فن تدوير النفايات في العالم

11-10-2020 | 00:43

 

أصبحت مشكلة النفايات أو القمامة مصدرًا للربح والتجارة العالمية ومجالا واسعا للتصدير والاستيراد، مما يؤكد أنها أصبحت مربحة جدا لدرجة قيام دول كبرى مثل الصين باستيراد المخلفات وشرائها من دول أخرى لتصنيعها محليا ومن ثم تصديرها كمنتجات وهي تشمل كل أنواع المخلفات التي زادت بشكل خطير مع سرعة التقدم الصناعي وعدم التمكن من التخلص منها؛ مما أدى لزيادة وتراكم المخلفات بشكل خطير يهدد الصحة العامة ، خاصة أن جزءًا كبيرًا من هذه المخلفات يتم التخلص منها بشكل غير صحي، حيث كثير من المخلفات السائلة مثل مخلفات المصانع أو الصرف الصحي تنتهي في كثير من الدول إلى البحار أو الأنهار وبعضها يتم حرقه ويلوث الهواء.


وفى النهاية نلوث البيئة بشكل خطير وكل ذلك ينعكس سلبيًا على الإنسان والنبات والحيوان والبيئة بوجه عام؛ حيث تزيد معدلات الإصابة بكثير من الأمراض بداية من أمراض الجهاز التنفسي إلى أمراض الكبد والفشل الكلوي وغيرها من الأمراض تبعا لنوع ودرجة التعرض للتلوث كما يترتب على ذلك تلوث المياه و الأمطار الحمضية مع تلوث الهواء مما ينعكس على تلوث النبات والزراعة التي يتغذى عليها الإنسان والحيوان وينتج عن هذه المخلفات ظاهرة الاحتباس الحراري بجانب التغيرات المناخية الخطيرة وتدهور الإنتاج الزراعي وفقدان كثير من الأراضي الزراعية.

ولكل ما سبق اتجه العالم إلى إستراتيجية إعادة تدوير المخلفات وأصبحت صناعة مربحة ومبشرة حيث تعتمد على فرز المخلفات تقسيمها، حيث تجمع مخلفات الزجاج في مجموعة وأخرى لمخلفات الورق والكرتون وثالثة لمخلفات الحديد والسيارات ورابعة لإطارات السيارات وخامسة للأقمشة وسادسة للبلاستيكية وسابعة للإلكترونيات والموبيلات وهكذا ومعظم هذه المخلفات يعاد استخدامها لإنتاج مواد جديدة بجانب تحويل المنتجات العضوية إلى غاز حيوي، وأيضًا هناك مشروع البيوجاز للتخلص من مخلفات الإنسان والنبات والحيوان لإنتاج غاز يضيء المنازل ثم توفير سماد طبيعي للزراعة.

ويتبقى بعض المخلفات لا تتحلل اولا يعاد تدويرها بسهولة مثل البلاستيك فيتم دفن معظمها بطريقة صحية في كثير من الأحيان وبعضها تتم إعادة تدويره بتكلفة أعلى ولذلك ترفض معظم الدول استيراد نفايات البلاستيك مما أدى لتوقف الصين عن استيراد المخلفات حيث تكرر وضع البلاستيك في المخلفات رغم شروط الاتفاقيات على استبعاده وهناك تجارب دولية ناجحة في مقدمتها تجربة المانيا فهي رائدة استكشاف (كنز النفايات)؛ حيث فرضت قوانين حازمة تحظر رمى المخلفات بطريقة عشوائية ومنع إنشاء مقالب للقمامة مع توفير أماكن محددة لجمع كل نوع من المخلفات.

وهناك عقوبات مالية كبيرة لمن لا يلتزم ويوجد أكثر من مائة مصنع لإعادة استخدام المخلفات نجحت في إعادة تدوير نحو 70% من نفايات ألمانيا بل وتحويلها الى مكاسب مالية ضخمة بالإضافة للحفاظ على البيئة وصحة الشعب والمظهر الحضاري للدولة مما ينعكس إيجابيًا على السياحة ويعمل في هذا القطاع أكثر من 300 ألف شخص ويحقق إيرادات تجاوزت 38 مليار يورو سنويا ويشمل ذلك مخلفات البناء والصرف وإعادة تدوير مياه الصرف والهواتف المحمولة القديمة ثم ساهمت ألمانيا بقوة في نقل تجربتها للاتحاد الأوربي، حيث أثبتت للعالم أن إعادة تدوير المخلفات منجم ذهب لا ينضب وتوفر الحكومة في فناء كل منزل الآتي:

أكياس صفراء لجمع المخلفات خفيفة الوزن مثل الأكياس وأكواب العصائر والبلاستيك ثم الاكياس الخضراء وتضم الورق والصحف والعبوات الكرتونية ثم الأكياس البنية وتضم كل مخلفات وبقايا الطعام وأوراق النبات ثم الأكياس السوداء وتضم الحفاضات والملابس غير النظيفة والأدوات المعدنية والسجائر.

