حرب 1973 والطريق إلى السلام

6-10-2020 | 13:24

 

تتجدد في مثل هذه الأيام من كل عام روح أكتوبر التى تمثل ظاهرة فريدة فى تاريخ الشعب المصرى عندما انتظمت صفوفه وراء قيادته فى معركتي العبور والتحرير ـ وتحقق بهما نصر لم يكن متوقعًا بعد أن رددت أدوات الإعلام الغربى أن العرب لن تقوم لهم قائمة قبل خمسين عامًا على الأقل، وأن حرب ( الأيام الستة ) قد مزقت أوصال الجيوش العربية ولم يعد منتظرًا لها أن تتحرك من جديد، خصوصًا أن الحديث كان مستمرًا عن أكبر مانع مائي فى التاريخ، بالإضافة إلى أكبر ساتر ترابي عرفته الحروب.

ولكن الذى لم يعرفه أولئك الخبراء العسكريون الأجانب هو أن إرادة الشعوب أقوى بكثير، وأن العناد الوطنى عندما يسيطر على شعب يشكل مخزونًا كاسحًا من التصميم على تحقيق الهدف وبلوغ الغاية، والذين عاصروا حرب أكتوبر يدركون جيدًا أن المعدن الحقيقى للجيش المصرى كان واضحًا بحيث تمكنت طلائع قواته من عبور قناة السويس فى شهر رمضان وحققت إنجازًا هائلًا بكل المقاييس العسكرية، فضلا عن شيوع إحساس عميق بأن كرامة الشعوب لا تضيع، وأن الأمل فى النصر لا يموت أبدا، ولقد كان الحديث عن السلام قبل حرب أكتوبر حديثًا منقوصًا؛ لأن مرارة الهزيمة كانت تحول دون ذلك فلقد كانت الندية مفقودة بين المنتصر والمهزوم، أما بعد حرب أكتوبر فقد ارتفعت الرءوس وتمكنا - عربًا ومصريين - من دخول الحرب الظافرة لأول مرة فى تاريخ المواجهات العسكرية العربية الإسرائيلية، والغريب أن الشعب العربى أفرز أفضل ما لديه وظهر معدنه الأصيل فى تضامن شامل فتغير وجه الاقتصاد العالمى بعد الحظر الشامل على النفط وما أدى إليه ذلك من قفزات كبيرة فى الأسعار وإحساس شديد لدى الدول الغربية بأن العرب الذين كانوا يعرفونهم ليسوا هم أولئك الذين يشهدون انتصارهم ويدهشون لصلابة موقفهم، ويكفي أن نتذكر أنه رغم ظروف الحرب فى ذلك الوقت واختفاء بعض السلع إلا أن الشارع المصرى لم يشهد اختناقًا على الإطلاق فى السلع التموينية فضلًا عن اختفاء الجرائم الجنائية تقريبًا طوال فترة الحرب، وذلك يؤكد أن معادن الشعوب العريقة تظهر فى اللحظات الفاصلة، وعندما ظهرت أزمة الطاقة فى الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية قال الداهية هنرى كيسنجر قولته الشهيرة: Food for Crude أى النفط مقابل الغذاء، ويهمنا أن نسجل الآن الملاحظات التالية:

أولًا: إن الأفراد ذاهبون ولكن الشعوب باقية، إن الهزيمة مؤقتة ولكن النصر مؤكد، ولن ينسى المصريون لقائد عسكرى جسور هو الفريق محمد فوزى الذى جمع شتات الجيش المصرى بعد الهزيمة مباشرة واستطاع بقيادة الأسد الجريح جمال عبدالناصر أن يوحد الصفوف، وأن يجمع الكلمة حتى بدأ الجيش المصرى تدريبات هائلة على كل المستويات.

ثانيًا: لقد تأكد الجميع أن هزيمة عام 1967 كانت هزيمة سياسية ولم تكن عسكرية لأن الجيش المصرى لم يشتبك فى قتال حقيقي، بل جرى الزج به فى معركة مكشوفة دون استعدادات حقيقية لحرب دبرت لها إسرائيل واختارت لها التوقيت الذى رأته، ولابد أن نعترف هنا بأن السنوات الثلاث الفاصلة بين الهزيمة ورحيل عبدالناصر هى سجل مشرف لذلك الزعيم الراحل الذى مضى على وفاته نصف قرن كامل ولا تزال الجماهير العربية ترفع صورته وتردد اسمه لأنه خرج من صفوفها معبرًا عنها ملتزمًا بالولاء لها، ولا يحسب على عبد الناصر فى تلك الفترة إلا ما يطلق عليه مذبحة القضاء ولكن يحسب له فى ذات الوقت عملية النقد الذاتى التى سجلها ذلك القائد على نفسه فى اجتماعات اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكى العربى فى خريف عام 1967، ولا شك أن النقد الذاتى عندما يأتى من قائد تعرضت قواته لهزيمة سياسية هو نوع من السمو على الجراح واعتراف ضمني بالحقائق كما ينبغي أن تكون.

ثالثًا: إن كل محاولات التسوية السابقة على حرب عام 1973 قد باءت بالفشل؛ لأن الضمير العربى كان مجروحًا ينزف أسفًا وألمًا ويشعر بالهوان، ولولا نصر أكتوبر 73 ما تمكن العرب من الجلوس على مائدة التفاوض مع الطرف الآخر، لذلك فإن حرب عام 1973 هى التى فتحت بحق الباب أمام مفاوضات السلام باعتباره اختيارًا وحيدًا لحل الصراع العربى الإسرائيلي.

رابعًا: لم يكن التضامن العربى فى تاريخه كله بذات القوة التى كان عليها أثناء حرب أكتوبر وبعدها مباشرة، فقد اختلطت الدماء العربية على ضفتى القناة وشارك المقاتلون من كل قطر عربى لإزالة غشاوة الهزيمة وفتح باب النصر، ويكفى أن نتذكر أن الجيش المصرى حارب فى (رأس العش) بعد أسبوعين من الهزيمة ودخل معارك (شدوان) وإغراق المدمرة (إيلات) بعد فترة وجيزة من حرب الأيام الستة ، فالبسالة الكامنة هي جزء من الكيان المصرى بل والكيان العربى كله.

سوف تظل روح أكتوبر تمثل رصيدًا ضخمًا فى تاريخنا القومى وستظل حافزًا على طريق الأمل فى مستقبل أفضل للدول العربية كلها وهى تلتقى على رؤية واحدة نحو مستقبل واعد لشعوبها التى عانت كثيرًا وحان الوقت لكى تستكمل البناء وفقًا لروح العصر وتطوراته الجديدة وأحداثه الضخمة لأن الدنيا قد تغيرت والعالم تحول فى نصف القرن الأخير على نحو لم نشهد له مثيلًا من قبل.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

مادة إعلانية

[x]