جريمة إعلامية خطيرة!

27-9-2020 | 15:47

 

لم أستطع التعاطف مع الزوج الذي نسب إلى زوجته خيانته، وانجاب ثلاثة أطفال ليسوا من صلبه وأخذ عليها حكما بالحبس 3 سنوات في جريمة زنا ، فلم استسغ ما فعله من ظهور إعلامي كثيف، سواء على شبكات التواصل الاجتماعي أو القنوات التليفزيونية ، ليروى أدق تفاصيل الخيانة وكيف ضاع شقى عمره هباء منثورا.


ما الدافع؟ هل يثأر منها بفضحها على الاشهاد، وتجريسها كأنه يدور بها عارية في الشوارع ليشير إليها المجتمع كله: هذه هي المرأة الخائنة ؟ هل يفشى وجعه، بحثا عن تعاطف الناس ومد يد العون ليصبر على بلوته؟ هل هو في حالة ارتباك نفسي، فبات أشبه بمن يصرخ بأعلى صوته ويتقلب على جمر نار الوجيعة، ليتعب ويسقط من الإعياء فينزاح الوجع ولو مؤقتا؟ هل هو يستغيث بالمجتمع بعد أن نُسب إليه أولاد مزيفون بالوثائق والمستندات، ولم يسمح له القانون بنفي هذا النسب؟

إذا كان يثأر منها فهو فعلها، لكنه صلب نفسه أيضا على أبواب المدينة للداخل والخارج، فإذا كانت الفضيحة كانت محصورة بين مئة أو مئتي شخص، العائلات والجيران والغرباء الذين تابعوا المحاكمة التي خلصت إلى حبس الزوجة والعشيق 3 سنوات، فالفضيحة الآن كونية، أشبه بقنبلة انشطارية بين عشرات الملايين من البشر، وطارت بين أرجاء المعمورة وعرف بها كل ناطق باللغة العربية، وستظل تداعياتها تطارده مع الزوجة المدانة طيلة حياته، وبعد مماته، يرويها الناس مثلا للرجل الذي خانته زوجته 11 عاما وهو غافل عنها، وأنجبت له ثلاثة أبناء في الحرام. إذا كان يلهث وراء دعم مجتمعه، ليشده من الجُب المخيف الذي تسكنه عقارب الخيانة وتنهش عقله وقلبه ليل نهار، فهو كمن ينقب عن قطرة ماء في الربع الخالي من الصحراء، وقد تبتلعه رمالها الناعمة، فالمجتمعات في الشرق تعشق النميمة بقدر ما تعشق الحياة، وكلما مر على أي جماعة فيها، لن تكف عن الإشارة والهمس واللمز والابتسام الخبيث، ولن يمنحه الناس لحظة يرتاح فيها من بلوته، كأنهم يواسونه: ربنا يعينك، عمرك ما حسيت بأي شىء غربب تجاه العيال قبل ما تعرف الحقيقة، يا أخي حكايتك عجيبة وتخوف الواحد..وهكذا.

وإذا كان في حالة ارتباك نفسي وهو ما أرجحه، فكان عليه أن يطلب مساعدة طبية فورا، وهو رجل متعلم حاصل على شهادة جامعية ويدرك أن النفس كالبدن، يمكن أن تصاب بالعلل من الضغوط والتوترات الشديدة، وتحتاج إلى علاجات في الغالب تأخذ وقتا طويلا، لأن أمراض النفس اكثر تعقيدا، بسبب ما تحدثه من تغييرات كيميائية وكهربائية في الرأس، مركز التحكم. إما إذا كان هدفه هو التخلص من نسب الأولاد إليه، فقد سلك الطريق الخاطئ، فالفضيحة قد تصلح في إلغاء النسب اجتماعيا، لكن رسميا، ليس امامه سوى القانون، والقضية مازالت معروضة في المحاكم، وقرار محكمة الاسرة بأن الأطفال للفراش ليس نهائيا، والقانون يحدد وسائل إثبات نفي النسب بطرق عديدة له منها اثنتان: ـ أن تضع المرأة مولودها بعد مدة تزيد على سنة من غياب الزوج عنها، وهو من الناس الذين امضوا في الغربة سنوات وعلى جواز سفره تواريخ المغادرة والعودة وتواريخ ميلاد الأولاد.

