تجارة التجزئة من ناصية الشارع إلى المنصات الإلكترونية

1-10-2020 | 12:16

مهند عدلي

 

في بداية الألفية وبينما كانت سلاسل تجارة التجزئة المحلية والعالمية لا تزال تتحسس خطواتها الأولي في السوق المصري كان السؤال المتكرر هو ما هي النتائج المتوقعة لذلك وهل يمكن أن يؤدي إلى القضاء على الأشكال التقليدية لتجارة التجزئة..؟! ....و ايضا حين بدأنا في اعتماد خدمة التوصيل للمنازل وبدأنا في استخدام اول رقم تليفون مختصر يتواصل من خلاله العميل مع اي فرع .. كنا نشعر أننا أمام ثورة تسويقية وثارت نفس الأسئلة حول الآثار على ماهو قائم..؟


وفي كل مرة يتم طرح هذا السؤال كنت دائما أجيب إجابة قاطعة بأن السوبر ماركت و الهايبر ماركت وخدمة التوصيل هو تطور طبيعي لمنظومات قائمة وإضافة لها وليس بديلًا عنها، صحيح أن المنظومات التقليدية سوف تتعرض لتغيرات بفعل الضغوطات التسويقية الحديثة لكنها ستظل موجودة وقائمة لكونها تلبي احتياجات شرائح معتبرة في المجتمع المصري ولكنها ستكون مضطرة لاجراء تغيرات في اسلوب وطريقة عملها بما يتناسب والمستجدات الجارية في السوق.


وبالفعل وبعد ما يقرب من 20 عامًا تم خلالها دخول العديد من الشركات العالمية العاملة في مجال السوبر ماركت و الهايبر ماركت إلى السوق المصري وبالإضافة إلى عشرات الاستثمارات المحلية سواء في شكل سلاسل تجارية أو شكل منفرد إلا أن المدقق في خريطة السوق المصري الآن سوف يكتشف أن هذه الاستثمارات كانت إضافة كبيرة ولم تكن أبدًا خصمًا من رصيد ما كان قائما بالفعل ولذلك ستجد في الخريطة الآن كشك البقالة الصغير.... منتشر على الكثير من النواصي وما زال بقال المنطقة ... يعمل في العديد من المناطق ولا زال دكان الحارة.... يتسيد الموقف في احتياجات الأسرة السريعة .... والجميع قد امتلك منظومته الخاصة لتنفيذ خدمة التوصيل للمنازل بناء علي طلب العملاء بما فيهم بائع الخضار والفكهاني التقليدي ... وجميعهم استفادو من خبرات السوبر ماركت في المعدات والثلاجات وطرق العرض والتسويق بدرجات متفاوتة بالطبع.


وبفضل هذه التطورات أصبح سوق تجارة التجزئة يضم تنوعا في أدواته بما يتواكب والتنوع في احتياجات المستهلكين والتوسع في خريطة توزيعهم الجغرافي.. فأغلب الاستثمارات الجديدة تم توجيهها إلى مناطق التوسع العمراني في القاهرة والجيزة والمحافظات والطرق السريعة وما توجه منها إلى المناطق التقليدية أدى إلى اكتمال وسهولة توفير احتياجات المكون الاجتماعي والاقتصادي لمناطق الكثافة السكانية التقليدية والتي زادت احتياجاتها بقدرات تفوق وحدات المنظومة التقليدية مما جعل من الاستثمارات الجديدة استكمالا لتطور منظومة توفير الاحتياجات وليس إحلالا لها.


هذا المنظور التاريخي وجدته حاضر وبقوة هذه الأيام في ذلك السؤال الذي يتكرر بشكل شبه يومي سواء في المنصات الاعلامية أو في أروقة المتخصصين عن مستقبل التجارة الالكترونية وما تحمله من احتمالات وآثار على الشكل التقليدي لتجارة التجزئة وعلى المنظومة التجارية بصفة عامة هذا التشابه التاريخي لا يتعلق فقط بالسؤال لكنه يتعلق أيضًا بنمط الإجابة فبالفعل ستكون هناك آثار على الأشكال التقليدية للتجارة.. فالتوسع الحاصل في تجارة المنصات الرقمية سيأخذ جزءا من حصة العمليات المباشرة لكنه لا يعني القضاء عليها بل هو إضافة لمزيد من أدوات التواصل بين أطراف العملية التجارية ولكنه تواصل توفره مزايا التطور التكنولوجي خاصة وانه أستمد قوة دفع غير مسبوقة بفعل الانتشار السريع لأجهزة المحمول الذكية التي يزيد عدد مستخدميها على اجمالي عدد السكان اجمالا بنسبة لاتقل عن عشرة بالمائة وعن عدد السكان البالغين بنسبة لاتقل عن الضعف في مفارقة غريبة تحتاج لدراسات متخصصة لاستيعابها هذا من ناحية ومن ناحية اخري جاءت القفزة الهائلة مع تداعيات الازمة الصحية العالمية لوباء كورونا وطبيعة الالتزام بالإجراءات الاحترازية المرتبطة به.


لذلك نستطيع القول إننا أمام تغيرات هائلة متوقعة ولكنها لن يكون فيها فائز بالضربة القاضية لأن الطبيعة البشرية لن تتنازل عن التواصل المباشر تماما كما ان الهايير ماركت لايمثل جانب التسوق فقط فهناك الجانب الترفيهي كما ان المنظومات التقليدية قد بدأت بالفعل في استعادة زمام الامور مرة اخري بضخ استثمارات لتنمية تجارتها الاليكترونية مدعومة بقوة انتشارها وتواجدها المكاني جغرافيا وفي المقابل بدأت شركات تجارة التجارة الاليكترونية في الخروج من العالم الافتراضي الي الاستثمار في السوبر و الهايبر ماركت وهو ما يفسر ضخ شركة امازون عملاق التجارة الاليكترونية لمليارات الدولارات لشراء احدي سلاسل تجارة التجزئة في السوق الامريكي ... هذة العمليات المتداخلة ستؤدي حتما إلى خريطة جديدة مختلفة عما هو قائم دون إقصاء لأي مكون ولكن لن يظل ايا منها كما كان ابدا .. .فكما يقول الصينيون (الانسان لاينزل النهر مرتين) استنادا لجريان الماء ... لكن يظل النهر قائما والماء جاريا.

مهند عدلي

مادة إعلانية

[x]