بولتون وكيسنجر والصين واليابان

12-10-2020 | 00:05

 

منذ أيام قليلة، قرأت تصريحًا منسوبًا لمستشار الأمن الأمريكي السابق، جون بولتون ، يتحدث فيه عن إمكان لجوء الرئيس دونالد ترامب إلى تغيير سياساته تجاه الصين ، 180 درجة في حال أعيد انتخابه.

 
هذا التصريح ذكرني بوقائع مؤتمر صحفي للسيد بولتون، حضرته بصفتي مراسلا لـ"الأهرام" في العاصمة اليابانية طوكيو ، بمقر السفارة الأمريكية، في صباح يوم 23 يوليو عام 2004، وكان بولتون - وقتها - يشغل منصب مساعد وزير الخارجية لشئون الأمن ونزع الأسلحة، وكان مشهودًا له بالتطرف الشديد في مواقفه.
 
أذكر أنني توجهت بسؤالين للسيد بولتون انصبا على مجريات محادثات سداسية دولية كانت تنظم بقوة - وتوقفت بكل أسف - بخصوص إخلاء شبه الجزيرة الكورية من السلاح النووي وتحقيق الأمن والاستقرار في هذه المنطقة الملتهبة من العالم.
 
الدبلوماسية الأمريكية كانت في قمة نشاطها في يوليو 2004، لتحقيق إنجازات خارجية ملموسة في عدد من الملفات، وعلى رأسها، ثلاث، تحت عنوان محور الشر هي: حكومات كوريا الشمالية وإيران والعراق، لتوظيف نتائجها ضمن الحملة الانتخابية التي كان يخوضها الرئيس جورج بوش ، للفوز بدورة رئاسية ثانية.
 
ما أشبه الليلة بالبارحة، فنحن على أعتاب انتخابات رئاسية أمريكية جديدة ، يتطلع الرئيس دونالد ترامب للفوز بها، بأي ثمن، حتى ولو وجه كل سهامه الفتاكة إلى محور شر جديد ووحيد - من وجهة نظره طبعًا - ألا وهي الصين .
 
من المؤكد أن السيد جون بولتون ، كان في وقت من الأوقات هو الأقرب إلى قلب وعقل الرئيس ترامب، ليس - فقط - للتشابه في مواقفهما السياسية المتطرفة والمتشددة، إلى حد يمكن وصفه بالجموح، ولكن - أيضا - بحكم تمرسه الدبلوماسي والمهني بالخارجية، وكمندوب دائم لأمريكا في منظمة الأمم المتحدة بنيويورك.
 
لذلك فقد أخذت التصريح المنسوب للسيد بولتون يوم الثلاثاء الماضي على محمل الجد، وهو يرد على سؤال حول رأيه بشأن مستقبل العلاقات بين واشنطن وبكين في حال فوز ترامب في انتخابات 3 نوفمبر المقبل، بقوله نصًا:
 
"أعتقد أن ترامب يمكن أن يغير سياسته 180 درجة، خلال الأشهر الستة الماضية انتهج ترامب سياسات عدائية تجاه الصين شملت: فرض العقوبات والتعريفات الجمركية وإغلاق القنصليات الصين ية، لكن إذا فاز، قد يهاتفه في اليوم التالي الرئيس الصين ي شي جين بينج، ليقترح العودة إلى المفاوضات حول الصفقة التجارية، ويمكن لـ ترامب أن يقول بسهولة: "أنت على حق".. وقد يؤدي الأمر إلى رفع العقوبات وإزالة الحواجز التجارية واستئناف عمل القنصليات"!!
 
في مقال منشور بـ"بوابة الأهرام" في يوم 14 سبتمبر الماضي، نقلت تحليلًا لأحد الخبراء السياسيين اليابانيين المرموقين، البروفيسور ساهاشي ريو، وجه فيه إصبع الاتهام مباشرة لواشنطن بأنها كانت البادئة في تدهور العلاقة مع بكين، وقوله نصًا: "تبدلت سياسات واشنطن تجاه الصين بشكل ملحوظ في عام 2018، ونرى مؤشرات ذلك حتى قبلها، كما ظهر في الذكر المتكرر للصين على أنها منافس في إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الصادرة في ديسمبر 2017".
 
