلقات"، وعندما حاولت الحصول على معاش والدها فشلت؛ لأن اسمه محمد، وولكن اسمه فى شهادة ميلادها "على"، مؤكدة "حتى معاش تكافل وكرامة لا أصرفه".

يبدو أن وطأة الحديث عن ظروف معيشتها، وحياتها الشاقة أثارت مشاعرها، لتطلب -ربما للمرة الأولى- وهي تغالب دموعها "نفسى فى أوضة أبقى عارفة إنى هرجعلها أخر اليوم، بدل الشحططة بين بيوت أخواتي، وأحس إنى تقيلة عليهم، وياريت يكون فيها بوتاجاز أطبخ عليه".

قالت الحاجة "سنية" مطلبها، وغادرت تكفكف دموعها بيد، بينما تعمل بالأخرى في نشاط ودأب تعودت عليه منذ صغرها، متمتمة بكلمات مسموعة: "لغاية إمتى هاتتحملني أختى وجوزها؟"، و"يا ترى هلاقي اللي يسترني لما صحتي تخوني وما أقدرش أشتغل؟!".





[x]