الجامعة العربية.. هل انتهى دورها؟

25-9-2020 | 11:36

 

< يعيش العالم العربى فترة من أصعب وأسوأ فترات تاريخه الحديث والقديم، ولا أدرى ماذا سيحكى التاريخ عن هذه الفترة .. وسط كل هذه الشواهد والأحداث ابحث عن مؤسسة عريقة تسمى جامعة الدول العربية .. أبحث عن دبلوماسى كبير هو الصديق أحمد أبو الغيط أمين عام الجامعة.. أبحث عن القمم العربية ومواقفها التاريخية فى الأحداث الكبرى.. أبحث عن زعماء عرب صالوا وجالوا فى أرجاء هذه الجامعة حين كانت للعرب شعوبا وحكاما مواقف تاريخية اهتزت بها أركان العالم.. أبحث عن الجامعة العربية ودورها الغائب تماما أمام سلسلة من الكوارث تحيط بنا من كل جانب..


< إن هذا الغياب لم يكن نتيجة أحداث قريبة فقط، ولكنه كان تاريخا من الهزائم والانكسارات .. لن ننسى مواقف الأنظمة العربية من الاحتلال الأمريكى للعراق ، وكيف ترك العالم العربى بغداد تسقط أمام جحافل الغزو الأمريكى .. إن موقف العالم العربى من جرائم أمريكا فى العراق سيظل وصمة عار فى جبين هذه الأمة..

< أمام حالة الضعف والهوان التى اجتاحت شعوب هذه الأمة بعد سقوط بغداد كانت بداية الانهيارات.. فكانت كارثة الحرب الأهلية فى سوريا وانقسم الشعب السورى على نفسه ودمرت الحرب أكبر المدن والآثار التاريخية وهرب الملايين من أبناء الشعب السورى إلى بلاد الله شرقا وغربا .. وفتحت الحرب الأهلية أبواب التدخلات الأجنبية، ودخلت قوات أمريكا وروسيا وإيران وفرنسا وتركيا، ووجدت إسرائيل فرصتها لضم الجولان رسميا بدعم أمريكى وصمت عربى .. ومازالت قوات الدول الأجنبية تعسكر فى قواعدها فى المدن السورية، وتسأل أين جامعة الدول العربية ولا تجد أحدا..

< لم يكن غريبا وسط هذه الانهيارات أن تظهر قوى جديدة تفرض نفوذها فتتجه إيران إلى دول الخليج وتقف مع النظام السورى ضد شعبه وترفض تهديدات أمريكا فى الخليج، وتصبح إيران بين يوم وليلة فى صدارة دول المنطقة .. ولم تكتف بنفوذها فى العراق وسوريا، ولكنها غيرت كل الحسابات وخاضت حربا دامية فى اليمن من خلال الحوثيين ومزقت الشعب اللبنانى على يد حزب الله..

< حين جاء الدور على أطماع تركيا اقتحمت حدود العراق واستولت على جزء من أراضيه ثم دخلت سوريا.. وما زال الطيران التركى يضرب كل يوم الأراضى العراقية والسورية أمام أعين العالم كله بما فى ذلك الصمت العربى فى كل هذه الكوارث والأحداث..

< لم تكتف تركيا بأطماعها فى سوريا والعراق، ولكنها قفزت قفزة مجنونة واحتلت ليبيا رغم أنه لا توجد حدود بين البلدين، ولكن البترول الليبى أغرى أطماع تركيا .. وفى قفزة أخرى هبط الجيش التركى ليسيطر على أموال الشعب القطرى ويحولها إلى مركز تهديد واختراق لدول الخليج.. وتحولت قطر بدعم تركى إلى مركز لتمويل الإرهاب فى الدول العربية وأنفقت أموال شعبها فى قتل الأبرياء، وتهديد أمن العواصم العربية..

< من كان يصدق أن يواجه العالم العربى كل هذه التحديات والأطماع وهو يعيش أكثر الفترات فى تاريخه ثراءً وجيوشا وقوة لقد انهارت الجيوش وضاعت الثروات، وبدأت رحلة التراجع والتهميش والانقسامات ومن هنا بدأت دول العالم تتجه نحو الغنائم..

< كانت إسرائيل أكبر الفائزين حين قدم لها الرئيس ترامب «القدس» هدية رأس السنة، واكتفى العالم العربى بالصمت المريب حتى الشعوب نسيت مواقفها القديمة فى الرفض والتظاهر.. إن صمت العالم العربى على ضياع القدس واحدة من كبرى جرائم العصر فى حق الشعوب، وسوف يظل عارا يطارد العرب.. ولم تتوقف هدايا الرئيس ترامب لإسرائيل على القدس مدينة السلام، ولكنه قدم «الجولان» القطعة الذهبية التى تمثل حلما من أحلام إسرائيل الأبدية، ولم تنته هدايا الرئيس ترامب لإسرائيل، ولكن كانت خطته للسلام آخر ما ينتظره ترامب لكى يكون هدية فوزه فى الانتخابات الأمريكية..

