جمال عبد الناصر بين الكاريزما والأسطورة

1-10-2020 | 15:47

 

المساجلات السنوية الصاخبة حول 23 يوليو 1952، وتكييفها السياسى والقانونى، وحول شخصية قائدها الوطنى ورجل الدولة البارز جمال عبدالناصر ، لا تزال تكشف عن اعتلال بعض العقل السياسى المصرى ووقوعه أسير الانطباعية والأحكام الأخلاقية المرسلة، وهيمنة التحيزات الأيديولوجية المسبقة، فى التقويم التاريخى للأحداث الكبرى، والشخصيات السياسية المحورية، والميل إلى إطلاق الأحكام العامة المرسلة بعيدا عن الدرس والتحليل التاريخى للوقائع، وبنية القوة، والفاعلين فى إطارها، والأهم التقييم فى ظل الاعتماد على قواعد من المعلومات الأساسية، والوثائق المرتبطة بالوقائع، والسياسات والقرارات، والضغوط والسياقات الداخلية، والإقليمية والدولية. من هنا لا يتطور السجال أو الجدال السياسى والتاريخى، ولا تتراكم الخبرات والمعرفة والوعى، ولا يرتقي الحس التاريخى النخبوى، أو لدى بعض المواطنين العاديين من المتعلمين أيا كانت حظوظهم من التعليم ومستويات درجاته ـ وإنما يزداد الاضطراب الفكرى والتشوش التاريخى، على نحو يفاقم من التشرذم، وتآكل بعض الموحدات القومية التى تشكل تاريخيًا سمت وجوهر الدولة الحديثة والحركة القومية المصرية المعادية للاستعمار البريطانى قبل 23 يوليو 1952، واستكملت القومية المصرية مقوماتها مع زعامة جمال عبد الناصر، خاصة دوره القيادى لحركة التحرر الوطنى المصرى والعربى، وفي إطار حركة عدم الانحياز.


إن نظرة على ناقدى يوليو وجمال عبد الناصر تشير إلى أنهم يركزون على الطابع الانقلابى على النظام شبه الليبرالى ومؤسساته السياسية، ويرى بعضهم أن سياسة التأميمات ، وقوانين الإصلاح الزراعى أدت إلى عدم تطورات الصناعة والزراعة المصرية، وهو أمر مردود عليه بأن القلة من كبار الملاك والطبقة شبه الرأسمالية والفجوة الكبرى بين هؤلاء، وبين الغالبية العظمى من الشعب المصرى، وسيطرتهم على الحياة الاقتصادية والسياسية وعلى حزب الوفد والحياة الحزبية، هى التى مهدت لانهيار النظام، ووصول الضباط الأحرار إلى سدة السلطة فى ظل وجود الاحتلال البريطانى، ودور السفارة فى السياسة المصرية. فى حال ما اذا كان النظام السياسى شبه الليبرالى واحزابه السياسية، والنظام الاجتماعى، لديه من القوة والحيوية السياسية والقدرات لاستمر دون انهيار. كانت مؤشرات الخلل الاجتماعى ومخاطره بارزة قبل 23 يوليو فى مطالبات جماعة الغد ب الإصلاح الزراعى ، وهو ما أخذ به جمال عبد الناصر، واستلهم تجربة الدكتور محمد مصدق فى إيران فى تأميم النفط، وهو ما حدث فى تأميم القناة ثم المصانع والمصارف، فى ظل مشروع اجتماعى لرأسمالية الدولة الوطنية، والأهم سياسات اجتماعية فى التعليم والعمل والصحة ومشروعات لحل مشكلة السكن. لا شك أن التصنيع ادي الي نقلة مهمة في تطور المجتمع المصري وعلاقاته الاجتماعية ومعه السياسات الاجتماعية التي ساهمت في توسيع قاعدة التعليم، ومن ثم اتسعت معه الطبقات الوسطى الوسطى، والصغيرة، وأن كان ذلك دونما مراعاة لنوعية وكيفية السياسة ــ التعليمية ومخرجاتها، وإلى تضخم جهاز الدولة البيروقراطى ، وتزييفه. النقد الاساسى لناصر تركز حول الطابع التعبوى للنظام، وتأميم السياسة، والقيود علي المبادرة الفردية، والحريات العامة على نحو أدى إلى الجمود فى الحيوية السياسية، وحجب الرؤى المغايرة، واعتقال بعض القوى المعارضة، وهو نقد يتفق معه عديدون من داخل الاتجاه الناصرى وخارجه. بعضهم يتساءل أحيانا عن سر الحنين لناصر الوطني الكبير فى عديد العقود منذ وفاته قبل خمسين عامًا؟ تفسير هذا الحنين السياسى، وهذا الحضور فى الغياب مرجعه كاريزما القيادة وشعبويتها.

وظف الكاريزما فى الخطاب السياسى حول الكرامة الوطنية والتحرر الوطنى، وكلاهما شكل طلبًا وطنيا وعربيا واسع النطاق شعبيًا خاصة فى ظل دعمه حركات الاستقلال العربية، وفى إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية فى إطار قيادة حركة عدم الانحياز مع الهند ويوجوسلافيا. داخليًا كان مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، محفزا على الحراك الاجتماعى لأعلى، وعلى بعض من الحيوية الاجتماعية، كانت سنوات حرب الاستنزاف تجربة فريدة لتعبئة الجهود الوطنية والكفاءات فى القوات المسلحة المصرية بقيادة الوطني البارز الفريق أول محمد فوزى، الذى استطاع إعادة بناء القوات المسلحة فى جدية وصرامة وتخطيط وتدريب وأداء أفضل. عقب الهزيمة أدرك ناصر مشاكل الحزب الواحد، وضرورات التعددية، إلا أن متطلبات إعادة بناء القوات المسلحة كانت لها الأولوية المركزية، وفجأة ذهب إلى رحمة مولاه. شخصيةاستثنائية وتجربة تحتاج إلى درس تاريخى ومنهجى موضوعى، لا ثرثرة ولغو أيديولوجى بسيط .كان عظيم المجد عظيم الأخطاء وفق الجواهري، لكن العطب الرئيسى تمثل فى عديد العناصر والشخصيات غير الكفوءة فى تركيبة السلطة، وفى تركيبة النظام وهياكله من زاوية استمرارية التطور الديمقراطى والتعددية السياسية، سبيلا لتجديد النظام، ونخبته السياسية، والإصلاح المستمر لأجهزة الدولة وسياساتها، أن محاولة تحويل ناصر لأسطورة، أو شيطنة ـ والعياذ بالله ـ نزعتان تفتقران إلى الموضوعية والتحليل التاريخى المعمق، لواحد من أهم زعامات مصر السياسية فى تاريخها الحديث والمعاصر.


نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

[x]