تعرف على أمين هذه الأمة

22-9-2020 | 19:58

رجال حول الرسول - أرشيفية

 

صبري زمزم

أبو عبيدة عامر بن الجراح من المسلمين الأوائل السابقين بالإيمان، وكانت أبرز أخلاقه الأمانة، قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": «إنَّ لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ».


قتل أباه يوم بدر

وكانت له مواقفه عند البلاء والابتلاء، من أشدها أنه يوم بدر-كما في "حياة الصحابة للكاندهلوي"- قتل أبو عبيدة بن الجراح أباه، قال ابن شَوْذَب: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح يتصدّى لابنه أبي عبيدة -رضي الله عنه -يوم بدر، فجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر قَصَدَه أبو عبيدة فقتله.

فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية حين قتل أباه:{لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (سورة المجادلة، الآية: 22)

كسرت ثنيّتاه فداء لرسول الله

وها هو يوم أحد يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وقد كُسرت رَباعِيتَه، وشُجَّ في وجهه، وقد دخلت في وجنته حلقتان من حَلَق المِغْفَر. فعض عليها أبو عبيدة بأسنانه فاستخرج إِحدى الحلقتين، وكسرت ثنيّته مع الحَلْقة. وذهب أبو بكر ليصنع ما صنع فقال: أقسمت عليك بحقِّي لمَّا تركتني.، ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى، فكسرت ثنيّته الأخرى مع الحلقة؛ فكان أبو عبيدة - كما قال أبو بكر الصديق -من أحسن الناس هَتَماً.

وكان لأبي عبيدة مكانة خاصة عند الرسول، فعن عمرو بن العاص -رضي الله عنه -قال قيل: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-أيُّ النساء أحب إليك؟ قال: «عائشة»، قال: ومن الرجال؟ قال: أبو بكر» قال: ثم من، قال: «ثم أبو عبيدة»، أما سبب تلك المكانة فيوضحها شهادته عليه الصلاة والسلام بحسن خلق أبي عبيدة رضي الله عنه، فعن الحسن -رضي الله عنه -أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-قال: «ما من أحد من أصحابي إلاَّ لو شئت لأخذت عليه في خُلُقه إلا أبا عبيدة بن الجراح».

رفضه الخلافة

وبسبب هذه المكانة قدمه أبو بكر ليبايعه بالخلافة ولكنه في أدب جم رفض.

فقد بعث أبو بكر بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم-إلى أبي عبيدة - -رضي الله عنه -- وقال له هلمَّ حتى أستخلفَك؛ فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-يقول: «إنَّ لكل أمة أميناً، وأنت أمين هذه الأمة». فقال أبو عبيدة: ما كنت لأقدُم رجلاً أمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم-أن يؤمَّنا.

وكان لأمانته هو خازن بيت المال؛ ولما بويع أبو بكر -رضي الله عنه -أصبح وعلى ساعده أبراد وهو ذاهب إلى السوق، فقال عمر رضي الله عنه: أين تريد؟ قال: السوق، قال: تصنع ماذا وقد وُلِّيت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ فقال عمر: انطلق يفرض لك أبو عبيدة، فانطلقا إلى أبي عبيدة فقال: أفرض لك قوت رجل من المهاجرين ليس بأفضلهم ولا بأقلهم، وكسوة الشتاء والصيف، إذا أخلقتَ شيئاً رددته وأخذت غيره، ففرضا له كل يوم نصف شاة، وما كساه في الرأس والبطن.

فكان أ ول من خصص راتبا لخليفة .

تقدير عمر بن الخطاب له

أما تقدير عمر بن الخطاب له، فلا يقل عن تقدير أبي بكر؛ فعن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -قال لأصحابه: تمنَّوا، فقال أحدهم: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت دراهم فأنفقها في سبيل الله. فقال: تمنَّوا، فقال آخر: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت ذهباً فأنفقها في سبيل الله. قال: تمنَّوا، قال آخر: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت جوهراً - أو نحوه - فأنفقه في سبيل الله. فقال عمر: تمنَّوا، فقالوا: ما تمنينا بعد هذا، قال عمر: لكني أتمنى أن يكون ملء هذا البيت رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم فأستعملهم في طاعة الله.

وقال مَعْمَر: لما قدم عمر الشام تلقَّاه الناس وعظماء أهل الأرض، فقال عمر: أين أخي؟ قالوا: مَنْ؟ قال: أبو عبيدة، قالوا: الآن يأتيك. فلما أتاه نزل فاعتنقه ثم دخل عليه بيته فلم يرَ في بيته -وهو أمير الشام- إلا سيفَه وترسَه ورَحْله.

وعن عبد الله بن قيس أو ابن أبي قيس قال: كنت فيمن تلقَّى عمر -رضي الله عنه - مع أبي عبيدة -رضي الله عنه -عند مَقْدَمه الشام، فبينا عمر يسير، لقيه أناس من أهل أذرعات بالسيوف فقال: مَهْ، ردُّوهم وامنعوهم، فقال: أبو عبيدة رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين هذه سنة العجم، فإنَّك إن تمنعهم منها يروا أن في نفسك نقضاً لعهدهم، فقال عمر: دعوهم، عمر وآل عمر في طاعة أبي عبيدة.

وفاته

ولما اشتعل الطاعون بالناس قام أبو عبيدة -رضي الله عنه -في الناس خطيباً فقال: أيها الناس، إنَّ هذا الوجع رحمةٌ بكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم لأبي عبيدة حظَّه. فأصيب بالطاعون فمات، واستخلف على الناس معاذ بن جبل رضي الله عنه.

وصيت أبو عبيدة للمسلمين

وقد أوصى المسلمين وصية غالية، فعن سعيد بن المسيِّب قال: لما طُعِن أبو عبيدة -رضي الله عنه- بالأردن دعا من حضره من المسلمين وقال:«إنِّي موصيكم بوصية إن قبلتموها لن تزالوا بخير: أقيموا الصلاة، وصوموا شهر رمضان، وتصدَّقوا، وحجُّوا، واعتمروا، وتواصَوا، وانصحوا لأمرائكم ولا تَغَشوهم؛ ولا تلهكم الدنيا، فإنَّ امرأ لو عُمِّر ألف حول ما كان له بدٌّ من أن يصير إلى مصرعي هذا الذي ترون، إن الله تعالى كتب الموت على بني آدم فهم ميتون، فأكْيَسهم - أي أذكاهم - أطوعهم لربه، وأعملهم ليوم معاده. والسلام عليكم ورحمة الله ».

...رحم الله أمين هذه الأمة.

مادة إعلانية

[x]