ـ تقرير الطب الشرعي الذي يثبت أن البصمة الوراثية للأولاد لا تشترك مع البصمة الوراثية للمدعي. أي لا توجد مشكلة حقيقية، فقط الحل يلزمه بعض الوقت. ولن أتحدث عن الزوجة التي خرجت على الناس في فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي ، دفاعا عن نفسها، وسبا في زوجها، فأقل شىء لها أن تستر نفسها وتختفي عن الأنظار ، فالوجه المكشوف جدا لا يشرف صاحبته، خاصة بعد صدور حكم ضدها بالحبس، وهي هاربة الآن بأولادها، أي أن ثمة تحقيقات ومحكمة وقاضيا وقر في ضميره بالقرائن والشهود أن التهمة المنسوبة إليها قد فعلتها يقينا..فأي دفاع؟ وأي جرأة في مواجهة أدلة ومستندات من الطب الشرعي تنفي أن يكون هؤلاء الاولاد من صلب الزوج؟

باختصار لا الزوج ولا الزوجة التزما بالحديث الشريف: إذا بليتم فاستتروا، فالستر هنا أليق وأشرف، لاسيما أن البلوة مهينة ومُذلة، ليست لهما فقط، وإنما تمس عائلاتهما: آباء وأمهات وخالات وعمات وأقارب حتى الدرجة الرابعة، ولن يخفت أوارها أبدا، لأنها من الخطايا التي لا تعرف التسامح المجتمعي. لكن الأخطر منها هو ما صنعه الإعلام، فهو ارتكب جريمة قتل معنوى لكل هؤلاء عمدا، ومنح القضية صيتا ومصداقية، وبعد أن كانت مجرد حكاية مسلية على شبكات التواصل الاجتماعي ، زوج يشكو ويتألم ، قد نصدقه أو لا نصدقه، حولها الإعلام إلى قضية رأي عام، ومنح الفعل الحرام خلودا، لا يمكن أن يتوب منه الجناة، ويستحيل ان يغفره المجتمع.

ماذا يعني أن تأخذ القنوات الفضائية كاميراتها إلى بيت الزوج، ليروى منفردا نفس الوقائع التى رواها على شبكة التواصل الاجتماعي دون أي فرصة للطرف الآخر؟، فحق الرد مكفول وتصونه كل الأديان والقوانين. كيف يستمع مذيع مشهور للزوج في مكالمة تليفونية، في خلفيتها على الشاشة صورة الزوجة وصورة العشيق، ماذا يحدث لو ثبت أن البصمة الوراثية لصاحب الصورة مختلفة عن بصمة الأولاد؟، أو صدر حكم مستأنف بإلغاء حكم الزنا الابتدائي؟ نشر الصور في التليفزيون والصحف فعل غير قانوني وغير أخلاقي . هل يعقل أن يمضي الإعلام خلف شبكات التواصل الاجتماعي كفيفا يقوده أعور؟ قطعا لم يتابع أهل هذه الفضائيات الدراسات الحديثة التي ترصد مصائب شبكات التواصل الاجتماعي مقارنةً بمزاياها، ولم يروا الفيلم الوثائقي المعضلة الاجتماعية الذي صدر قبل فترة ويعدد ما ترتكبه تلك الشبكات، وقال فيه تريستان هاريس خبير مركز التكنولوجيا الإنسانية: كما تُبرز أشياء جيدة فهي تبرز الأسوأ فى المجتمع، وتجعل الكثير من الأشياء السيئة سهلة للغاية.


نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

مادة إعلانية

[x]