أزمة العقل الإسلامى الوضعى وليست أزمة الإسلام

15-10-2020 | 15:33

 

فى عام المابعديات والسيولة وعدم اليقين، وبدايات مرحلة ما بعد الإنسان، تطرح أسئلة وإشكاليات فلسفية ووجودية على العقل الفلسفى، والسياسى، والدينى حول مركزية الإنسان الفرد، والفردانية فى عالمنا، وحول الوجود الإنسانى ذاته، وفى علاقة الوضعى وميراثه، والميتاوضعى والدينى فى التراثات الدينية جميعها، لاسيما السماوية، فى ظل أسئلة ومشكلات الوجود فى ظل عالم الروبوتات، والذكاء الصناعى، وتداخل الرقمنة مع هذه التغيرات وتأثيرها على الحضور الإنسانى ذاته. هذه الأسئلة بالغة الأهمية والخطورة على تطور العقل الدينى ، والمواريث الفقهية والوعظية واللاهوتية السائدة فى عالمنا، وهذا لا يعنى أن هذه الأديان فى أزمة، وإنما العقل الدينى لاسيما التقليدى، الذى لا يزال يعيد إنتاج موروثه التاريخى الوضعي محمولا على أسئلة ومشكلات الماضى التاريخى، للمدارس الفقهية واللاهوتية فى العالم، لاسيما المشرق العربى. الانفصال التاريخى والموضوعى، بين العقل الدينى المسيطر، وبين الواقع الموضوعى الراهن والمستقبلي، تشكل أحد مصادر أزمة العقل و المؤسسات الدينية التقليدية، ورجال الدين التقليديين، ومرجع ذلك أولا: نظام التعليم والتكوين الدينى، ومناهجه، واعتماده على العنعنة ، والشروح على المتون الفقهية واللاهوتية التأسسية للمذاهب الدينية، الشروح على الشروح، بل وتدهور مستويات بعض الشروح من حيث اللغة والسرود والتحليل عن الأجيال السابقة من رجال الدين التقليديين الكبار، على الرغم من طابعهم المحافظ، إزاء بعض قضايا وأسئلة عصرهم، كانت بعض مؤلفاتهم ذات مستوى رصين من حيث المقاربة واللغة الرفيعة، والاستيعاب العميق للموروث، والسعى إلى حضوره فى الحياة، كأداة للتماسك الاجتماعى، ودفاعا عن تصوراتهم للهوية الدينية، كإطار جامع للهوية الوطنية. نظام التعليم وارتكازه على الحفظ والتكرار أدى إلى تكريس الجمود الفقهى والوعظى، كما يتجلى في غالب الخطابات الدينية المسيطرة.


كرست الدول والأنظمة السياسية الشمولية والتسلطية منذ الاستقلال تأميم المجال الدينى مع المجال العام السياسى، و السيطرة على المؤسسات الدينية الرسمية، على نحو أدى إلى خضوعها للسلطات السياسية الحاكمة،

ارتكزت استراتيجيات الجماعات الإسلامية السياسية والسلفية على الدمج بين العمل الدعوى والخدمى، للتغلغل وتجنيد العناصر من الشباب، ثم العمل على الدعوة داخل الجامعات، ولاسيما الكليات العملية، ثم التحرك وسط المعلمين والمعلمات، نقلا عن استراتيجية الجهاد الأكبر لحسن الترابى فى السودان.

هذا التيار العارم، أدى إلى ظهور تنظيم القاعدة، و تجنيد الكوادر من بعض العاطلين وغيرهم للذهاب إلى مراكز التدريب فى بيشاور بباكستان للقتال فى أفغانستان ضد القوات السوفيتية آنذاك، بدعم وتمويل من هذه الدول والولايات المتحدة، وهى حالة أدت فى ظل الانسداد السياسى والتاريخى لهذه الأنظمة الشمولية والتسلطية إلى انخراط بعض أبناء الطبقات العليا، والمتوسطة فى بعض دول الخليج، ومصر إلى القاعدة، وتطويرها تنظيميا، وشبكيا، على نحو أدى إلى مساوقة العقل الإسلامى الراديكالى للعقل التقني، ووصوله الي ذروة الخيال الإرهابى، ومسلحا بأدوات التفكير والمقاربات التقنية والتخطيط والخيال العملى علي نحو ادي إلى التطور المتنامي من عمليات إرهابية فى مواقع حساسة وغير متوقعة استخباراتيا وأمنيا، فى أفريقيا، وتوجت بالعمل الإرهابى الضخم فى تدمير أيقونات القوة الرمزية الأمريكية فى أحداث 11 سبتمبر لبرجى التجارة. نظرية العدو البعيد، وانخراط بعض ابناء الجيل الثالث والرابع فى الحركة الإسلامية الراديكالية، شكل عامل جذب لعناصر جديدة متعلمة إلى دوائر المنظمات الإسلامية السياسية الراديكالية، ثم نشأ تنظيم الدولة الإسلامية بعد الفوضى فى سوريا والعراق، وبدعم من دول نفطية عربية، وتوظيف سياسى أمريكى إلى أن تصادمت مع داعش فى العراق وسوريا. هذه البيئة التكوينية والعملياتية للسلفيات السياسية الراديكالية هى نتاج لكسر هذه الجماعات احتكار السلطات و المؤسسات الدينية والسياسية للإسلام وتوظيفاته السياسية، على نحو أدى إلى تمدد العقل السلفى الراديكالى تحت راية الجهاد!.

أسهم العقل السياسى السلطوى، ومؤسساته الدينية، في بروز أزمة كبرى للعقل الإسلامى من خلال سياسات دينية فى العالم العربى ، تغطى على القيود والقمع السياسى وإغلاق المجال العام بتوظيف الدين وجماعاته، وعلي رأسها الجماعات السياسية الإسلامية كجماعة الإخوان، ثم الصراع معها، وتوظيف الجماعات السلفية لصالحها كما فى حالة تونس تحت حكم الجنرال زين العابدين بن على، على نحو أدى إلى تمدد السلفية السياسية الراديكالية فى نهايات عهده، ثم تحول بعضها إلى جزء من تكوين تنظيم جماعة النهضة التونسية، التى فشلت ومعها النخبة السياسية فى إدارة مراحل الانتقال السياسى بعد انتفاضة نوفمبر 2011. الأزمة ليست فى الإسلام يا سيد ماكرون وخطابك الذى يغازل اليمين المتطرف واليمين قبل الانتخابات الرئاسية القادمة بعد فشلك فى إدارة أزمة كورونا، وضرائب القيمة المضافة، وقانون المعاشات، وإنما فى توظيفات إدارتكم التى دعمت النهضة فى تونس ما بعد بن على، وكانت نتائجها فشلا سياسيا واقتصاديا، وعسر الحياة للأغلبية الشعبية فى وسط وجنوب تونس.

(وللحديث بقية).


نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

[x]