الاقتصاد المصري «ينجو» من «ركود» كورونا

4-10-2020 | 06:21

 

أكد أحدث التقارير الصادرة عن البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أن الاقتصاد المصري هو الاقتصاد الوحيد في جميع المناطق التي يعمل بها البنك الأوروبي الذي من المرجح أن يفلت من الركود في السنة التقويمية 2020، مدعومًا في ذلك جزئيًا ب مشروعات البناء والتشييد العملاقة ، وحدوث طفرة في قطاع الاتصالات .


توقع التقرير أن ينكمش الاقتصاد التركي بنسبة 3،5% نتيجة انخفاض الطلب الخارجي الذي أدى إلى انهيار الصادرات، كما أدى الإغلاق المحلي وقيود التوريد إلى الإضرار بقطاعي الخدمات والتصنيع هناك.

أوضح التقرير أيضًا أنه من المرجح انكماش ناتج لبنان بشدة، بما يعكس تزايد حالة عدم اليقين بعد انفجار بيروت في أغسطس الماضى، والذي تسبب في أضرار جسيمة وخسائر في الأرواح، وفاقم التحديات الاقتصادية والسياسية القائمة في البلاد.

شهادة تقدير جديدة للاقتصاد المصري من مؤسسة اقتصادية دولية رفيعة المستوى لا تعرف المجاملة ولا تجيد سوى لغة الأرقام والمعلومات ولا تؤمن إلا بالإنجازات والحقائق على الأرض.

لم يكن نجاح الاقتصاد المصري في مواجهة أزمة كورونا وليد مصادفة، وإنما كان نتيجة جهد خارق خلال السنوات الأربع الماضية نجح فيها الرئيس عبدالفتاح السيسي في اجتياز الإصلاح الاقتصادي بنجاح، وحينما لاحت أزمة كورونا في مطلع هذا العام وضع تصورًا لمواجهة الأزمة راعى فيه التوازن بين الإجراءات الاحترازية، ومتطلبات استمرار دوران عجلة العمل والإنتاج؛ مما أسهم في تقليل الآثار الناشئة عن الأزمة الخطيرة التي ضربت الاقتصادات العالمية في مقتل، وأدت إلى انكماش حاد في الربع الثاني من عام 2020 لتلك الاقتصادات بلغ 8٫2% على أساس سنوي، وهو الانكماش الأكبر من كل الانخفاضات السابقة التي شهدتها الاقتصادات الدولية منذ الأزمة المالية العالمية.
 

التحرك المبكر كان أحد العوامل الحاسمة في القدرة على مواجهة الأزمة، فكل دولة لابد أن تعتمد على نفسها بالدرجة الأولى في مواجهة تلك الازمة، فلن تساعد دولة، دولة أخرى إلا في أضيق الحدود، لأن الكارثة لحقت بالجميع، والشلل أصاب العالم كله، وتوقفت حركة السياحة بالكامل بعد إغلاق المواني والمطارات، وانحسرت تحويلات المصريين في الخارج، وكذلك خرجت معظم الاستثمارات الأجنبية من الأسواق العالمية الناشئة بما فيها مصر وذهبت إلى أمريكا، وهو أمر معتاد في الأزمات العالمية، حيث تهرب الاستثمارات الأجنبية إلى الوجهة الأكثر أمانًا من وجهة نظرها.

في محاولة لفهم ما حدث من تطورات اقتصادية في مواجهة كورونا ذهبت إلى محافظ البنك المركزي طارق عامر لقراءة المشهد الاقتصادي الحالي والمتوقع بعد كورونا.

أكد طارق عامر أن الموقف كان صعبًا ومعقدًا في البداية بدرجة كبيرة، حيث فقد الاقتصاد المصري عائدات السياحة بالكامل والتي تقدر بـ 15 مليار دولار، وفي الوقت نفسه خرجت استثمارات أجنبية تقدر بحوالي 22 مليار دولار.

نجح الجهاز المصرفي من خلال الاحتياطيات والاحتياطيات الإضافية في مواجهة الأزمة بهدوء، واستطاع استيعاب الصدمة الأولى الناتجة عن الأزمة العالمية وقام الجهاز المصرفي بتسديد الالتزامات الدولية المقدرة بنحو 22 مليار دولار.

وأضاف: لابد من تأكيد أن نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تبناه الرئيس عبدالفتاح السيسي يعد دورًا أساسيًا في ثقة مؤسسات التمويل الدولية في الاقتصاد المصري ، مما أدى إلى الاتفاق بسهولة على برنامجين للتمويل مع صندوق النقد الدولي بنحو 8 مليارات دولار، وبرنامج مع البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد بنحو 3 مليارات دولار، بالإضافة إلى طرح سندات دولية بقيمة 5 مليارات دولار.

تمت كل هذه الإجراءات نتيجة نجاح خطة إصلاح الاقتصاد المصري ، ولولا تلك الخطة التي تبناها الرئيس عبدالفتاح السيسي بشجاعة منقطعة النظير لحدثت كارثة اقتصادية في مصر، ربما لا تقل عن كارثة لبنان أو البرازيل والأرجنتين، وكان من الممكن أن تصل تلك الكارثة إلى الإفلاس.

سألته: هل نجحت مصر في تخطي أزمة كورونا؟

أجاب محافظ البنك المركزي: بالفعل نجحت مصر في تخطي الجزء الأول من تلك الأزمة الخانقة بأقل قدر من الأضرار، بل إن ما فعلته مصر أصبح نموذجًا يحتذى به من دول العالم، بعد أن تبنته مؤسسات التمويل الدولية وأشادت به ونال ثقة تلك المؤسسات.