< تتابعت الأحداث و العالم العربى يفقد كل يوم شيئا من دوره وقدراته وثرواته وشعوبه وأرضه فى سنوات قليلة.. انهارت دول وتهدمت مدن وهربت شعوب من بلادها .. من يعيد لهذه الأوطان أمنها واستقرارها ويعيد لها أصحابها.. ومن يعيد بناء ما خربت الحروب وما تركت أيدى الدمار..

< آخر ما بقى لهذه الأمة المنكوبة هى الآن انقسامات الشعوب على بعضها .. ويكفى أن تشاهد معارك الإعلام ومواقع التواصل غير الإنسانى وما يجرى من الصفقات حول آخر ما بقى لهذه الأمة من القدرات.. إن معركة التطبيع الآن هى آخر المعارك بين العرب وإسرائيل، إن إسرائيل تكتفى بالعمل والإنجاز والعرب لا يملكون غير الصراخ..

< جاء الإرهاب على يد تركيا وقطر وانتشرت فلول داعش من المرتزقة لتصبح قوة دموية تحتل ليبيا، وتهدد كل العواصم العربية بأموال قطرية وقوات تركية، وتقف الشعوب العربية حائرة ما بين الإرهاب وأطماع القوى الغازية ومشروع إسرائيل فى قلب العالم العربى ..

< لقد بدأت كلامى بما يشبه العتاب للصديق أحمد أبو الغيط وهو يعلم كم أقدره، ولكننى كنت أبحث عن شاطئ أبثه همومى وإحباطاتى.. وأنا أعلم كثيرا عن الظروف والتحديات التى تواجهها جامعة الدول العربية .. حتى إن البعض يطالب بإغلاقها فى الظروف الحالية أو البحث عن صيغة أخري، أو مؤسسة بديلة يمكن أن نبنى من خلالها مستقبلا وأوطانا وشعوبا أخرى..

< لقد كان غياب جامعة الدول العربية عن قضايا وأزمات الشعوب العربية من أخطر الجوانب السلبية فيما جرى من الأحداث.. رغم أن أمينها العام كان يبذل جهودا كثيرة على المستوى الشخصي، وإن كان دوره قد غاب تماما عن كل ما حدث فى ليبيا واليمن وسوريا والعراق وحتى فى كارثة لبنان كان دور فرنسا أكبر وأهم من كل الدول العربية..

< إن معركة التطبيع مع إسرائيل وفتح العواصم العربية أمام الصفقات والمعاهدات الجديدة سوف يزيد من جراح شعوبنا، خاصة أن هناك أطرافا تسعى لأن تحتكر المواقف، وتفرض على الشعوب العربية واقعا جديدا..

لا أحد يعرف موقف جامعة الدول العربية فى كل ما حدث فى الفترة الأخيرة، خاصة أن هناك شعبا تسلب حقوقه وأرضه أمام صمت عربى مهين..

< إن أخشى ما أخشاه أن ينتهى الصراع العربى ــ الإسرائيلى إلى صراع عربى عربى تحت رعاية جامعة الدول العربية ..

< إن السؤال المحير الآن وسط حالة الانقسام والتشرذم، هل يمكن أن تستعيد جامعة الدول العربية دورها وتسهم فى عودة وحدة الصف العربى..
هل يمكن أن تصفى الجامعة الخلافات العربية، وأن تعيد الأسراب الشاردة..

< كيف ستواجه الجامعة العربية ما حدث من تصادم فى المواقف حول قضية السلام مع إسرائيل، ومواكب التطبيع التى تهرول نحو تل أبيب.. وماذا ستفعل القوى الفلسطينية، وهى الآن تجنى ثمار الصراعات والمعارك والخصومات بينها، وظهر من وجدناه يطالب بتعويض أموال يهود خيبر فى عهد رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام.. وأن تقام سفارات لإسرائيل فى العواصم العربية بدلا من سفارات فلسطين كلام لا يستحق الرد.

< لقد انسحبت السلطة الفلسطينية من رئاسة الدورة الحالية للجامعة العربية احتجاجا على ما يجرى الآن من صفقات ومعاهدات سلام بين العرب وإسرائيل على حساب القضية الفلسطينية والشعب الفلسطينى فأين جامعة الدول العربية من ذلك كله..؟!.

< أصبح الآن من الضرورى أن تتكشف كل الأوراق، أما الصفقات السرية والتنازل عن حقوق الغير فالقضية يجب أن يكون للجامعة العربية موقف واضح فيها..

< إذا كانت الجامعة قد غاب دورها فى كل القضايا والكوارث التى حلت بالشعوب العربية طوال السنوات الماضية فإن القضية الفلسطينية آخر ما بقى للجامعة لكى تؤكد دورها.. خاصة أنها لم تتحرك أمام واقع سياسى جديد يفرض نفسه تحت دعاوى السلام والتطبيع ابتداء بقضية القدس وانتهاء بخطة ترامب للسلام وتوابعها..

