قوة الجغرافيا السياسية لمصر

1-10-2020 | 15:43

 

كلما حاول البعض التقليل من الأهمية الاستراتيجية للجغرافيا السياسية تجلت حقائق على الأرض تثبت صعوبة خرقها. وإذا كان هناك من أحرزوا أهدافا هامشية في مرمى آخرين وفي أماكن متعددة، فالمؤكد أن هذا المحدد لا يزال يمثل بعدا حيويا له خصوصية كبيرة في بعض المناطق، ومنها الشرق الأوسط، حيث يستدعى عندما تكون هناك ضرورة أو وجدت دولة قوية تعيد الاعتبار لهذه المسألة.


تخوض مصر حربا سياسية ضارية على الجهات الأربع، بنسب متفاوتة، وتتعرض لتحديات مضنية تهدف إلى جرها نحو مستنقعات لا تكل عن العبث بالجغرافيا وتغيير معالمها. ففي الغرب قفزت تركيا فوق الحدود الطبيعية ليكون لها موطئ قدم في ليبيا ، وتصورت أنه بمقدورها ضرب عرض الحائط بنقاط رئيسية في جغرافيتها المتوارثة لمجرد أنها امتلكت أحلاما طوباوية تسعى لتحقيقها بالقوة. في شمال مصر ، تريد أيضا تركيا رسم خريطة في عقلها تحدد ركائزها،ولا تلتزم بضوابط القانون الدولي الذي جعل الجغرافيا مقياسا مهما في تعيين المياه الإقليمية والاقتصادية، وسعت أنقرة إلى خلط الكثير من الأوراق وهي معتقدة أن دبلوماسية البوارج كافية لإرهاب الخصوم والتمكين من الاستحواذ على ثروات منطقة واعدة.

دشنت أنقرة فكرة تجاوز هذا النوع من المحرمات برغبتها أو بإيعاز من آخرين، ومكنت دولا كثيرة من اختبار فرضيات معينة دون أن تدري. في كل الأحوال تعد قيادتها الحالية من أبرز النماذج التي تتبنى منهجا لا يقيم اعتبارا كبيرا لقواعد الجغرافيا، وكأنها مكلفة بقلب نواميس الحياة وما استقر في وجدان العالم، اختبرت كل ذلك في ليبيا وقت أن أسرفت في تدخلاتها الأمنية والبحرية والاقتصادية والسياسية، وحاولت كسر حواجز صلبة، وضرب توازنات دقيقة، ووثقت أكثر من اللازم في قدرتها على تغيير ما أصبح راسخا في المنطقة. وصبرت مصر كثيرا على كل ذلك وتعاملت بحكمة وثقة ورشادة مع الموقف، وراهنت على قوة الجغرافيا السياسية، وهي تعلم أن تركيا لن تستطيع تثبيت أركان وجودها فترة طويلة في ليبيا ، وسوف تكسب القاهرة الرهان قريبا، لأنها لم تنسق وراء المهاترات التي كانت تخرج من أنقرة أو حكومة طرابلس. وامتنعت عن الانجراف وراء حرب العصابات، واكتفت بالمتابعة العميقة والتحذير والتلويح بالتدخل عند اللزوم. ورسم الرئيس عبدالفتاح السيسي الخط الأحمر في سرت والجفرة ، والتزمت به تركيا صاغرة، بقوة الجغرافيا قبل قوة السياسة. واليوم تقف جهات إقليمية ودولية عديدة في صف حل الأزمة، ورفض استمرار جيوش المرتزقة الذين زج بهم الفترة الماضية، وتقف لتركيا بصرامة في شرق البحر المتوسط. تثبت هذه التحركات صواب رؤية مصر ، وأهمية المحدد الجغرافي في إدارة الأزمات، وبدأ يتحقق تدريجيا ما طالبت به بالنسبة للحد من تعاظم دور تركيا في ليبيا ، ووضع الاتفاقيات التي وقعتها مع حكومة الوفاق في طرابلس تحت المجهر للمراجعة القانونية من قبل المؤسسات الوطنية في ليبيا ، وغيرها من القضايا الشائكة.