هناك دول أخرى قامت بتخفيض كبير لعملتها المحلية مثل تركيا، وإندونيسيا، والبرازيل، والصين ولم نلجأ في مصر لهذا الأسلوب حفاظًا على الاستقرار الاجتماعي، وتخفيفًا للضغط على المواطنين، وهو مانجحت الدولة في الرهان عليه، وكان البديل هو استخدام جزء من الاحتياطي النقدي لمواجهة أزمة خروج الأموال الأجنبية الطارئة وانحسار الموارد الأجنبية بشكل مؤقت.

وضعت الحكومة بالتعاون مع البنك المركزي خطة محسوبة بدقة منعت انهيار السوق، وأعادت الثقة إلى الاقتصاد المصرى.

صحيح فقدنا جزءًا من الاحتياطي النقدي لكن نجحنا في عودة الثقة الكاملة في الاقتصاد المصري ؛ مما أدى إلى عودة حوالي 10٫5 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية إلى السوق المصرية، وعاد الاستقرار إلى العملة المحلية، وعاد الجنيه المصري مرة أخرى إلى تحقيق مكاسبه في مواجهة العملات الأجنبية.

أوضح طارق عامر محافظ البنك المركزي أنه لولا نجاح السياسة المالية والنقدية لاختفى الدولار من الأسواق، أو تضاعف سعره على الأقل، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى اختفاء السلع من الأسواق، وندرة المواد الخام؛ لأنه يتم استيراد معظمها من الخارج، إلا أن نجاح خطة الإصلاح الاقتصادي التي تبناها الرئيس عبدالفتاح السيسي ، وما تبعها من سياسات مالية ونقدية عالجت كل تلك المشكلات.

كل ذلك أسهم في نجاة الاقتصاد المصري من ركود كورونا، ونجاح سداد الالتزامات وأقساط الديون دون متاعب، وكذلك لم تحدث موجات تضخمية مثلما حدث في تركيا والسودان.

وأضاف: أيضًا لم تحدث طفرات ضخمة في معدلات البطالة نتيجة قيام البنك المركزي بعمل باقة متنوعة من المبادرات التي شملت القطاعات الاقتصادية المتنوعة مثل الصناعة والزراعة والسياحة والمقاولات؛ لضمان الحفاظ على تلك الأنشطة والوفاء بالتزامات العمالة فيها.

هناك 24 مليون عامل يعملون في القطاع الخاص و6 ملايين يعملون في القطاع الحكومي، وقد استهدفت مبادرات البنك المركزي الحفاظ على تلك العمالة، حتى لا يتحولوا بين عشية وضحاها إلى بطالة، فكان لابد من توفير السيولة لتلك القطاعات لمواجهة التزاماتها الطارئة، وتم ضخ نحو431 مليار جنيه في الجهاز المصرفي، و130 مليار جنيه لشركات القطاع الخاص لمواجهة تلك الأزمة.

لقد أثبتت كورونا قوة وكفاءة الجهاز المصرفي في مصر الذي تصدي لمواجهة الأزمة بحكمة واقتدار دون أن يهتز، حيث تم تأجيل سداد الديون لمدة 6 أشهر كاملة، وتم إلغاء غرامات التأخير، وهذا يعني ببساطة عدم دخول موارد للبنوك لمدة 6 أشهر، وهو ما يؤكد قوة وكفاءة الجهاز المصرفي.

الدول الأخري قامت بضخ الأموال من الخزانة العامة، وأمريكا نفسها قامت بضخ 4 تريليونات دولار من الخزانة العامة، في حين نجح الجهاز المصرفي بمصر في مواجهة الأزمة بأقل أضرار ممكنة، وتحمل عبء المواجهة، بالكامل حتى بدأت الأمور تعود رويدًا رويدًا إلى مسارها الطبيعي الذي لا يزال يحتاج إلى بعض الوقت ليستعيد مستوى ما قبل كورونا.

سألته: وماذا عن النظرة المستقبلية للاقتصاد المصري؟

أجاب طارق عامر محافظ البنك المركزي: كل التقارير العالمية الاقتصادية المحايدة التي تصدر عن مؤسسات النقد والتمويل الدولية تشير إلى قوة الاقتصاد المصري ، والنظرة المستقبلية المتفائلة والمبشرة له خلال المرحلة المقبلة.

هذه التقارير كلها تصب في خانة المستقبل المشرق للاقتصاد المصري، وقدرته على التعافي السريع من آثار كورونا، وعودة معدلات النمو إلى ماكانت عليه قبل تلك الأزمة.

ونبه محافظ البنك المركزي إلى ضرورة السير في خطوات الإصلاح الهيكلي في الاقتصاد المصري ودعم المشروعات الإنتاجية الصناعية والزراعية بما يسهم في حل مشكلات المنتجين، وإنهاء مشكلات الضرائب، والتقديرات الجزافية والاهتمام بمشروعات توطين الصناعة وتعميق التصنيع، بما يؤدي في النهاية إلى زيادة الإنتاج، ووضع الخطط اللازمة لرفع عوائد الصادرات، وبالذات الصادرات غير النفطية.

هذه الخطوات ضرورية في المرحلة المقبلة لتتحول مصر إلى نمر اقتصادي واعد بعد أن استطاع الاقتصاد المصري عبور أزمة كورونا بنجاح والتي تعتبر هي الأسوأ منذ الأزمة المالية العالمية.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

[x]