في ذكرى مولده.. لماذا ظل الحكيم كونفوشيوس خالدا لآلاف السنين في قلوب الصينيين؟ | صور

28-9-2020 | 19:07

الحكيم كونفوشيوس في مسقط رأسه

 

محمود سعد دياب

نظمت مدينة تشيوفو بمقاطعة شاندونج في شرقي الصين، مسقط رأس التربوي والفيلسوف الصيني الشهير كونفوشيوس ، اليوم الإثنين، احتفالية بمناسبة الذكرى السنوية الـ2571 لميلاد الحكيم والمعلم الصيني القديم الذي عاش في الفترة من (479-551 قبل الميلاد).


وخلال الفترة التي عاشها، أسس كونفوشيوس مدرسة الأفكار والتي باتت تعرف لاحقا بالمدرسة ال كونفوشيوس ية، وأصبح لها تأثير كبير على الأجيال الصينية، كما أنه كان أول شخص يؤسس مدرسة خاصة في الصين تستقبل جميع الطلاب من مختلف المستويات والشرائح الاجتماعية .

حضر الحفل عدد كبير من المواطنين الذي ألهمهم كونفشيوس، حيث رددوا بعض المقاطع والعبارات الكلاسيكية الخاصة بالأفكار والمدرسة ال كونفوشيوس ية أمام ضريح كونفوشيوس في مدينة تشيوفو، وأدى بعض الراقصين رقصات تقليدية تعود إلى عصر أسرة هان الملكية (202 ق.م - 220 م ).

حفلات إحياء ذكرى كونفوشيوس بدأت بعد وفاة الفيلسوف الصيني الشهير، ومؤخرًا بات الناس في شتى بقاع الأرض يحييون تلك الذكرى، وهي الاحتفالات التي امتدت من مدينة تشيوفو التي ولد بها، إلى دول ومناطق أخرى بعيدة عن الصين، حيث تعتبر فرصة للتعبير عن الاحترام ل كونفوشيوس بكافة أرجاء الأرض.

ويتساءل الكثيرون عن أسباب هذا الاحترام الكبير ل كونفوشيوس بعد وفاته بأكثر من 2500 عام، وما الذي تركه هذا الرجل كي ينال ذلك التقدير؟، وإذا نظرنا للتاريخ سنجد أنه لا غرابة في الأمر خصوصًا وأنه تواجد في وقت انحطت في الأخلاق في الصين، فخلال عصر الربيع والخريف بدويلة لو كان الإبن يقتل أبيه والوزير يقتل ملكه، وسادت الفوضى وتهاوت القيم الأخلاقية في المجتمع.

نشأ كونفشيوس في ظروف صعبة وولد في أسرة فقيرة رغم أن أجداده كانوا من النبلاء، وازدادت معاناته بعدما توفى والده وهو في الثالثة من عمره ووالدته قبل أن يبلغ العشرين، تلك الظروف التي دفعته يسعى لتقلد طبائع النبلاء، والوصول لوظيفة رسمية بالقصر الإمبراطوري، ولكي يصل لتلك الدائرة حرص على تعلم المهارات الأساسية الستة في الصين القديمة، وهي الثقافة والتواصل الاجتماعي والشؤون العسكرية والووشو والكتابة والحساب.

كان كونفوشيوس يستهدف العودة بالمجتمع إلى ما كان عليه من نزاهة وأمانة في بداية أسرة تشو الغربية (القرن الحادي عشر ق.م)، وإعادة نظام الدرجات الاجتماعية الهرمي الهيراركي، وفي الثلاثين من عمره كان قد استوعب المهارات الست، وازدادت شهرته وسعى إليه كثيرون طلبا للعلم، فأنشأ معهدا خاصا في بيته هو الأول من نوعه في الصين، ومارس فيه مهنة التعليم، من أجل نشر الثقافة التقليدية لأسرة تشو وإعداد تلاميذه وفقا للمُثل التي آمن بها ودعا إليها، على أساس أن هؤلاء سيصبحون يوما أعمدة المجتمع من خلال المناصب التي سيشغلونها.

