نظافة العقول .. وذاكرة السمك .. والتوجهات اللا وطنية

7-10-2020 | 08:09

 

تقول الحكمة المنطقية: من الصعب إقناع الذباب أن الزهور أجمل من القمامة! ويبدو أنه من هذا المنطلق.. كتب الروائي العالمي ( جابريل جارثيا ماركيز ) هذه المقولة: "قاوم الإنسان بالمبيدات الحشرية الصراصير والذباب مئات السنين وبقيت تتكاثرعلى مرالسنين، وصارت مقاومة للمبيدات الحشرية، إلى أن اكتشفت بعض الشعوب أن النظافة الجماعية هي الحل، وبالفعل اختفت الصراصير والذباب من بلادها.

والإرهاب مثل الصراصير والذباب لن يختفى إلا ب النظافة الجماعية .. نظافة العقول ؛ والتى تتحقق بالتعليم ثم التعليم ثم التعليم.. التعليم الحقيقى وليس معاهد تفريخ الجهلة والغشاشين وذوي العقول المشوشة المعدة لاستقبال الفكر الإرهابي المتطرف والغبي والعميل لأعداء المِلَّة والوطن".

وبالرغم من أن هذه الأقوال؛ تُعد من البديهيات وألف باء النقاء والصفاء الروحي؛ التي يجب أن تتعارف عليها البشرية في كل بقاع الأرض، إلا أنه يبدو أننا يجب أن نذكّر بها في كل حين؛ حتى تستقيم الأمور وتُنتزع بذور الشر من داخل النفوس الأمارة بالسوء، لنقضي على الذباب الذي تفشى وانتشر وأصبح كالخيمة التي تحجب الرؤية عن الأزاهير المورقة التي أنبتها الله داخل النفس البشرية.

وصحيح أن الله تعالى يقول في كتابه العزيز: "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا" (الشمس 7 ـ 8)؛ إلا أنه يجب الالتزام والعمل على نزع فتيل الفجور من داخل النفوس الخانعة والضعيفة والحاقدة؛ وتثير باستمرار نزعات الخلاف ـ لا الاختلاف ـ داخل المجتمعات الوديعة الآمنة، لا لشىء إلا لتعكير الصفو والصيد في الماء العكِر! ولكن ما حيلتنا والأِشرار موجودون في كل زمانٍ ومكانٍ منذ بدء الخليقة؛ ومنذ دق "قابيل" رأس أخيه "هابيل" بالحَجَرالهائل لينفرد بالغنيمة وحده!

ولكن الظروف تتغيروتتبدل بحسب مقتضيات العصرومجرياته؛ ونرى تسارع إيقاع الأحداث في منطقتنا العربية على كل المستويات: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية؛ وتأمل فتح نافذة الضوء في نهاية النفق المظلم، ولكنها تجد في طريقها من يقفون لها كحجر عثرة من الطامعين والمتربصين الممنهجين والمدفوعين من القوى العالمية التي تخطط ـ بإصرارـ ل تمزيق أواصر الشرق الأوسط ـ قلب العالم ـ وتحويله إلى كيانات هزيلة تابعة؛ وهو مايسمى ب مشروع الشرق الأوسط الجديد ، هذا الأمر الذي يقتضي من كل الشرفاء ضرورة الاصطفاف كالبنيان القوي لمواجهة هذه المخططات الخبيثة، فليس هذا وقت الخلاف أو التسابق على كراسي الحكم وقهر الشعوب؛ فخريطة الوطن العربي تتآكل؛ ويخفي معالمها الدم والطائفية وشريعة الغاب التي ترتدي ـ كذبًا ـ ثوب شريعة الله.

ومصر قلب تلك الخريطة، وإذا فني الجسم وتمزق، فهل تبقى للقلب وظيفة؟! من مصر يبدأ إنقاذ الجسم العربي ، وما يحدث تم الإعداد له منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحلول الإمبراطورية الأمريكية محل إمبراطوريات القارة العجوز.. أوروبا.

المخطط متقن وهزيمته تكمُن في ضرورة وسرعة الاصطفاف المنشود ونبذ الخلاف، وتطهير النفوس مما علق بها في سبعين عامًا من غسيل مخ عبر مراحل نفذتها أمريكا وحلفاؤها بإتقان؛ ونحن مازلنا نحمل " ذاكرة السمك " ونأكل الطُّعم في كل الأحوال!

ولكن هل نقوى على إقناع الذباب بأن الزهور أجمل من القمامة؟ وحينها سنستطيع أن نقنع الخونة والحاقدين بأن تراب الوطن أغلى من الخلاف وإثارة القلاقل والنعرات القبلية والتشرذم؛ والانصياع للعمالة والانبطاح والانحناء لأصحاب المال الوفير ذوي التوجهات اللا وطنية الجبانة؛ والذين يقيمون الصلوات ووجوههم للغرب!