< إن قضية فلسطين كانت يوما قضية العرب كل العرب..فأين تقع الآن؟!

< إننى أشفق على أحمد أبو الغيط أمام كل هذه المتغيرات والتحديات وقضايا الشعوب التى لا يستطيع أحد تجاهلها..

ويبقى الشعر

مَاذا تـَبـَقـّى مِنْ بلاد الأنـْبَياءْ..
ماتتْ من الصَّمتِ الطويل خٌيولنا الخرْساءْ
وَعَلى بقايا مجدِها المصْـلـُوب..
ترتعُ نجْمة ٌسوداءْ
فالعَجْزُ يحْصُدُ بالرَّدى أشجَارَنا الخضْرَاءْ
لا شَيْءَ يبْدُو الآن بيْنَ ربٌوعنـَا
غيْر الشـَّـتاتِ.. وفرقـة الأبناءْ
والدَّهرُ يرسُمُ
صُوْرة العجْز المهين لأمَّةٍ
خرجَتْ منَ التاريخ
واندفعتْ تهَرْولُ كالقطيع..
إلى حِمَى الأعدَاءْ ..
فى عَيْنها اختلطتْ
دماءُ النـَّاس.. والأيَّام.. والأشـْياءْ
سكنتْ كهُوفَ الضَّعْفِ
وَاسترختْ على الأوهَام..
ما عَادَتْ ترى المْوتى من الأحْيَاءْ
كـُهَّانـُها يترنـَّحُونَ على دُرُوب العَجْز..
ينتفضُونَ بَيْنَ اليأس.. والإعْيَاءْ
<<<
مَاذا تبقـَّى منْ بلادِ الأنبياءْ ؟
منْ أيِّ تاريخ ٍ سنبْدأُ
بعْد أنْ ضاقـَتْ بنا الأيَّامُ
وانـْطفأ الرَّجَاءْ
يَا ليَـلة الإِسْراءِ عُودِى بالضِّياءْ
يَتسلـَّـلُ الضَّوْءُ العنيدُ من البَقيع
إلى رَوَابى القـُدْس..
تنـْطلق المآذنُ بالندَاءْ
وَيُطلُّ وجْهُ مُحمَّد
يَسْرى به الرَّحمنُ نـُورًا فى السَّمَاءْ ..
اللهُ أكـْبَرُ منْ زَمَان العَجْز ..
منْ وَهَن القــُلـُوبِ.. وَسَكرَةِ الضُّعفـَاءْ
اللهُ أكـْبرُ من سٌيوفٍ خانـَهَا
غدْرُ الرِّفاق .. وخسَّة الأبْنـَاءْ
جلبَابُ مَرْيَمَ..
لمْ يزلْ فوْق الخليل يُضيءُ فى الظلمَاءْ
فِى المهْد يَسْرى صَوْتُ عيسَى..
فى رٌبوع القدْس نهْرًا منْ نقاءْ
يا ليْـلة الإسْراء عُودى بالضِّيَاءْ
هُزّى بجذع النـَّخـْـلةِ العَذراءْ
يسَّاقط الأملُ الوليدُ..
على رٌبوع القدْس..
تَنـْتفِضُ المآذِنُ.. يُبعثُ الشُّهَدَاءْ
تتدفَّقُ الأنهَارُ .. تشـْـتعلُ الحَرَائقُ..
تستـْغيثُ الأرْضُ..
تهْدرُ ثوْرَة الشرفـَاءْ
ياليْـلة الإسْراءِ عُودى بالضِّياءْ
هُزِّى بجذع النـَّخلةِ العذْراءْ
رَغْمَ اختناق الضَّوْء فى عَيْنيِ
وَرَغْم الموتِ .. والأشلاءْ
مَازلتُ أحْـلمُ أن أرَى قبل الرَّحيل..
رَمَاد طاغيةٍ تناثرَ فى الفضَاءْ
مَازلتُ أحْـلمُ أن أرى فوْق المشانِق..
وَجْهَ جلادٍّ قِبيح الوجْهِ تصفعُهُ السَّمَاءْ
مازلتُ أحْلمُ أن أرى الأًطفَالَ
يقتسِمُون قُرْص الشـَّمْسِ
يخـْـتبئون كالأزْهَار فى دِفْءِ الشـِّتاءْ
مَازلتُ أحْـلمُ..
أنْ أرى وطنـًا يعانقُ صَرْختِى
وَيثورُ فى شَمَم ٍويرْفضُ فى إباءْ
مَازلتُ أحْـلمُ
أنْ أرَى فى القـُدْس يوْمًا
صَوْتَ قـُدَّاس ٍ يُعانقُ ليلة الإسْرَاءْ
وَيُطلُّ وجْهُ الله بَيْن رٌبوعِنا
وتعودُ أرضُ الأنبياءْ


* نقلًا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

مادة إعلانية

[x]