ضد التصور الأسطورى للشيطان «2»

20-9-2020 | 14:13

 

ما زال ملف الشر مفتوحا منذ اللحظات الأولى لخلق الإنسان، ومثل ملفات كثيرة فإن الخيال الإنساني ما زال أيضا سابحا في بحور من تصورات من محض توهماته، ويبلغ الحد بهذه التوهمات أن تصبح وقائع أكثر من الواقع الحقيقي نفسه. وقد استغل الكهنة والسحرة في الأديان والفرق الدينية قابلية التصديق العالية عند كثير من الناس لنشر هذه التوهمات وتوظيفها لتحقيق مصالح دينوية وسياسية. ويعد هذا من بين أسباب نشأة كثير من الأساطير التي مازالت تحتل مساحات كبيرة من العقل الإنساني. والغريب أنها تجد مكانها عند بعض المشتغلين بالعلوم الذين يحفظون العلم كمعلومات لكنهم لا يفكرون تفكيرا علميا نقديا.


ومع أن الشر الأخلاقي يُسأل عنه الإنسان وظروفه الاجتماعية والاقتصادية والعامة، فإن البعض يحاول أن يبرأه من المسئولية ويرميها على كائن آخر غير مرئي . وتمادت بعض الديانات وبعض الفرق الدينية ونسبت إلى هذا الكائن أي خلل كوني! ومن هذه الديانات والفرق من عده إلها يصارع إله الخير.

ووجد الإنسان نفسه محاطا بعالم من الأساطير والخرافات التي مازالت لها نفوذ على الرغم من أن هناك تيارا آخر يكافح من أجل العلم في مواجهة الخرافة. ومازال عالم الشيطان بغرائبه وقصصه الأسطورية مفتوحا. وعلى الرغم من تطور الأديان وتقدم العلم وتطور الفكر الفلسفي، فإن الإنسان مازال متخبطا على مدى التاريخ، وإلى اللحظة الحاضرة، في تفسير الشر وعلاقته بعالم الشيطان المثير، وفي كيفية التعامل معه! وبين مؤيد ومعارض، يستمر الخلاف والجدال، وتبقى الحيرة مستمرة، ويزداد التردد، ولا يتوقف الضلال، ولا تنحسر مساحة الأوهام ، ويظل البحث مفتوحا في قضية ظلت تؤرق كثيرا من الناس كما تؤرق كل من يبحث عن الحقيقة. وعلى الرغم من كل ما في الإسلام الحقيقي من عقائد تقلص مساحة الإسطورة ، فإن الأساطير مازالت تنتشر عند قطاعات من المسلمين لكنها متقنعة تحت روايات يتداولها بعض أدعياء العلم الديني.

ومثلما اختلف الناس حول الشيطان اختلفوا أيضا حول مشكلة الشر، وحول تحديد المقاصد الإلهية، وتنوعت مواقف الفلاسفة من مشكلة الشر في العالم تبعا لمواقفهم العامة من الدين وطبيعة رؤيتهم الأنطولوجية للعالم. كما تنوعت مواقف الأديان من الشيطان والشر تبعا لمواقفها العامة من الألوهية وطبيعة رؤيتها للعالم والحياة؛ فهناك من الأديان الوضعية من تفسر وجود الشر في العالم عن طريق الاعتقاد في وجود إله للشر، أو أصل منفصل له في الوجود «أصل قديم لم يخلقه الله، مثل المادة أو الظلام»، أو كائن كوني أسطوري مثل الأفعى،أو التنين، يدخل في صراع مع إله الخير، مثل: الفيدية، والهندوسية، والمجوسية، والزرادشتية بعد تحريفها، والمانوية.

وهناك من الأديان من يفسر وجود الشر في العالم عن طريق الاعتقاد في وجود شيطان أو شياطين. مع اختلاف بينها في طبيعة دور الشيطان، وكيفية التغلب عليه، فضلا عن وجود عناصر أخرى غير الشيطان لتفسير الشر في بعض الديانات .

ولا يحسبن أحد أن عصر الأساطير انتهى، بل مازال مستمرا بجوار العلم، ومازال بعض رجال الدين والسحرة يؤمنون ب الأساطير والخرافات القديمة لكنهم يلبسونها ثوبا دينيا، حتى في التاريخ الإسلامي للأسف قام الكثيرون باستخدام الأساطير القديمة في تفسير الوحي!

وإذا عدنا لخريطة الأديان العالمية نجد في كثير منها حضور أسطوري طاغ للشيطان، وإذا رجعنا إلى الديانات القديمة نجد عند المصريين القدماء أن «ست» إله الشر والانتقام والدمار، أكبر من يمثل الشيطان في الديانة المصرية القديمة، وقد عبده بعض قدماء المصريين من قبيل الخوف لا المحبة. وكان «ست» هو المعبود القومى للجنوب، وعاصمته أمبوس، وكان حيوانه المقدس كلبا بريا، وكان رمزه القوة والبأس والعواصف والرعود. ويقف ست على نقيض أخيه « أوزوريس » إله الخير والمحبة، وتروى تواريخ الأساطير المصرية أنه تآمر على قتل أوزوريس ليستولي على عرشه، ولكن إيزيس زوجة أوزوريس كانت ساحرة كبرى، نجحت فى أن تلقح نفسها من أوزوريس الميت، ثم أنجبت حورس الذي حارب عمه «ست» وانتصر عليه، واسترد العرش السليب. واللافت أن بعض المصريين مازال يستخدم كلمة «ست» لكن في موضع اخر!

وفي ديانات أخرى تجاوز دور الشيطان العالم الإنساني وامتلك قدرات كونية، ففي الديانة الفيدية الهندية أقدم الديانات الوضعية في العالم اتخذ الشر شكلا آخر، وهي تعبر عن قوى الشر في العالم بمصطلح «مايا» Maya ، وفى «الريج فيدا» تعنى مايا: التغيير المدمر أو المنكر المنافى للغير، والتغيير الشيطانى والمخادع الذي يؤدي إلى خلخلة نظام الكون، وأيضا فساد الفساد.

لكن نجد في الفيدية بجوار المايات السيئة مايات خيرة. أما المايات الخيرة فهى على نوعين:

(1) مايات المعركة: التى يستخدمها اندرا عندما يحارب الكائنات الشيطانية.

(2) المايات الخالقة: وهى متميزة عن الآلهة العليا، وفى الدرجة الأولى عن فارونا.

ويمكن اعتبار هذه المايا الكونية كمعادلة لريتا. والريتا هي النظام الكوني الشامل في الديانة الفيدية، وتمثل الطبيعة الحق التي تنظم الأشياء، فهي القانون الأبدي الذي ينظم العالم. وهكذا نرى أن المايا تتعلق ــ كما يشير مرسيا إياد ــ بمفهوم مختلط، بل متناقض، فالمايا ليس مجرد فساد شيطانى للنظام الكونى، وإنما عملية إبداعية أيضا. وفيما بعد فإن الكون نفسه سيصبح، بالنسبة للفيدانتا، تحولا وهميا ونظاما من التغيرات مجردا عن الحقيقة. وفي الديانة الهندوسية أصبحت المايا تدل على «الوهم»؛ فالعالم المادي وهم لأن الهندوسية تنظر إلى العالم المحسوس على أنه الشر بعينه الذي يجب تحرر الروح منه. ومن هنا فالمادة في الهندوسية شر، فالمادة هي «مايا»، أي وهم وخداع وباطل.

وإذا عدنا للمايا الشريرة في الفيدية نجد أنها تتعلق بالحيل والسحر، وبخاصة أنواع السحر المتعلق بالتحول لنموذج شيطانى، مثل تلك التى للتنين الجبار فريترا Vritra أو الأفعى الكونية التي هي «ماين» Mayin أى الساحرة. ومايا التى من هذا النوع تفسد النظام الكونى، فمثلا تعيق مسير الشمس وتحبس المياه. وفريترا هي الخصم اللدود للنظام الكوني، ودخلت هي وأعوانها من قوى الشر في صراع مع الإله إندرا عند بدء الخليقة.وقد كاد الشر أن يهزم الخير، حيث خاف إندرا في البداية عندما رأى فريترا، وأسرع بالهرب، لكنه عاد وتغلب عليها بقتلها.وأطلق المياه الحبيسة. فقد كان من الضروري مواجهة وقتل هذا الكائن الشرير؛حتى يمكن للوجود والكائنات أن تتولد وتنشأ بواسطة إندرا. وقام إندرا بعد ذلك بقسمة الوجود إلى عالمين: عالم علوي، وعالم سفلي، وأجبر القوى الشريرة على الانعزال في العالم السفلي، هذا العالم الذي لا يوجد فيه نظام ولا قانون ولا نور؛ فهو عالم الاضطراب والفوضى والظلام!

أساطير وخرافات وعوالم متوهمة صنعها خيال جامح وآمنت بها عقول ضعيفة، واستفاد منها رجال دين مأجورون وساعون إلى السيطرة والتحكم في العوام طلبا للذة السلطة والنفوذ والتقديس وربما أشياء أخرى! والحديث مازال مستمرا عن أساطير بعض رجال الدين في ديانات العالم المختلفة، وعلى الرغم من اختلاف تلك الديانات لكن أساليب طائفة من رجال الدين واحدة في كل تلك الديانات !

> تصويب خطأ مطبعي: العنوان الصحيح للمقال قبل السابق هو «تغيير رؤية العالم عند المسلمين»، وليس «تغيير رؤية العالم عن المسلمين».

 

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

مادة إعلانية

[x]