حوكمة الاستثمارات العامة

23-9-2020 | 14:55

 

يعد تراجع الاستثمارات الخاصة وكذلك انسحاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة من الاسواق المحلية، من أهم الأثار السلبية الناجمة عن جائحة كورونا ، الامر الذى تطلب زيادة الاستثمارات العامة، خاصة فى قطاعات التنمية الاجتماعية والبنية الأساسية،وذلك للحفاظ على معدلات نمو معقولة، تحقق الأهداف التنموية للبلاد. ومما يزيد من أهمية هذه المسألة ماخلصت إليه دراسة الاسكوا عن المضاعف المالى للإنفاق الحكومى، من ان زيادة الإنفاق الاستثمارى نحو مليون جنيه تسفر عن زيادة فى الناتج المحلى الإجمالى بمقدار 344 الف جنيه فى تسعة اشهر، وذلك على الرغم من تحجيم السياسة النقدية الانكماشية، التى اتبعها البنك المركزى، لقيمة هذا المضاعف.


وهنا تشير خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية عن العام المالى 2020/2021 الى تراجع الاستثمارات الكلية المتوقعة من 840 مليار جنيه عام 2019/2020 الى 740 مليارا عام 2020/2021، تمثل الاستثمارات العامة منها 595.6 مليار بنسبة 80.5% وبالتالى تراجع معدل النمو المتوقع الى 3.5%. ونظرا لهذه الزيادة الكبيرة فى الاستثمارات العامة فان العمل على ضمان كفاءتها وفعاليتها يصبح ضروة أساسية خاصة فى ظل محدودية الموارد العامة. وهنا يشير صندوق النقد الدولى الى ان البلدان تهدر فى المتوسط مابين 30% و50% مما تنفقه على البنية الاساسية بسبب عدم الكفاءة «53% للبلدان منخفضة الدخل و34% للاقتصادات الصاعدة و15% لدى البلدان المتقدمة». وهو ما يتطلب تصميم نظام رشيد لحوكمة الاستثمارات العامة، خاصة انها غالبا ماتكون فى مشروعات ضخمة ومرتفعة التكلفة وطويلة الأجل. فسوء تنظيم الاستثمارات العامة يؤدى إلى تقليل المنافسة والحد من المتقدمين للعطاءات الحكومية، مما يزيد من التكاليف والأعباء على الخزانة العامة.وهو لا يقلل فقط من حجم الاستثمارات الجديدة والقائمة وفاعليتها، بل يؤثر أيضا على الاستثمارات الخاصة «المحلية والأجنبية»، مما ينعكس سلبا على النمو الاقتصادى بالبلاد. كما يؤدى إلى سوء اختيار المشروعات وتغيير أولوياتها من جهة وعدم المتابعة الجادة والمستمرة لهذه المشروعات خلال فترة التنفيذ من جهة أخرى، فضلا عن عدم إدراج بعض الأعمال الضرورية ضمن بنود العقود ومن ثم المغالاة فى أسعارها بعد ذلك. أو عدم تهيئة الموقع للعملية الاستثمارية مما يؤدى إلى تأخر التنفيذ وارتفاع التكلفة والبطء فى العملية.وهو ماأشار إليه الجهاز المركزى للمحاسبات فى تقاريره المختلفة عن الحساب الختامي.

ومن ثم يسهم الوضع السابق فى تدنى كفاءة الاستثمارات العامة وإضعاف مستوى جودتها من جهة. وزيادة حجم المخزون السلعى من جهة أخرى. حيث تؤدى هذه العملية إلى شراء أصناف من السلع موجودة بالمخازن بالفعل بدلا من السحب من المخزون، مما يؤدى إلى تكدس السلع بالمخازن وعدم الاستفادة منها. وهنا تشير الإحصاءات الختامية الى أن قيمة موجودات المخازن بلغت 362 مليار جنيه فى نهاية يونيو 2019 وذلك مقابل 50.8 مليار فى يونيو 2001. وهى أمور تؤثر بالسلب على مالية الدولة، خاصة ان هذه الأصول تتعرض للضياع وفقدان قيمتها سنة بعد أخرى.