بدأ المجتمع الدولي يضغط لسحب المرتزقة، والبحث عن صيغة للتعامل مع الإرهابيين الذين جرى جلبهم من دول مختلفة، وضبط البوصلة لإيجاد تسوية سياسية حقيقية للأزمة، تضع في بؤرة اهتمامها معيار الجغرافيا، والذي مكن القاهرة من أن تكون طرفا في جميع المبادرات، وقريبة من كل الاجتماعات التي تعقد في أماكن متفرقة وتخص الأزمة الليبية. وكل المحاولات التي سعت لتحييد مصر لم يحالفها النجاح، ولعبت الجغرافيا السياسية دورا بارزا في تفشيل بعض المخططات. الأمر الذي استوعبته قوى كبرى بعد عناء، واضطرت إلى استخدام لغة أكثر حسما مع تركيا.

تعمل إثيوبيا في أقصى الجنوب على تبديل ما استقر في العقل العام بشأن الأنهار الدولية، وتحاول فرض مفهومها الخاص لنهر النيل العظيم الذي اعتادت مياهه الجريان بلا هوادة منذ آلاف السنين على طول مصر ، ولن تتمكن من تغيير جغرافية المياه من خلال مشروع سد النهضة. وفي النهاية اعترف آبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي، أمام الأمم المتحدة قبل أيام بعدم الإضرار بدولتي المصب، والتوصل إلى تفاهمات. وهو موقف يضاف إلى التأييد الذي حصده المنطق ال مصر ي في عدم التخلي عن قوة الجغرافيا مقابل قوة الاقتصاد. يمثل ما يخطط لفلسطين حاليا عدوانا جديدا على الجغرافيا السياسية بمشاركة راغبين في التخلص من أعبائها، وتهاون عدد كبير من أبنائها، حيث ظهر تلويح من جانب البعض يرفض احترام الأسس التي تقوم عليها القضية الفلسطينية، وجعلت مصر رقما في الكثير من التطورات والتفاصيل. فمن يريدون مقايضة السلام بالسلام سوف يتبين لهم عدم صواب رؤيتهم. ومن فكروا في انخراط تركيا وقطر وإيران على حساب مصر سيكتشفون أن عوامل الجغرافيا السياسية تقف حائلا أمام طموحهم. وكما أسهم موقع مصر في أن تصبح مطمعا لقوى استعمارية كثيرة، ساعد أيضا في منحها قوة مضاعفة، وسوف يمكنها من وقف طموحات من يرغبون في مناكفتها عن قرب، أو غرس أقدامهم السياسية والعسكرية في مناطق مجاورة تمثل أهمية مباشرة للأمن القومي. تقلبت القضية الفلسطينية في أحضان دول عدة، عربية وغير عربية، ولم تجرؤ إحداها على إلغاء دور مصر عبر العصور. فكل لقاءات المصالحة التي استبعدت منها لم تعمر طويلا، لأنها كانت مرتبطة بأجندات إقليمية ولا تقيم وزنا للجغرافيا السياسية. وتفهم القوى الوطنية الفلسطينية ذلك. أما تلك التي رهنت قرارها بمصالح أيديولوجية فهي بحاجة لمزيد من الوقت لاستيعاب دروس التاريخ وما فعلته قوة الجغرافيا.

تزداد هذه القوة كلما توافرت قيادة سياسية تعلم المكونات الاستراتيجية للدولة ال مصر ية، والحدود والمساحات التي يجب أن تتحرك فيها أو تتصدى لها. الأمر الذي يجعل للجغرافيا قيمة مضاعفة في مواجهة الاختبارات المصيرية. يندرج ما يجري في الفضاء الإقليمي وعلى مسافة قريبة منا داخل إطار يتمنى العصف بهذا المحدد لكسر أحد أهم المرتكزات التي تعتمد عليها السياسة ال مصر ية، لأنه الطريق الذي يسهل مهمة إحداث تحولات كبرى في المنطقة بعيدا عن مصر .

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

مغالطات الشرق والغرب فى ليبيا

مغالطات الشرق والغرب فى ليبيا

الواقعية المصرية والتهور التركي

يُحسب للرئيس عبدالفتاح السيسي قدرته على التعامل بواقعية مع الأزمات الخارجية، والتي تراعي مصالح مصر في ظل خرائط إقليمية معقدة، وتفاعلات دولية غامضة.

القوة الناعمة والقوة الخشنة بعد كورونا

حاولت البحث عن فكرة مناسبة لهذا الأسبوع بعيدا عن كورونا فلم أجد. كلما لاحت في الأفق فكرة وجدتها تصب في هذه الجائحة من قريب أو بعيد. أصبحت حياتنا تبدأ بالاطلاع

مادة إعلانية

[x]