[x]

آراء

حدائق الفيس بوك

23-9-2020 | 01:40

في جلسة خاصة جمعتني بالأستاذ السيد ياسين في معرض القاهرة الدولي للكتاب سألته: كيف يرى استعاضة المصريين عن اللقاء المباشر الحميم بإرسال التهاني والتعازي عبر الفيسبوك والواتس آب.. واستعجالهم نشر ما يصل إليهم من أخبار أو أحاديث عفوية على صفحاتهم بسرعة، من دون فحص أو تمهل، وكأنهم ينجزون عملًا مطلوبًا منهم؟!

فقال لي: إن ما تراه يمثل أحد صور عدم المسئولية المجتمعية، وهي حالة تزداد وتتراكم بأشكال مختلفة، لكنها تشمل الجوانب الفكرية والسياسية، وخطورتها ليست في الاستغناء عن الأدوار المجتمعية ، إنما في إعادة إنتاج الادعاء والكذب.

بعد ذلك ينقلنا الروائي الإيطالي " إمبرتو إيكو " إلى مستوى آخر، عندما قال لصحيفة إيطالية عن مستخدمي الفيس بوك: إنهم فيالق من الحمقى، أولئك الذين يستخدمون وسائل التواصل وكأنهم يثرثرون في الحانات، وباتوا يتسببون في ضرر للمجتمع.

اتفقت مع السيد ياسين ومع صاحب رواية "اسم الوردة" ومازلت.. كما جذبني الدكتور محمد أبو الغار فيما كتب أخيرًا في مقاله في "المصري اليوم" عن "إغراء" الفيس بوك، واعتباره أعجوبة القرن الواحد والعشرين، وعن أن صفحاته " سوق مفتوحة للجميع "، داعيًا الأذكياء إلى أن يأخذوا حذرهم..

وقبل عامين كتب خبير التحول الرقمي م. زياد عبدالتواب في جريدة "روزاليوسف"، عما أسماه "بارانويا فيس بوك"، مهتمًا بالأجيال الجديدة التي شبت فوجدت شبكات التواصل الاجتماعي، من حيث حاجتهم لـ"توجيه مستمر ورعاية قد تصل إلى حد العلاج النفسي السلوكي للخروج من تلك الفقاعة والعودة للتفاعل كأشخاص أسوياء".

لابد من الاعتراف بجوانب إيجابية، وعلى المستوى الشخصي عثرت على أصدقاء لم أكن في استطاعتي الوصول إليهم إلا بهذه الوسائل العجيبة، كما تمكن أصدقاء من الوصول إلى بالطريقة نفسها.

ولازلت أؤمن بأن الوسائل القديمة كانت أكثر رصانة وحكمة وتقديرا وحميمية، وأننا كنا نقوم بوظائفنا نفسها، ونبلغ أقاربنا وأصدقائنا بالحوادث التي تمر بنا، قطعًا أقل سرعة من الآن، وقد تفوتنا أخبار، لكن الحياة كانت أكثر خصوصية، وكنا نتابع كذلك الحوادث الشهيرة والأخبار العامة المثيرة، وسيل الشائعات لمن يرغب لم ينقطع يوما.

أتمنى عودة تلك الحياة، وزوال الوسائل الجديدة التي ما إن تهتم بها حتى يضيع الوقت والجهد، بعكس ما بشرونا من أنها ستوفرهما.. وعلى الرغم من ذلك فإنه ينبغي رصد ظواهر عدة في هذه المسألة الشائكة، لأن مواقع الفيسبوك والواتس آب وأمثالهما مستمرة، وقد يُستحدث ما هو أخطر منها، وأصبح التعاطي معها واستخدامها حتميًا، أو يكون المرء خارج حركة التاريخ:

أولًا: ساهمت هذه الوسائل في إقصاء التخصص فالكل يتكلم في كل شيء.. والكتاب أكثر من القراء، أو أن هذه الكتابة لدى الكثيرين أكثر من محاولة القراءة أو الفهم والتمعن.. وقد يفهم البعض من هذه الملاحظة أنها رغبة في استمرار احتكار النخبة للمعرفة، وبقاء القراء متلقين كما هم.