أمام هذه المعضلة أو المواجهة غير المستحبة بين واشنطن وبكين، التي تسببت في حبكتها الإدارة الأمريكية، ماذا يرى ثعلب الدبلوماسية الأمريكية، هنري كيسنجر، وهو يحذر من بوادر حرب عالمية جديدة، لا قدر الله؟
 
رأى كيسنجر أن الوقت قد حان لتدرك الولايات المتحدة المتغيرات في العالم الحديث، وهي أمور لفت إلى أنها معقدة للغاية، بحيث لا يمكن لدولة واحدة أن تستمر في الحفاظ على هيمنتها؛ سواء في الاقتصاد أو في المجال الإستراتيجي.
 
قال كيسنجر: حتى لا نرى أنفسنا في وضع مشابه للحرب العالمية الأولى، يجب أن ترسم واشنطن وبكين حدود المواجهة، مؤكدًا أن الصراع بين الولايات المتحدة و الصين كان بسبب ظهور تقنيات جديدة غيرت المشهد الجيوسياسي، ووصف النزاع الراهن بين البلدين يمكن أن يسمى حربًا باردة جديدة.
 
من جانبها، الصين تتعامل مع الإجراءات العدائية الأمريكية الأخيرة بكل هدوء واتزان، مؤكدة أنها ليست مرتاحة ولا مؤيدة ولا مرحبة بما يتردد عن إمكان نشوب حرب باردة جديدة، أو تحت أي مسمى، وليس لديها طموح في السعي نحو الهيمنة، ناهيك عن أن تحل محل الولايات المتحدة، ومع ذلك ستعمل بكين بحزم على حماية سيادتها وأمنها ومصالحها التنموية.
 
ردًا على ما وصفه بحملة لنشر الشائعات بخصوص مسئولية الصين عن نشر مرض كورونا الجديد، وإثارة مواجهة لغرض يتعلق بسياسة الولايات المتحدة الداخلية، أكد داي بينج، نائب المندوب الصين ي الدائم لدى الأمم المتحدة: "إنه من غير المجدي وغير المسئول تشويه سمعة الصين ، وإلقاء اللوم عليها في جائحة (كوفيد- 19)، قائلًا: "لقد احتوت الصين المرض بينما في الولايات المتحدة تجاوز عدد الحالات المؤكدة 7 ملايين، وفي الأيام الأخيرة، ثبتت إصابة عشرات الأشخاص في البيت الأبيض، ومع وفاة 210 آلاف شخص بسبب المرض، فإن الحكومة الأمريكية تدين لشعبها بتفسير احتضان البلاد لأكبر عدد من الحالات المؤكدة والوفيات في العالم".
 
أعود ثانية إلى طوكيو في محاولة فهم وتفسير مهام التكتل الإستراتيجي، غير الرسمي، للولايات المتحدة وأستراليا والهند واليابان، الذي جرى تداول عناوينه في أثناء اجتماع وزراء خارجية الدول الأربع الأسبوع الماضي، وطبقًا لتصريح وزير الخارجية الياباني، توشيميتسو موتيجي: "تتفق الدول الأربع في هدف تعزيز النظام الدولي القائم على القواعد، وأن رؤية إبقاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ حرة ومفتوحة ستلعب دورًا رئيسيًا في تحقيق ذلك الهدف"، وأكد أهمية تضافر جهود الكثير من الدول في هذا الاتجاه.
 
إذا استبعدنا التصريحات العدائية للصين، التي أطلقها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، على هامش حضوره للاجتماع، فإن ما صدر عن الرباعي، في رأيي، جاء هادئًا، بشكل عام، ولعله ينسجم مع نداءات هنري كيسنجر بضرورة عدم التصعيد مع الصين ، لغرض يتعلق بالسياسات الداخلية للولايات المتحدة، وكذلك يتوافق مع تنبؤات جون بولتون بإمكان تغيير سياسة ترامب تجاه الصين 180 درجة في حالة أعيد انتخابه.
 