وكان من الطبيعى فى ظل هذه الآثار السلبية أن تحظى حوكمة الاستثمارات العامة، بالاهتمام العالمى جنبا إلى جنب مع الاهتمام المحلى، ويرجع السبب فى ذلك إلى التشابكات والتداخلات التى أصبحت السمة الأساسية للاقتصاد العالمى فى ظل العولمة الحالية. وفى هذا السياق جاءت اتفاقية الأمم المتحدة ضد الفساد، والتى طالبت بضرورة وضع نظام للمشتريات الحكومية شفاف وتنافسى وقائم على معايير موضوعية بحيث يصبح فعالا فى منع الفساد. ولذلك طالبت ببعض الإجراءات مثل تعميم ونشر المعلومات المتعلقة بإجراءات وعقود الشراء، والقيام مسبقا بنشر شروط المشاركة وقواعد المناقصة الحكومية، مع استخدام معايير موضوعية والتنظيم الرقابى للأمور. ولم تكن مصر بعيدة عن هذه المسألة، بل على العكس قامت الحكومة ببعض الإجراءات فى هذا المجال عن طريق إلغاء القانون رقم 89 لسنة 1998 بشأن تنظيم المناقصات والمزايدات الحكومية، وإصدار قانون تنظيم التعاقدات التى تبرمها الجهات العامة الصادر بالقانون رقم 182 لسنة 2018 والذى اخذ بفلسفة جديدة تستند إليها نظم المشتريات الحكومية وتحقق الكفاءة الاقتصادية وتبسيط الإجراءات وتعظيم العائد من الإنفاق العام، وكذلك تفعيل قدرات وطاقات العنصر البشرى وإعادة تأهيل وتدريب الفئات والأجهزة المرتبطة بها بما يساعد على الحد من الفساد فى هذه العملية وتوسيع قاعدة المنافسة وتدعيمها.كما أصدر رئيس مجلس الوزراء العديد من القرارات المهمة فى هذا الصدد كان أخرها القرار رقم 1769 لسنة 2020 الخاص برفع كفاءة الانفاق الحكومى .

وعلى الرغم من ذلك فهناك عدة أمور تتطلب وضع أطر جديدة ونظم مختلفة تتوافر لها المؤسسية والآليات المناسبة التى تمكنها من التعامل السليم مع الأجهزة الحكومية ومساءلتها ومحاسبتها. من هذا المنطلق نرى أن ضرورة العمل على تجنب وضع الحواجز غير الضرورية التى قد تقلل من عدد مقدمى العطاءات عن طريق وضع حدود دنيا من الشروط تتناسب مع حجم ومحتوى العقود. التأكد إن أمكن من أن المبالغ المطلوبة للعطاءات توضع بشكل مناسب للجميع ومتسقة مع الهدف المراد الحصول عليه. فضلا عن تسهيل إجراءات التقدم للمزايدات الحكومية والسماح لها بوقت كاف لكى تتمكن من تقديم العطاءات، مع العمل على نشر التفاصيل من خلال الصحف والمواقع الإلكترونية. مع تحديد الشروط بأقصى قدر ممكن من الوضوح والشفافية عند طرح المناقصة وتحديد المواصفات بما يسمح بوجود منتجات بديلة كلما أمكن ذلك. وضع أطر وقواعد واضحة تضمن لكافة الأطراف حقوقها وتتيح تأدية الخدمة الحكومية فى أقصر وقت وبأقل تكلفة وبأعلى مستوى من الإنتاجية. جنبا الى جنب مع القضاء على التعارض والتداخل القائم حاليا فى القوانين السائدة حاليا. وكلها أمور تهدف إلى خفض التكاليف ورفع الكفاءة الإنتاجية والتخلص من أعباء البيروقراطية الحكومية التى تحد كثيرا من فاعلية هذه المسألة، وتعزيز المنافسة والشفافية فى الاستثمارات العامة والحد من مخاطر التواطؤ.


نقلا عن صحيفة الأهرام
 

مقالات اخري للكاتب

القطاع الخاص والتشغيل في زمن الـ «كورونا»..

هل فشل الرهان على القطاع الخاص فى التعامل مع مشكلات سوق العمل؟ هذا هو التساؤل المطروح الآن على الساحة المصرية فى ظل التطورات الأخيرة. خاصة فى ظل السياسة

الحد الأدنى للأجور.. والقطاع الخاص

الحد الأدنى للأجور.. والقطاع الخاص

الأجور في مصر بين التساوي والمساواة

الأجور في مصر بين التساوي والمساواة

انخفاض التضخم.. الأسباب والمحاذير

انخفاض التضخم.. الأسباب والمحاذير

الصندوق السيادى والأصول غير المستغلة

الصندوق السيادى والأصول غير المستغلة

الإجراءات الضريبية ومناخ الاستثمار

وافق مجلس النواب فى جلسته الأخيرة على العديد من مشروعات القوانين المهمة يأتى على رأسها قانون الإجراءات الضريبية الموحد، الهادف إلى توحيد الإجراءات على

الروبيكى وإعادة إحياء صناعة الغزل والنسيج

الروبيكى وإعادة إحياء صناعة الغزل والنسيج

الصناعة المصرية بعد جائحة كورونا

الصناعة المصرية بعد جائحة كورونا

تشجيع الاستهلاك والنمو الاقتصادى

تشجيع الاستهلاك والنمو الاقتصادى

[x]