ما بعد السلام مع طالبان

12-10-2020 | 13:03

 

في فبراير الماضي وقعت الولايات المتحدة و حركة طالبان أفغانستان اتفاق سلام، أسس لانطلاق مباحثات سلام بينها وبين الحكومة الأفغانية ، يمكن أن تنتهي بتوقيع اتفاق سلام مماثل.


لا يمكن إنكار حق المجتمع الأفغاني والدولة الأفغانية في تحقيق سلام مستدام، لكن هذا لا ينفي أن هذه التحولات تثير تساؤلات شديدة الأهمية، خاصة إذا تبين لاحقًا أن عملية "السلام" الجارية ليست سوى جزء من " إعادة هندسة مصطنعة " لملف مهم، مدفوعة باعتبارات وحسابات داخلية لقوى دولية بعينها، فضلا عن التداعيات الإستراتيجية المهمة لهذا التحول على إقليم جنوب آسيا ، وربما على التوازنات العالمية في ظل سعي صيني إلى ربط أفغانستان بـ" ممر الصين باكستان ".

بصرف النظر عن الدوافع التي وقفت وراء قرار الأطراف الثلاث ( الولايات المتحدة ، الحكومة الأفغانية ، طالبان) للقبول بفكرة الحوار والتفاوض، سيظل هناك بعد قيمي لا يمكن إغفاله لقبول الولايات المتحدة بفكرة الحوار من حيث المبدأ مع تنظيم تم تصنيفه -ولايزال- على قائمة التنظيمات الإرهابية.

ورغم أن تاريخ الصراعات الدولية حافل بالعديد من السوابق التي اضطرت فيها قوى دولية للجلوس على مائدة المفاوضات مع قوى داخلية لكن الحوار مع طالبان أفغانستان يكتسب خصوصية، بالنظر إلى طبيعة الحركة المدرجة على قائمة التنظيمات الإرهابية منذ عام 2001 وحتى الآن.

توقيع اتفاقات سلام مع الحركة سوف يستتبعه عدد من الامتيازات و التنازلات الأمريكية والأفغانية للحركة ، بدءًا من رفع اسم الحركة وقياداتها من على قوائم الإرهاب، بما يتضمنه ذلك من تمتع طالبان وقياداتها بحرية الحركة والتنقل على المستوى الدولي، وانتهاء بإفساح المجال أمام الحركة لبناء نظام "ديني" جديد في أفغانستان.

اكتمال عملية السلام مع طالبان بتداعياتها تلك سيُرتب عددًا من التكاليف السياسية والأخلاقية.

التكلفة الأولى، تتعلق ببناء نموذج قابل للمحاكاة من جانب تنظيمات دينية عنيفة أخرى في العالم، خبرة الصراع بين طالبان و الولايات المتحدة في أفغانستان لأكثر من ثمانية عشر عامًا وانتهائها بنجاح الحركة في إجبار الولايات المتحدة -القوة العسكرية الأولى داخل النظام العالمي- على الجلوس على مائدة المفاوضات يكرس نتيجة مهمة بالنسبة لباقي التنظيمات الدينية العنيفة.

مفاد هذه الخبرة أن العنف و" العمليات الإرهابية " هما الوسيلة الأهم والأكثر فعالية لتحقيق الغايات السياسية، وذلك بصرف النظر عن مدة الصراع، أو فجوة القوة بين التنظيم والقوى الدولية والإقليمية، ولن تقتصر محاولات المحاكاة تلك على حالة الصراعات الجارية مع قوى خارجية، لكنها قد تطال صراعات داخلية أيضا، هذه الخبرة لاشك ستكون حاضرة لدى تنظيمات مثل حزب الله في لبنان، أو جماعة أنصار الله في اليمن (الحوثيون) أو طالبان باكستان..إلخ.

التكلفة السياسية الثانية، تتعلق بتكريس حالة الغموض التي لازالت تكتنف مفهوم "الإرهاب" و"التنظيم الإرهابي"؛ ففي الوقت الذي تمسكت فيه الولايات المتحدة برفض فكرة الحوار مع طالبان لفترة طويلة، عادت الآن لتقبل ببديل الحوار المباشر مع الحركة، بل وتعيين مبعوث أمريكي خاص بتلك العملية.

