الآمال المفقودة لدى «ستيفن كوك»

30-9-2020 | 14:41

 

فى 5 سبتمبر الحالى نشر « ستيفن كوك » الزميل فى مجلس الشئون الخارجية الأمريكى مقالا يائسا بعنوان «نهاية الأمل فى الشرق الأوسط، الإقليم كان دائما لديه مشكلات، ولكنه الآن تعدى نقطة اللاعودة تقريبا». «كوك» لم يكن هو الوحيد الذى تبنى هذه النظرة خلال الفترة الأخيرة، وجرى ذلك أحيانا بالتركيز على دولة عربية كانت فى العادة مصر والمملكة العربية السعودية. ما هو مثير للدهشة فى هذه الأعمال ليس مرجعيتها الليبرالية التى لم تعد هى الوحيدة فى قياس التقدم على مستوى العالم؛ ولكن أيضا أن التجربة الأمريكية الراهنة تثير الكثير من الشكوك حول قدرتها لاستدامة التقدم فى ظل التعقيد الشديد الذى ولدته وسائل الإنتاج المعاصرة، وما نجم عن « العولمة » من ردة كونية إلى فضاء الدولة القومية.

وبينما يبدو هذا خللا فى المداخل الأكاديمية لدراسة الشرق الأوسط أو العالم العربى تحديدا أو مصر خاصة؛ فإن الخلل الأكبر يقع فى ضعف الصرامة العلمية والمتابعة الدقيقة لما يجرى فى البلاد العربية والتعامل معها بالاتزان الواجب. فى المقال المذكور فإن الكاتب يركز فى تفصيل شديد على ما يسميه المثال المفزع أو dystopia الذى يستخلصه من الحالات اليمنية واللبنانية والفلسطينية والسورية والليبية، أى حالات الفشل العربى الذائعة نتيجة للتطورات العربية التى تراكمت منذ ما سمى « الربيع العربى » قبل سنوات عشر وما ترتب عليها من انفجار للتطرف الدينى والعنف الإرهابي، أقام حروبا أهلية وصراعات داخلية فى الدولة العربية، وتسبب فى خلل استراتيجى جذب التدخلات الإقليمية والدولية.

التطور التاريخى لهذه الأزمات لا يعود أبدا إلى أصول الفوضى التى لم تكن خلاقة، ولا لرد الفعل العربى الذى ظهر فى دول عربية عدة نحو الإصلاح والتغيير والتعامل مع أسباب ما جرى وفى المقدمة منها الحاجات الملحة للتقدم الذى يأخذ بالدولة إلى الأمام، ولا يسلمها إلى فوضى التحلل والتفكيك. هذا التوازن يبدو غائبا عن «كوك» وجماعة الباحثين عن مصر مثل «تمارا ويتس» و«ميشيل دن» وغيرهما فى مؤسسات مجلس الشئون الخارجية، وبروكينجز وكارنيجى، وهى جماعة لا تزال متعلقة بحزمة الأفكار التى ذاعت خلال إدارة الرئيس باراك أوباما على اليسار الليبرالي، وجماعة الرئيس جورج بوش الابن على اليمين الليبرالى أيضا، حول الانفتاح والشمول السياسى الذى يأخذ الإخوان إلى السلطة أو «داعش» إلى «الخلافة». وفى الحالتين يمينا ويسارا فإن مصادر الفكر والمعلومات تأتى دوما من جماعة الإخوان المسلمين المتسلحة بدموع زائفة سواء فى مراقدها الشرق أوسطية فى الدوحة وإسطنبول، أو سررها الغربية فى لندن وواشنطن. أى من هؤلاء لا يدرك التناقض الفكرى السائد فى كتاباتهم، وشهاداتهم فى لجان الكونجرس الفرعية والأصلية عن التجربة المصرية، وبين الكثير من الحقائق التى ولدتها مسيرة الإصلاح المصرية حتى لا يحدث فى مصر ما جرى فى البلدان القريبة التى يأخذونها مثالا مفزعا للحالة العربية. بالنسبة لهؤلاء فإن مصر مخطئة دائما، وعندما تؤسس وتبنى مشروعات عملاقة، فإنها تكون فى نظرهم « أفيالا بيضاء » وليس طليعة للنمو والتشغيل، وإذا ما نجحت فى التعامل مع أزمة الكورونا فذلك لأن الأرقام ليست صحيحة حتى ولو لم تخالفها المؤسسات الصحية الدولية، وإذا تحركت خارجيا لحماية أمنها القومى فإن ذلك يوصف بأنه تهور، أما إذا سكتت فإن الدعوى تكون أن مصر لم يعد لها دور إقليمى لتلعبه. الغريب أن القصة المصرية فى كثير من تفاصيلها توجد داخل مؤسسات اقتصادية وسياسية قريبة، وكلها تحكى عن قصة إيجابية فى محاربة الإرهاب، وغوث اللاجئين، والنهضة والنمو الاقتصادى، والتعامل الرشيد مع مشكلات جرى العرف على اعتبارها «مستعصية» من التعليم إلى العشوائيات ، والتعامل الرشيد والحازم فى نفس الوقت مع ما يهدد الأمن القومى المصرى مباشرة فى ليبيا وإثيوبيا.