أمضى كونفوشويس حياته كلها ما بين التدريس والعمل السياسي، لأنه اعتبر التدريس سبيلا آخر للانضمام إلى الدائرة السياسية، حيث شغل منصب المسئول عن دائرة الشؤون القانونية في حكومة دويلة لو، وكان عمره خمسين عاما، ولكنه ترك العمل بالحكومة بعد مكيدة سياسية دبرت له، بعدها تجول مع تلاميذه بين الدويلات لمدة أربع عشرة سنة، سعيا لإصلاح المجتمع وتحقيق مُثله، ولكنه لم يجد فرصة لذلك، فعاد إلى دويلة لو ومات بعد ثلاث سنوات.

لم ينجح كونفوشيوس في عالم السياسة ولكنه أصبح أعظم معلم في تاريخ الصين، فهو أول من أقام مؤسسة تعليمية خاصة في تاريخ الصين، وهو الذي وضع هيكل النظام التعليمي القديم في الصين، من حيث أهدافه التربوية ومحتواه التعليمي وأساليبه.

لقد سعى إلى تعليم تلاميذه الأخلاق والكفاءة، اقتناعا منه بأن هدف التعليم هو بناء شخص كريم الخلق، وكان يطلب من تلاميذه أن يقرأوا أمهات الكتب ثم يشرحها لهم بصورة إبداعية، واستطاع أن يعلم تلاميذه من الواقع ويثقفهم وفقا لاستعدادات كل منهم ويوقظ ضمائرهم ويجعلهم يتعلمون ذاتيا ويتنافسون في الدراسة، ويبذلون أقصى الجهود في سبيل التقدم.

وتحتل التربية الأخلاقية مكانة محورية في النظام التعليمي ال كونفوشيوس ي، أما التربية في المجالات الأخرى فتحتل مكانة ثانوية، ورأى كونفوشيوس أيضا أن ممارسة السياسة تعتمد على الأخلاق أساسيا، بينما تأتي المهارات الأخرى في مراتب تالية.

يعتبر الفكر ال كونفوشيوس ي، أول فكر منهجي في تاريخ الثقافة الصينية، وهناك مثل صيني قديم يقول: "تتدفق الثقافة التقليدية الصينية مثل مياه نهر يجري آلاف السنين ولكنها لم تغمر ضفة النهر التي أقامها كونفوشيوس "، حيث أوضح العلاقات الاجتماعية، واضعًا "النزعة الخيرية" محورًا أساسيًا وتتمثل في معاملة الآخرين بأدب خصوصًا الأبوين والأخوة والأخوات، وهي المبادئ الأخلاقية والتربية والسياسة، التي شكلت منظومة كاملة وضعها كونفوشيوس ، وقد أصبحت تلك المثل العليا الهدف الذي يسعى إليه الصينيون جيلا بعد جيل.

لكن بعد سنوات من عصر الإصلاح والانفتاح، أصبح شباب الصين يفضل الثقافة الغربية وقليل منهم يقرأ "محاورات كونفشيوس"، ما دفع الحكومة الصينية لإقامة احتفالات بذكرى ميلاده انطلاقًا من مسقط رأسه إلى جميع أنحاء العالم، بهدف إبراز لتنوع الثقافة الصينية التقليدية واستعادة الإيمان الروحي، كونه يمثل رد الأمة الأكثر سكانا في العالم على غزو الثقافة الغربية للثقافات المحلية التقليدية في خضم عملية العولمة والرد على الأزمة الروحية التي تواجهها الأمة الصينية بتأكد الهوية الثقافية الذاتية.


جانب من الاحتفالات


جانب من الاحتفالات


جانب من الاحتفالات


جانب من الاحتفالات

مادة إعلانية

[x]