استكمال قفزات النهضة التعليمية .. ضرورة ملحة

16-10-2020 | 11:53

 

لا يمكن إنكار الجهد الكبير من جانب وزارة التربية والتعليم فى سبيل إعادة بناء منظومة مستقبلية ومتطورة للتعليم ستكون الرافعة الأقوى والأهم والأكبر فى بناء مصر خلال العقود المقبلة.


ف التعليم الحديث بمفهومه الواسع هو أهم مواد بناء الأمم والحضارات ، لهذا كان تركيز الرئيس عبدالفتاح السيسي على متابعة العمل على تجاوز المنظومة القديمة المتهالكة، والمليئة بالثقوب والعيوب، والتى لا يمكن أن تقدم المهارات والقدرات التى ينبغى أن تتسلح بها الأجيال الجديدة ، على ضوء التطور التكنولوجي السريع، والسباق العالمى المحموم فى امتلاك المهارات التى تضمن سلامة واستقرار وبناء دولة كبيرة لها طموحات عظيمة مثل مصر، والتى تتناسب مع تاريخها وحضارتها وقدراتها وخبرات شعبها الذى قدم الكثير للبشرية وعانى من الكثير.

السرعة الهائلة فى إعادة بناء المنظومة الحديثة للتعليم دائما ما تكون محفوفة بالمخاطر والمشكلات، خاصة أننا اعتدنا طوال العقود الماضية طرقا تقليدية فى التعليم، لم تعد قابلة للاستمرار، ومخرجاتها واضحة للعيان، فالخريجون الجدد فى العقود الأخيرة يفتقرون للكثير من المهارات، بينما حققت دول صغيرة طفرات كبيرة وهائلة، وخصصت موازنات كبيرة لتحقيق هذا الطموح، وبناء تلك الرافعة الهائلة.

وكان علينا أن نجتاز تلك الفجوة الكبيرة بين إرث متراكم من الصعاب فى جميع مفردات العملية التعليمية، بدءا من المبنى الدراسى الذى لم يعد يحتمل تلك الكثافة العالية، إلى المناهج التقليدية المعتمدة على التلقين والحفظ وليس بناء المهارات والتعود على الابتكار والتفكير العلمى والنقدى واكتساب معلومات جديدة فى مختلف المجالات يمكن البناء عليها.

وكانت المشكلة الكبرى ومازالت هى توفير المعلمين الأكفاء والقضاء على آفة الدروس الخصوصية التى أرهقت معظم الأسر المصرية، وكان لها أضرار تفوق ذلك، أهمها أن المدرسة جرى إهمالها، فهى خالية من عملية تعليم حقيقية، ويكتفى فيها المعلم بعمل شكلى وتقليدى وسط تكدس وضوضاء ومكان غير صحى لا يحتمله التلميذ ويصيبه بالخمول والملل، بينما انتقل مركز ثقل العملية التعليمية إلى الدروس الخصوصية والسناتر، سواء فى قاعات وفصول كبيرة أو مجموعات صغيرة أو فردية حسب ظروف كل أسرة.

كما لدينا مشكلة أخرى فى تعدد مناهج وطرق التعليم ومحتواه، وأدى هذا الوضع السيئ إلى خروج التعليم عمليا عن سيطرة الدولة، واعتماده على الجهود الخاصة للأسرة وقدراتها المالية ويتبدد الوقت فى مراقبة ومتابعة عملية تعليم الأبناء ومستوى معلمى الدروس الخصوصية، ومدى الثقة فى المراكز أو القاعات السرية أو شبه العلنية التى انتشرت فيها المشكلات الناتجة عن ضعف الرقابة عليها.

وأمام مهمة شاقة وجديدة وواسعة تشمل نحو 55 ألف مدرسة، و22 مليون تلميذ، يتوزعون على مختلف محافظات ومدن وقرى مصر، فمن الطبيعى أن تواجه الدولة الكثير من المصاعب، خصوصا فى ظل الاعتياد على منظومة قديمة ترسخت مفرداتها فى الوجدان والوعى العام، فأصبح الناس أسرى الطريقة التقليدية والمناهج القديمة، ولم تعد المدرسة الحكومية تحظى بالحد الأدنى من الاهتمام، فأصبح تخريج أشباه أميين مشهدا طبيعيا ندفع ثمنه فى مختلف المجالات.