مثل هذا التحول البرجماتي الأمريكي سينال بالتأكيد من حقيقة وجود مبادئ حاكمة وواضحة لماهية "الإرهاب" و"التنظيمات الإرهابية"، ومعايير تصنيف الجماعات الإرهابية، وشروط الحوار والسلام مع مثل هذه التنظيمات.. إلخ.

التكلفة السياسية الثالثة، تتعلق بتداعيات الحوار مع طالبان على "مصداقية" الحرب على الإرهاب، فقد ثار عقب أحداث سبتمبر 2001 جدل عالمي حول المدخل الأمثل للحرب على الإرهاب، وراج اتجاه في أدبيات العلاقات الدولية يربط بين انتشار ظاهرة التطرف والتنظيمات الإرهابية، من ناحية، وظاهرة "الدولة الفاشلة"، من ناحية أخرى، في هذا الإطار، قادت الولايات المتحدة مشروعًا دوليًا في أفغانستان، بدأ بإزاحة نظام طالبان عسكريًا، ومحاولة القضاء عليها وعلى تنظيم القاعدة، وبناء نموذج سياسي مغاير بقيادة نخبة سياسية مدنية، كما ظلت طالبان على قوائم التنظيمات الإرهابية، الحوار مع طالبان -وما سيستتبع ذلك من احتمال رفع اسم الحركة ورموزها وقياداتها من قوائم الإرهاب، وما سيستتبع ذلك أيضًا من انفتاح دولي على الحركة حالة عودتها إلى الحكم -وهو احتمال وارد بشكل كبير- سيمثل "طعنه" في مصداقية الحرب على الإرهاب وإحدى أدواتها التي تم استحداثها عقب سبتمبر 2001، وهو إعادة بناء الدول الفاشلة.

هذا الاستنتاج يتأكد في ظل الترتيب المتأخر الذي لازالت تحتله أفغانستان، سواء على مؤشري الدول الفاشلة والهشة، أو الديمقراطية منذ عام 2002، وفي ظل تواضع النتائج السياسية والاقتصادية المتحققة في أفغانستان حتى الآن.

عودة طالبان إلى السلطة سيثير قائمة أوسع من التساؤلات والتحديات، على المجتمع الدولي الاستعداد لها، منها هل العالم على استعداد للتعامل مع نظام ديني جديد في جنوب آسيا يقع على حدود دول كبرى، وفي قلب منطقة يقع أغلبها ضمن فئة الدول الهشة؟ هل اطمأن العالم أن تغيرات جوهرية قد طرأت بالفعل على الحركة؟ كتابات عدة تحدثت عن "طبعة ثانية" من الحركة بالمقارنة بطبعة ما قبل 2001، لكن ليس هناك ما يؤكد ذلك بالفعل.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

مقالات اخري للكاتب

زياد عقل

العلاقة بين الباحث في العلوم الاجتماعية والظواهر الاجتماعية تأخذ ثلاثة أنماط مختلفة:

حرب باردة جديدة

منذ أن بدأت حالة الاستقطاب الراهنة بين الولايات المتحدة والصين، والتي تسارعت وتيرتها عقب بدء جائحة كوفيد-19، بدأ معها سيل من الكتابات حول دخول النظام العالمى

أزمة الإعلام المصري .. مسئولية من؟

أزمة الإعلام المصري .. مسئولية من؟

من يتولى توفير السلع العامة داخل النظام العالمي؟

النظام العالمى شأنه شأن الأنظمة الاقتصادية الوطنية؛ هناك سلع عامة لابد من اضطلاع طرف بإنتاجها وتوفيرها كشرط رئيسى لبقاء النظام وعمله بفعالية.

العقيدة السياسية للسيسي

العقيدة السياسية للسيسي

المؤسسية الدولية في مفترق طرق

التحولات العالمية الكبرى دائما ما تفرض على منظري العلاقات الدولية تساؤلات جوهرية تشغل حيزا ضخما من الاهتمام لحين الوصول إلى إجابات مُرضِية لها. فقد انشغل

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]