ضد التصور الأسطوري للشيطان «3»

27-9-2020 | 16:51

 

مثلما تجد تنوعًا في خيال مؤلفي الروايات والقصص والحكايات، تجد تنوعا في مؤلفي العقائد في كثير من الأديان التي يعتنقها كثير من الناس شرقا وغربا عن الشيطان وقوى الشر، ليس فقط فيما يعتنقه الكثيرون في الماضي، بل أيضا في الحاضر. وإذا اطلعت على عقائد كثير من الأديان عن الشيطان وقوى الشر سوف تجد الخيال جامحا في التوهم دون برهان حقيقي، وبطبيعة الحال تجد معتنقي هذه العقائد يتحدثون بيقين مطلق استنادا إلى فكرة التسليم لما قاله الأجداد أو رجال الدين الذين يوهمون الناس بالتقديس لشخصهم وأفكارهم.


وتجد الناس يتمسكون بتقديسهم على الرغم من أخطائهم وقصور علمهم، وربما على الرغم من تاريخهم المشبوه سياسيا. لكن الناس يقنعون أنفسهم ويتناسون ذلك لحاجتهم اللاشعورية لفكرة التقديس، مثل مشجعي كرة القدم الذين ينهزم فريقهم لكنهم يقنعون أنفسهم بأنه الفريق الأفضل! ومثل جمهور السينما الذي يلعب خياله دورا في التعاطف مع البطل على الرغم من أخطائه الكارثية!.

وموقف كثير من الناس مع عقائد كثير من الأديان مثل جمهور المسرح الذي لديه ميل داخلي في أن يصدق أن الرواية التي يشاهدها أمامه حقيقية حتى يستمتع بها على الرغم من أنه يعلم أنها مجرد خيال! وهذه المفارقة نفسها تجدها مع الناس في عقائدهم المزيفة لكن في شكل تعمل فيه آليات التقديس المزيفة دور البطل المحرك.

وتجد أن معتنقي العقائد الزائفة يستدلون على عقائدهم بمنظومة من الاستدلالات التي لا تفرق بين القرينة والدليل، بل لا يعرفون الفرق بين الدليل البرهاني والجدلي والخطابي والسفسطائي. ومن أسف تجد أن أغلب رجال الدين في كثير من الأديان التي يعتنقها الناس لا يعرفون الدليل البرهاني، والحقيقة التي يمكن أن أصدمك بها أن أدلتهم سفسطائية أو خطابية أو جدلية وكلها تقوم على مقدمات ظنية. لكنهم يدغدغون مشاعر العوام بألفاظ رنانة وباللعب على عواطف التقديس المزيفة التي تستحوذ على نفوسهم. وهي عواطف تقديس مزيفة لأن وجهتها إلى غير الله تعالى.

ولنعطي بعض الأمثلة على ذلك من عقائد بعض الأديان التي يقاتل معتنقوها من أجلها بوصفها حقيقة مطلقة. وسوف نجد في هذه الأمثلة أنه على الرغم من تنوع الخيال الجامح في معتقدات كثير من الديانات القديمة والتي لا يزال بعضها حيا حتى اليوم، أنه يوجد تيمة مشتركة بينها. وسوف تلاحظ معي -أيها القارئ الكريم- أنها التيمة المشتركة نفسها للصراع، مع اختلاف الشخصيات، في كثير من الأفلام السينمائية التي يقبل عليها الناس. حيث يشير أحد مؤرخي تاريخ المعتقدات الدينية، وهو مرسيا إلياد، إلى وجود :«خط مميز وشائع في كل هذه الأساطير، هو الخوف أو خيبة أولى للبطل…». لكن يعقب ذلك انتصار الإله أو البطل. ففي الديانات القديمة نجد «لازمة» ثابتة، هي عبارة عن معركة ضد إله أو شيطان غول أو أفعواني أو بحري «التنين»، والأمثلة على ذلك: المعركة التي دارت بين رع وأبوفيس في الديانة المصرية القديمة، والمعركة بين الإله السومري نيفورتا وأساج، والمعركة بين الإله مردوخ وتيمات في أسطورة الخلق البابلية، والمعركة بين الإله الحيثي والأفعى إلويانكا، والمعركة بين زيوس وتيفون في الديانة الإغريقية ، والمعركة بين البطل الإيراني ترايتورا والتنين ذي الرءوس الثلاثة. واتسمت كل هذه المعارك الأسطورية في تلك الديانات بفشل الإله في الجولة الأولى، ثم انتصاره في النهاية؛ فمردوخ، ورع، ترددا قبل دخول المعركة، وتوصلت الأفعى إيلويانكا لبتر عضو من الإله، وتمكن تيفون من قطع عرقوبي زيوس، وأسرع إندرا بالهرب عند رؤيته لفريترا، لكن كل هذه المعارك انتهت لصالح الإله ضد خصمه الشرير.

وتتصور الهندوسية المبدأ الأول للوجود على أنه البراهما الذي يتجلى في ثالوث إلهي:

1- البراهما «المذكر»، صاحب النشاط المنتج والمنجب، فاطر العالم، كبير الآلهة، الخ.

2- فشنو أو كريشنا، الذي يحفظ ويصون، والذي يتجسد فى أشكال كثيرة لا حصر لها.