وأقول بملء الفم وبكل القناعة: نعم نستطيع.. والحلول تكمُن في إعادة النظر في المنظومة التعليمية من القاعدة إلى القمة، لتخريج الأجيال التي تؤمن بالعلم الصحيح والفن والشعر والموسيقى والفنون التشكيلية، وكل الجماليات التي حبانا الله بنعمتها، ونلقي خلف ظهورنا بكل ما أُدخل على تراثنا من خرافات ما أنزل الله بها من سلطان.

والذباب الذي أعنيه هُنا.. هو كل العقول المتحجرة التي تحمل الأفكار المتخلفة؛ يستوي في هذا معتنقو الأفكار العقائدية المتشدِّدة؛ التي لاتعترف بمتغيرات العصر وقفزاته السريعة نحو الرفاهية الملتزمة بكل ماجاءت به الأديان السماوية من سماحة ونقاء وصفاء للروح والقلب والوجدان.

الذباب الذي أعنيه أيضًا هو كل أصحاب الأقلام المسمومة من الصحفيين والكتاب والشعراء الذين لايحترمون شرف الكلمة ؛ ولا يفرقون بين المعارضة المهذبة الواعية بمقدرات الوطن؛ وبين الغوغائية غير المنضبطة مع بوصلة الوطن والعرف الساري في مجتمعاتنا العربية؛ والمصرية على وجه الخصوص؛ فنجد منهم من يملأ أعمدة الصحف السيارة والدورية والموسمية وشاشات التلفاز؛ بالتشدق بعبارات المطالبة بالحرية والكرامة والديمقراطية؛ ولا يملك "جواز السفر" الخاص به.. لأنه أسير "الكفيل" الذي يمنحه الدولارات ويحتفظ بجواز السفر في جيبه كنوعٍ من العبودية المقننة، فأين هي الحرية والكرامة والديمقراطية التي يتشدق بها هؤلاء.. وهم لا يملكون حريتهم الشخصية!! تلك هي "عينة" أو "أنموذج" لأسراب الذباب التي أقصدها وأعنيها بالإشارة.. كي نستيقظ من السبات العميق.

.....................................................................
أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

مقالات اخري للكاتب

عن التحول الرقمي .. والابتكار .. والإفهام المأمول

عن التحول الرقمي .. والابتكار .. والإفهام المأمول

عودة الروح إلى شبابنا الواعد

عودة الروح إلى شبابنا الواعد

الشباب .. بين السحابة الزرقاء والأفكار الصفراء!

الشباب .. بين السحابة الزرقاء والأفكار الصفراء!

الثقافة المنشودة بين .. جمال الثقافة .. وثقافة الجمال!

الثقافة المنشودة بين .. جمال الثقافة .. وثقافة الجمال!

محمود ياسين .. ونهر الأحزان!

محمود ياسين .. ونهر الأحزان!

المرأة.. درة تاج المجتمع المصري الحديث!

المرأة.. درة تاج المجتمع المصري الحديث!

لأنهم يعلمون!

سؤال يطاردني.. هل من يعادون مصر من قيادات الإخوان وزبانيتهم يعلمون مايبذله الرئيس عبدالفتاح السيسي والدولة المصرية من جهود إنمائية ونهضوية في كافة المجالات

ولا عزاء للمتآمرين

انتصر المصريون بوعيهم الفياض وفهمهم أن هذا الوعي يمثل السلاح الفتاك وخط الدفاع الأول عن الأوطان، إن كل مصري شرب من نيل هذا الوطن واكتسب سمرة من شمسه وتنفس

القائد .. ومعزوفة الانتماء!

في إطار ثقافتنا المعرفية في أوساط النخبة والعامة؛ نجد أن "العصا" كان لها الحظ الوفير في الإضاءة عليها والتعريف بها في أشكال ومواقف متعددة؛ بدءًا من القرآن الكريم والإنجيل، وصولاً إلى الأمثال الشعبية وقصائد الشعراء، وحتى شعراء الربابة في سردهم للملاحم والمعارك بين أبطال السيرة الهلالية وغيرها.

الإنسان .. وجاذبية الدراما!

يقول الفيلسوف اليوناني "هيرقليطس": إنك لاتستطيع أن تستحم في البحر مرتين!

رئيسنا .. هبة السماء

لا أحد يستطيع ان ينكر أو ينسى فضل الأوطان على قاطنيها، وقد كان صوغ إيليا أبوماضي لكلمات بليغة على بساطتها فيها الصدق وبريقه، حين قال: وﻭﻃﻦُ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡِ ... ﺃﻧﺎ ﻫﻨﺎ .. ﺣَﺪِّﻕ ... ﺃﺗَﺬْﻛُﺮُ

اسلمي يا مصر .. إننا الفداء!

من يحبها منا يتمنى لها السلامة في كل حين، حتى وقت السلم، فما بالنا بوقت تحدق المخاطر فيه بمصرنا الحبيبة من كل حدب وصوب؟! نحن دعاة سلام لكننا لاندعو إلى

مادة إعلانية

[x]