ورغم ما تحقق من خطوات مهمة فى المجال التقنى مثل بنك المعلومات وتوفير أجهزة التابلت، وتجاوز مشكلات استخدامها فى البداية، فهناك عدد من المهام الأخرى التى تحتاج إلى المزيد من الجهد والاهتمام، فى مقدمتها رفع كفاءة المعلمين، وزيادة أعدادهم والتقليل من ظاهرة العقود المؤقتة، لما لها من تأثير سلبى على أداء المعلم والجانب النفسى بسبب الشعور بعدم الاستقرار والاستمرار فى مهنة التعليم، وإعادة النظر فى أساليب إعداد المعلمين، ومنها توفير دورات تربوية لتخصصات جامعية فى شتى العلوم، ليحصل خريج كلية العلوم مثلا على دبلومة تربوية تتيح له العمل فى مجال التعليم، وستكون قدراته متميزة، ونقضى على النقص فى أعداد المعلمين، ونوقف إسناد أعمال إدارية للمعلمين، فهذا ليس تخصصهم، ويجب توفير كادر إدارى متخصص يرفع العبء عن المعلمين ويقدم خدمات إدارية أفضل.

فالنظرة إلى المعلم ومكانته ودخله تستحق أن تحظى بالأهمية التى تليق بالعملية التعليمية التى تعتمد على كفاءة المعلم، وليس فقط التجهيزات التقنية من أجهزة ومعامل ومبان مناسبة وغيرها من الأدوات، فلا خدمة تعليمية وافية بدون معلم مستوعب التطورات الواسعة، ومؤمن بدوره وأهمية صناعة الأجيال، وأن دوره لايقتصر فقط على التفسير والتيسير فى توصيل المعلومة، بل أن يعطى القدوة فى السلوك القويم والروح الوطنية والانتماء، وهو ما لا يمكن أن تقدمه التقنية أو التابلت، بل بالعكس يمكن إساءة استخدام تكنولوجيا الاتصالات فى مجالات تؤدى إلى الانحراف أو عدم اكتساب مهارات وتعليم حقيقي، لكن بإيمان المعلم ووعيه وحرصه على التطور فإنه سيمنح الطلاب الكثير، ولهذا فسيظل هو العمود الفقرى للعملية التعليمية مهما تطورت تقنياتها وأدواتها، وتطوير مهارات المعلم يأتى بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي، وبحث أفضل سبل تأهيل المعلمين، والتعليم المستمر، والاطلاع على التجارب العالمية والاستفادة من أفضلها وأنسبها للطالب المصري، بالإضافة إلى المزيد من تحسين رواتب المعلمين، خاصة مع العزوف عن الدروس الخصوصية التى كان يعتمد عليها المعلم.

وسوف تستفيد الأسرة المصرية التى كانت تنفق ما يتراوح بين 20 ألفا و50 ألف جنيه فى الدروس الخصوصية، فجزء من هذه المبالغ الطائلة التى كانت تدفعها الأسرة المصرية ستوفرها، وفى نفس الوقت سوف يحصل أبناؤها على تعليم أفضل وأكثر تطورا، فيجب ألا يصبح التعليم مجرد شهادة ورقية لا قيمة عملية لها، ولا تؤدى إلى تحسين الخدمات والإنتاج، فلا تقدم ولا نجاح إلا برافعة التعليم التى علينا أن نتعاون لاستكمال مشوار تطويرها، لتكون لدينا ثقة فى المستقبل واطمئنان على مصائر أبنائنا، فالتعليم هو سلاح المستقبل، والأداة الرئيسية لتحويل أحلامنا إلى حقيقة بالتقدم والرقى للصعود لمصاف الدول المتقدمة.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]