3- شيفا الإله الشرير الذي يدمر. يبغض البشرية، ويسبب لها الكوارث والأمراض. وشريك عدد من الكائنات الشيطان ية. وصفاته متناقضة فهو بجانب الصفات الشريرة السابقة يوصف كذلك بأنه طبيب الأطباء، فسحره الغامض يمكن توجيهه نحو الأهداف الخيرة.

ويعبد الهندوس عضوه التناسلي فقط «اللنجا»، ويمثلون اللنجا فى شكل وثن وعلى هيئة تمائم ترمز إلى العلاقة الجنسية، ويلبسها بعض الهندوس فى العنق أو فى الذراع وتوجد أوثانه بكثرة فى معبد نياليز وغيره فى بنارس، وفى معابد شيفا بجنوب الهند. ويغسلون اللنجا كل يوم بماء نهر الجانج فى معبد رامشفارام، ثم يباع بعد ذلك للمتدينين! مثلما يباع الماء المقدس عند اليهود، ومثلما يباع الماء المقدس فى بعض بلدان أوروبا وغيرها. واللنجا تُعبد بطقوس تشتمل على صب الماء أو الزيت المقدس على حجر اللنجا، ثم يتم تزيينه بأوراق الشجر. وتوجد عبادة العلاقة الجنسية فى الهند منذ القدم وحتى الآن. ويعتقد الكثيرون أن «شيفا» هو الشيطان في الديانة الهندوسية نظراً لما يقوم به من أعمال شريرة، بينما يعتقد البعض أنه إله للشر وليس شيطانا شريراً بطبعه، لأنه يدمر ويهلك لاستمرار الحياة في هذا الكون.

وفي فارس اتخذ الشر شكلا إلهيا مزيفا أيضا؛ ففي ديانة زرادشت «660- 583 ق. م» المحرفة «الأصلية توحيدية وليست ثنائية كما تدل ترانيم زرادشت»، إيمان بنوع من ثنائية الإلهي: الأول باسم أهورامزدا، وهو الإله المضيء والظاهر فى ذاته، ونقيضه هو أهريمان، أى الظلام، وهو نجس فى ذاته. فمملكة النور لا تستقل وحدها بالعالم، وإنما تقف على النقيض منها مملكة الظلام، وعلى رأسها أهريمان. وينتمي إليها الشر الروحى والطبيعى، وكل ما هو هدام وسلبى. غير أنه غير مسموح لأهريمان إله الشر أن يوسع نفوذه ويبسط سلطانه، حيث إن العالم فى مجموعه يسعى إلى تدمير مملكة الظلام وإزالتها نهائيا، وتأمين حضور أهورامزدا وسيطرته على كل مناحي الحياة. ووفق هذا التصور لطبيعة الإلهي، تأتى العبادة فى الزرادشتية، حيث ينبغي على الإنسان أن يكرس حياته كلها من أجل مملكة النور، فيعمل على تطهير جسمه وروحه، وإشاعة الخير حوله، وأن يتعبد بالقول والفكر لأهورامزدا وكل ما هو منبثق عنه، ومحاربة أهريمان وكل نشاط منبثق عنه. إن المجوسي لا يوجه صلواته فقط إلى أهورامزدا، وإنما كذلك إلى جميع ما انبثق عنه تبعا لدرجته ومقامه من الطهارة والصلاح. فبعد الصلاة إلى أهورامزدا يصلى المجوسي إلى « الأمسشسباندات » وهى الانبثاقات الأولى لأهورامزدا والأكثر سطوعا وتجليا، والتي تحيط بعرشه، وتساعده فى حكم العالم!

وتستهدف الصلاة التي توجه إلى تلك الأرواح السماوية خواصها ومهامها بالتحديد، فإذا كانت من الكواكب، فإن الصلاة توجه إليها في زمن ظهورها، وترتفع الابتهالات إلى الشمس نهارا، وتختلف طبيعة الابتهالات تبعا لحالة الشمس، من شروق إلى تعامد إلى غروب. ويصلى المجوسى فى فترة الضحى لأهورامزدا فى المقام الأول حتى يزيد من سطوعه وتجليه، وعندما يأتي المساء يصلى توسلا لأهورامزدا من أجل أن تتم الشمس مسارها. وعندما جاء الإسلام نهى عن الصلاة في تلك الأوقات درءا للتشبه بالمجوس وحرصا على التفرد والتوحيد الخالص. (انظر كتابنا: مدخل إلى فلسفة الدين).

ويستمر الخيال الإنساني في ضلاله على حساب مساحة العقل النقدي. وهذا الأخير لا توجد له أي مساحة في عقول عنكبوتية تتعامل مع الدين بوصفه عصبية وانتماء قبليا. أما الإله الذي نؤمن به نحن فليس كمثله شيء، وهو لا يُهزم، لأنه أساسا لا يتعارك ولا يتصارع ولا يتنافس، فهو أكبر وأعلى وأجل من ذلك، ويجب أن يتوقف الإنسان عن المقارنة بين الله وبين أي شيء إيجابا أو سلبا، ويجب أن يتوقف عن تصوره على أنه على شاكلة الإنسان أو شاكلة أي شيء؛ فكل ما خطر على بالك بشأنه فإنه بخلاف ذلك. سبحانه وتعالى عما يصفون.

نقلا عن صحيفة الأهرام

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

مقالات اخري للكاتب

مادة إعلانية

[x]