أزمة الدين الإسلامى أم أزمة الاندماج الداخلى فى فرنسا؟

8-10-2020 | 16:11

 

هل الدين الإسلام ى فى أزمة كونية على نحو ما طرح ماكرون الرئيس الفرنسى فى خطاب له مؤخرا؟ لماذا يتردد بين الحين والآخر خطاب الأزمة حول الإسلام ، والأقليات التى تنتمى إليه فى أوروبا ؟ لماذا الخلط الخطابى والاصطلاحى بين الديانة الإسلام ية، والجماعات الإسلام ية السياسية الراديكالية قبل وبعد الحادى عشر من سبتمبر، وتدمير أيقونات القوة الكونية للولايات المتحدة، خاصة بعد تداعيات هذا الحادث الإرهابى الجلل؟


النصوص المقدسة وطقوسها تشكلت حولها مؤسسات وسلطات دينية - وطبقات من رجال الدين - تحولت إلى حارسة لهذه المعتقدات والإيمانات، من خلال احتكار سلطة التفسير والتأويل الدينى، وارتبطت هذه الطبقات الدينية تاريخيا بالسلطات السياسية الحاكمة في عصور وراء أخري داعمة لها، ومبررة لسلوكياتها ومصالحها ومطامحها السياسية، والسؤال التاريخى هل المسيحية كديانة و عقيدة ولاهوت هى التى حرضت وتحركت وأعلنت الحروب الصليبية؟ الإجابة لا، لكن هناك من يوظفون النصوص الدينية المقدسة، واللاهوت، والفقه فى تحريك وتبرير دوافع السلوك العدوانى والحروب باسم الأديان.

هذا الخلط بين الإسلام العظيم - الديانة والعقيدة والقيم، - وبين بعض الممارسات السياسية الراديكالية ليس جديدا، وإنما جزء من استدعاءات لسرديات تاريخية سادت فى العصور الوسطى حول الإسلام ، وتشكل جزءاً من بعض الذاكرات الدينية فى الغرب، وبعض المقاربات التاريخية حول الديانة الإسلام ية وتستدعى فى بعض دراسات مقارنة الأديان، وتستمد منها بعض الأحكام القيمية السلبية، وعديدا من الصور الذهنية والإدراكية النمطية حوله، من بعض السياسيين والأجهزة الإعلامية فى أثناء الأزمات المرتبطة بمشكلات التهميش الاجتماعى للأقليات ذات الديانة الإسلام ية فى فرنسا، وبلجيكا، وهولندا، والدنمارك.. الخ!، أو عقب عمليات إرهابية وحشية، تتم على نحو استعراضى ودموى على نحو ما تم فى 11 سبتمبر، أو دهس بعض المارة الأبرياء، أو الطعن لبعض الشخصيات، أو قتل بعضهم بالرصاص كما حدث في فرنسا .. الخ مثل هذه الأعمال الإرهابية الفردية أو الجماعية تنسب إلى بعض الجناة، والإيديولوجيات الراديكالية الوحشية التى تحرضهم على القيام بها، مثل القاعدة، والدولة الإسلام ية داعش، أو بعض الجماعات السلفية الجهادية الأخرى، وليس الإسلام فى ذاته العقيدة والإيمان والقيم الفضلى. هذا الخلط الخطير الذى شاع فى بعض الخطابات السياسية الغربية، وبعض أجهزة الإعلام، يعبر عن توظيفات سياسية لبعض من الطبقات السياسية الغربية اليمينية والشعبوية ، وذلك لأداء عديد الوظائف السياسية أولاها: محاولة احتواء أزمة كل عملية إرهابية دموية تحدث، والفشل الأمنى وراءها، والتناقض والتضارب بين الأجهزة الأمنية، والاستخباراتية حول احتكار المعلومات وتحليلها، وعدم تبادلها فيما بين بعضها البعض، كما ظهر فى بعض حالات العمل الإرهابى لتنظيم الدولة الإسلام ية فى فرنسا وبلجيكا فى عديد السنوات الماضية. ثانيتها: السعى إلى تعبئة الجماعة الناخبة، وشرائح اجتماعية واسعة، حول القيم الأوروبية المتعددة، حول الحرية والمساواة والإخاء، على نمط الجمهورية الفرنسية وتقاليدها التاريخية، وذلك فى مواجهة الديانة الإسلام ية التى تبدو لدى بعضهم غائمة ولا يعرفون عنها الكثير، ويربطون بينها، وبين النظم الشمولية والاستبدادية والتسلطية فى المنطقة العربية، وبين الإسلام والسلوك الاجتماعى حول الدين لدى الأقليات المسلمة فى فرنسا وبلجيكا.. الخ.

فى حالة خطاب ماكرون الأخير الذي أثار ردود فعل مختلفة، ذكر أن: الإسلام يعيش أزمة اليوم فى جميع أنحاء العالم، وأن فرنسا ستتصدى «للانعزالية الإسلام ية» التى ترمى إلى إقامة نظام موازٍ، وإنكار للجمهورية، ومن يوظفون الدين للتشكيك فى قيم الجمهورية الفرنسية. هذا النمط من الخطاب حول الإسلام ، شكل خلطاً بين الديانة، والخطابات الأيديولوجية السياسية الإسلام ية الراديكالية للقاعدة وداعش وسواهما من السلفيات الراديكالية، التى تمددت بين بعض الأجيال الشابة من المهاجرين المسلمين لاسيما من مناطق المستعمرات الفرنسية السابقة فى المغرب العربى. من ناحية أخرى ترك السلطات الفرنسية منذ عقد السبعينيات من القرن الماضى الساحة لانتشار الكتب الحاملة لأيديولوجيات الجماعات الراديكالية الإسلام ية مترجمة للغة الفرنسية، ومنها كتابات سيد قطب والقرضاوي وآخرين تباع فى المكتبات الإسلام ية فى أحياء باريس التى يسكنها المسلمون في بيل فيل، وباربيس وفى الضواحى. من ناحية أخرى مع الثورة الرقمية وبروز أيديولوجية القاعدة وداعش والسلفية الجهادية تم تجنيد بعض الشباب رقميا، او من داخل السجون ، وسافروا إلى مناطق و جود هذه الجماعات .

لا شك أن شيوع البطالة والاغتراب بين بعض هؤلاء الشباب المغاربى، والشعور بالاستبعاد الاجتماعى، جعلهم أسرى خطاب الهوية المغلق، والانعزالى، خاصة فى ظل شيوع ظاهرة الجمعيات الإسلام ية. يمكن القول إن ماكرون لجأ إلى هذا الخلط مجددا فى ظل تراجع شعبيته، منذ سبتمبر 2017 عندما أصدر قانون العمل ، وتراجع مستويات بعض شرائح الطبقة الوسطى، وفرضه المزيد من ضرائب القيمة المضافة على السيارات نوفمبر 2018-، وأدت إلى ازدياد الاحتجاجات الاجتماعية للسترات الصفراء. وها هو يحاول استعادة شعبيته بمغازلة اليمين المتطرف بخطابه حول الخلط بين الإسلام كديانة، والجماعات الإسلام ية الراديكالية التى تمددت وسط الجتيوهات التى يعيش فيها الفرنسيون المسلمون، وهى نتاج لأزمة سياسة الاندماج الداخلى، وفشل نمط من السياسيين والأحزاب الفرنسية أساسا. خطاب شعبوي يعكس الفشل في السياسة الخارجية وإدارة غير كفء لأزمة كوفيد 19 وتفاقم المشكلات الداخلية . وللحديث بقية.
 

 

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

مادة إعلانية

[x]