فى 23 سبتمبر الحالى جاء فى نشرة »إنتربرايز« اليومية أن عائدات المصريين فى الخارج ارتفعت بنسبة 11% خلال شهر يوليو بما قيمته 2.9 مليار دولار، مقارنة بتحويلات بقيمة 2.6 مليار فى يوليو 2019. تحويلات العاملين المصريين فى الخارج خلال الشهور السبعة الأولى من العام الحالى بلغت 17 مليارا مقارنة بما كان عليه الحال فى العام السابق والبالغة 15.7 مليار. تقول النشرة: إن حقيقة التحويلات لا تزال ترتفع خلال الشهور الخمسة التى جرى فيها أسوأ الأزمات التى تجرى فى الحياة ( الكورونا ) تسير على عكس كل التوقعات التى وضعها سحرة الاقتصاد بينما يهل علينا كوفيد-19. ما كان يشير إليه النص هو معهد المال الدولي، ومؤسسات «فتش» و«موديز» وS&P، وهى مؤسسات فى مجملها كانت إيجابية فى النظر إلى مصر وأدائها خلال الأزمة ولكنها كانت متحفظة بدرجات مختلفة حول ما سوف يترتب على الأزمة الصحية من نتائج مستقبلية خاصة فيما يتعلق بمعدلات النمو المتوقعة.

تقارير هذه المؤسسات كلها منشورة. الأمر فى مصر لا يوجد فيه ما يشجع مثل هذا الجدال، فالحقائق كلها تراها العين المجردة، وبعد ست سنوات من التنمية المستقرة فإن الأمل الغائب لدى «كوك» ينبغى له أن يكون مستقرا لدينا. كان أمام الدولة المصرية ضرورة «تثبيت» الدولة والتى هى عملية مضنية، كما كانت هناك الضرورة للعودة إلى أصول الإصلاح الاقتصادى واتباعها. ونتيجة «التثبيت» و«الإصلاح» باتت التنمية تسير فى اتجاهين: الإضافة لأصول الدولة وثروتها من خلال الجديد من المدن العظمى وحتى المتاحف الكبري ، وتنمية الزراعة والصناعة والاستخراج مع الخدمات المتشعبة والمتعددة. وفى الوقت نفسه مواجهة مشكلات ومعضلات استعصت على كل المصريين من قبل فى التعليم والصحة و العشوائيات والمخلفات. مركب هذا وذاك هو موضوعنا حاليا بعد اقتراب تجاوز الكورونا أو بتعبير آخر التعايش معها بينما عملية التنمية والتقدم مستمرة. « ستيفن كوك » ربما فقد الأمل لأنه لا يريد أن يقرأ أو يسمع؛ ولكن الأمر من ناحيتنا هو تحقيق هذا الجيل من المصريين لما لم تحققه أجيال سابقة.


نقلا عن صحيفة الأهرام

[x]