kgaballa@ahram.org.eg

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

مقالات اخري للكاتب

فيتنام تقود أكبر تكتل للتجارة الحرة

فيتنام تقود أكبر تكتل للتجارة الحرة

"زيزو" نجم اللغة الصينية في بكين

"زيزو" نجم اللغة الصينية في بكين

حسن علام في مزار شريف

كل فروض وواجبات التعازي والمواساة للأشقاء في أفغانستان، نتيجة للحادث الإرهابي الإجرامي، الذي أودى بأرواح 22 شخصًا وجرح نحو 27 آخرين، معظمهم من طلبة وطالبات جامعة كابول، في مجزرة بشعة، نفذها- بدم بارد- 3 من مسلحي حركة طالبان أو من أتباعها المنتمين لتنظيمات القاعدة وحقاني وداعش.

النموذج الأمثل لنصرة الفقراء

في مثل هذا التوقيت منذ سبع سنوات زرت بنجلادش بدعوة من أكبر الصحف اليومية وأكثرها انتشارًا، "بروثوم آلو"، وحظيت بمقابلة حصرية مع البروفيسور محمد يونس، الفائز بـجائزة نوبل للسلام عام 2006، صاحب لقب نصير الفقراء.

لعنة ترامب تلحق بقمة سول الثلاثية

زرت كوريا الجنوبية، وكذلك المنطقة منزوعة السلاح مع جارتها الشمالية، في قرية "بانمونجوم" ثلاث مرات، في أثناء إقامتي مراسلا للأهرام بالعاصمة اليابانية، طوكيو، وكذلك بعد انتهاء المهمة والعودة للقاهرة.

حقوق الإنسان في عهدة كوبا والصين

حقوق الإنسان في عهدة كوبا والصين

"سوجا" مرآة لعصر جديد في اليابان

في مقالي قبل الأخير، أشرت إلى التكريم المصري المستحق الذي ناله رئيس حكومة اليابان السابق، شينزو آبي، بإطلاق اسمه على المرحلة الثالثة الجديدة من مجمع الجامعة

الرئيس المؤسس للجامعة اليابانية .. شهادة للتاريخ

رضوخا لاحتياطيات الحجر الصحي، ونتيجة لجائحة كورونا، نقلت مقر إقامتي، طوعا، منذ أبريل الماضي، لبيت ساحلي على بعد كيلومترات محدودة، من مقر الجامعة المصرية- اليابانية للعلوم والتكنولوجية E-JUST بمدينة برج العرب.

هل يعود آبي لرئاسة حكومة اليابان؟

سنا فعلت مصر عندما وجه الرئيس عبدالفتاح السيسي بتكريم وإطلاق اسم رئيس حكومة اليابان السابق، شينزو آبي، على المرحلة الثالثة الجديدة من مجمع الجامعة المصرية- اليابانية للعلوم والتكنولوجيا ببرج العرب، وإطلاق اسم آبى - كذلك - على أحد المحاور المرورية الجديدة بشرق القاهرة.

أبعاد التصعيد الأمريكي ضد الصين

في محاولة للفهم، من وجهات نظر قد تبدو محايدة، أعرض لمقتطفات من رأيين متعارضين نشرهما في جزأين الموقع الإلكتروني الياباني "نيبون دوت كوم"، بعنوان: "مفترق

إطلالة على مسار العائلة المقدسة

في يوم 23 نوفمبر الماضي، لبيت دعوة كريمة، كنت أتوق إليها منذ وقت طويل، لزيارة واحدة من أهم المناطق الروحية المحببة للمصريين عموما، وللأشقاء من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية خصوصا، وهي نفسها إحدى العلامات المضيئة لمسار العائلة المقدسة، التي تستهدف جذب 2.3 مليون حاج مسيحي سنويا.

حصاد وافر وسخي لفيتنام في عيدها الماسي

مناسبتان أنتظرهما بفارغ الصبر كل عام لرصد نهضة جمهورية فيتنام الاشتراكية، أولاهما: تتعلق بحلول الذكرى السنوية لإقامة العلاقات الرسمية والثنائية بين مصر وهذه الدولة الآسيوية الفتية، والثانية: الاحتفال بيوم عيدها الوطني وتقديم ما يمكن وصفه بكشف حساب شامل وحصري لمظاهر وأسباب نموها المتسارع والمدهش.

مادة إعلانية

[x]