ثم ننتقل للتجربة الصينية حيث تعتمد لحد كبير على القوانين الصارمة والغرامات المرتفعة حيث يحدد أولا ساعات محددة لوضعها في الصناديق العامة أمام الجميع من خلال تقسيمها إلى أربعة أنواع من النفايات ومن لا يلتزم بذلك يدفع غرامة نحو 30 دولارًا، وهناك غرامات أشد لمن يترك أي مخلفات في الشارع حتى ولو علبة سجاير ونظرًا لانخفاض سعر العمالة في الصين حققت مكاسب مالية ضخمة فبدأت في استيراد النفايات لمكاسبها الضخمة ثم اضطرت لوقف الاستيراد لأن معظم المخلفات كانت من البلاستيك الصعب إعادة تدوير وهناك نحو 600 مصنع.

وهناك أيضًا التجربة الإسرائيلية في هذا المجال التي تضيف مبدأ مهمًا، وهو أن المتسبب في التلوث هو الذي يدفع ثمن التدوير أو يقوم هو به، بمعنى أن إعادة التدوير مسئولية المنتج، فمثلا شركة المشروبات الغذائية مسئولة عن لم الفوارغ أو دفع ثمن إعادة التدوير للدولة، وكذلك جميع الشركات الأخرى لأي منتج، حيث تدفع كل شركة مبلغًا معينًا من المال مقدمًا بناء على كمية منتجها، وهذا القانون يسري منذ عام 1999 وتأخذ به أمريكا وبعض الدول الأخرى، وبوجه عام تأتي ألمانيا أفضل دولة في التخلص من النفايات بإعادة التدوير وبعدها النمسا ثم كوريا الجنوبية.

وفي الختام نأتي إلى مصر حيث تشير التقديرات إلى أن حجم المخلفات يصل إلى نحو 22 مليون طن سنويًا وأن مصر نجحت في تدوير نحو 15%منها وهي بداية يجب أن تدعم بالتجارب الدولية العديدة في هذا المجال، خاصة التجربة الألمانية مع الاستفادة من نظام العقوبات في الصين، وتحميل المنتج ثمن تكلفة التدوير في إسرائيل، بجانب التجارب الأخرى في هذا المجال المربح اقتصاديًا وصحيًا وبيئيًا.. والله الموفق.

مقالات اخري للكاتب

الزمالك 3 والأهلي 3 .. نتيجة تدعو للقلق

الزمالك 3 والأهلي 3 نتيجة تدعو للقلق

الدين والسياسة والشيوعية (2)

انتهى المقال السابق إلى أن استغلال الدين لأغراض سياسية صناعة غربية وماسونية المنبع، وللأسف شارك في صنعها أو على الأقل استوردها بعض المسئولين العرب باعترافهم

الدين والسياسة صناعة غربية المنشأ (1)

الدين والسياسة صناعة غربية المنشأ (1)

التعليم عن بعد فرصة لتصديره بلا قيود

كانت كورونا فرصة وضرورة لنشر التعليم بوجه عام عن بعد، من خلال المنصات التعليمية المختلفة، والآن وبعد أن اضطرت معظم دول العالم للاعتماد على التعليم عن بعد،

الماء والسياسة وتدمير سد النهضة

الماء والسياسة وتدمير سد النهضة

عشوائيات المحليات

تبذل الحكومة جهدًا محمودًا في إعادة رصف الطرق بمختلف مناطق الوطن، مع صيانة وتجديد المرافق الأساسية مثل الكهرباء والماء والصرف، وهذا جانب إيجابي يحسب للحكومة.

جرائم البلطجة والتحرش.. مواجهة عصرية وتشريعية جديدة

جرائم البلطجة والتحرش. مواجهة عصرية وتشريعية جديدة

البلاستيك خطر ويجب حظره

في مطلع عام 2018 ذكر تقرير للأمم المتحدة عن حالة البلاستيك في العالم أن هناك أكثر من 60 دولة في العالم اتخذت قرارات حاسمة بحظر استخدام البلاستيك كليا أو

الطاقة الشمسية ضرورة للحاضر والمستقبل

الطاقة الشمسية طاقة طبيعية نظيفة متجددة اقتصادية على المدى البعيد، وانخفضت تكلفة استخدامها فى معظم دول العالم لقيام الدول بتشجيع استخدامها والمساعدة على

الريف المصري قاطرة التنمية في مصر عبر العصور

منذ فجر التاريخ، مصر أرض الخير والخيرات؛ حيث اختصها المولى الكريم بكثير من نعمه وكرمه بشكل واضح في جميع كتبه السماوية؛ حيث يقول المولى الكريم (وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) الزخرف 51 .

العشوائيات في الريف المصري وممر التنمية (4)

تزداد خطورة وتداعيات مشكلة العشوائيات في الريف المصري؛ حيث لا تقتصر التداعيات على عشوائيات المدينة المتنوعة، ولكن عشوائيات الريف تعني البناء على الأراضي الزراعية، وبذلك تفقد مصر أهم ثرواتها على الإطلاق وهى تربتها الخصبة التي تكونت من نهر النيل عبر آلاف السنوات.

العشوائيات والمساكن المغلقة

بداية هناك أكثر من قانون للمساكن يرتبط بهذه المشكلة، ويجب التفرقة بين كل منها، ونبدأ بقانون المرحلة الناصرية، الذي بموجبه تدخلت الدولة بشكل تعسفي وخفضت

[x]