ثانيًا: ويرتبط بذلك عدم التقدير للكتاب أو انتظارهم.. وكأن الجهد المعرفي والعلمي لدى الكتاب غير ضروري، كتبوا أم لم يكتبوا.. وقد عشنا زمنا كنا ننتظر مقالات كبار الكتاب الأسبوعية أو أعمدتهم اليومية لتثبيت قناعتنا أو هدمها، للتسامح أو الغضب، ولتطوير فهمنا للقضايا الكبرى منها أو المجتمعية المحدودة.

ثالثًا: الحوار على الفيسبوك ليس له مبادئ أو شروط، مع كثرة المدعين، الذين لو كان للكلمات سعر، كما كان قديما في زمن التلغراف، لماتوا من الفقر.

رابعًا: الإلحاح من البعض في طلبات الصداقة وفرض شروط وتهديدات أو توجيه السباب لك إن لم تقبل "رزالات" بعينها.

خامسًا: وكما أن هناك إيجابيات في معرفة أصدقاء قدامى ومتابعتهم فإن بعض الإيجابيات العامة أو الأخبار المفرحة قد تأتي مثلما حدث في واقعتين قريبتين، بائع الفريسكا وسيدة القطار.. وبغض النظر عن التمادي في تحليل الواقعتين، فإنهما كانا وراء السعادة والارتياح عند كثيرين، من أن الخير يبقى والأحلام ممكنة.

سادسًا: قناعات الكثيرين بالفيسبوك لدرجة الإدمان حولته ليس فقط نافذة مجتمعية إنما مصدرا للأخبار وإطلاق الأحكام العامة وأحيانا للفساد الأخلاقي.

هذه الظواهر تكاد تقول بإن العالم لم يتغير على الإطلاق وإنه يعيد إنتاج نفسه بوسائل جديدة عند كل تحول أو انعطافة حضارية أو تطور علمي.

وعلى الرغم من أن المواقع الإلكترونية للصحف كلما تقدمت وتحسنت تراجع التوزيع الورقي، فإن الفيسبوك أجهز على بقية من أمل في استعادة القراء.

لقد أصبح الفيسبوك ملتقى مميز للكتاب والقراء على مختلف ثقافاتهم، وسببًا في تزايد أهمية كل منهم، ورؤيته لذاته، وأحيانا انتفاخهم، مع وجود مميز للبعض، وإتاحة فرصة لمن كان يحلم بها ولا يجدها.. وأصبح محتوى للشأن العام والخاص، وبالتالي لم يعد أحد يقرأ الصحف والمجلات إلا مضطرا.. وهنا تتبلور أسئلة مشروعة حول الكتاب والمؤلفين وجدارتهم بمتابعة القراء لهم، وحول الصحافة وقدرتها على إنتاج سلعة مميزة، وحول الولوج طوال الوقت إلى  حدائق الفيسبوك ، رغم أن صفحاته والوقت المهدر فيه، باتت وظيفة بلا أجر.

في ذكرى تسلم نوبل

كان نجيب محفوظ الأديب العربي الأول والأخير الذي يحصل على جائزة نوبل في الأدب.. ربما تسعى الجائزة لكتاب آخرين من أدبائنا يستحقون نوبل باقتدار، ولكن لست

رسائل ميدان التحرير

رسائل ميدان التحرير

لائحة بايدن

هناك أكثر من رأي يتناول الموقف المنتظر من الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، من مصر ودول عربية أخرى، فور دخوله إلى مكتبه في البيت الأبيض، بعد حسم الأزمة الحالية..

الحقيقة المطلقة

فجأة ومن دون مقدمات تأتي من الخلف سيارة تكاد تعمي من هم أمامها بأنوارها ومسرعة بشكل جنوني وغالبا تأتي عن يمينك مع أنه من المفترض أن من يريد الإسراع يستخدم

الواقعية الجديدة في الخرطوم

الواقعية الجديدة في الخرطوم

لمسات الرئيس وحزبه

يبدو أن كثيرين مع اقتراب انتخابات الرئاسة الأمريكية باتوا يفضلون طرح السؤال عن تأثير فوز أحد المرشحين على العلاقات مع مصر..

التوسع التركي إلى أين؟

من حق الرئيس التركي أردوغان - بل من واجبه - أن يمد ذراعيه لتطال أوسع دائرة ممكنة في الإقليم، وهو لم يخفِ الغايات، وهي أنه لا ينبغي تجاهل تركيا، كما لم

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة