عشوائيات الغلابة وعشوائيات الثعالب

20-9-2020 | 14:08

 

اقتربنا من صِبْية يلعبون الكرة في حي منشية ناصر ، حاولنا أن نلتقط لهم صورة، جروا بأقصى سرعة كما لو أنهم يهربون من شبح، لكن بعد أن دخلت الطمأنينة إلى قلوبهم سألت أحدهم: لماذا خفتم من التصوير؟، صعقني رده: أحسن تعطيها للبوليس. من يومها انشغلت جدا بالعشوائيات والبناء المخالف في مصر، ماذا يحدث في تلك المناطق العشوائية ويجعل البوليس صورة حاضرة في ذهن صبي طول الوقت؟


لا أطيل عليكم، المناطق العشوائية هي أشبه بمناطق حرة أمنيا، تربة خصبة لنمو التيارات المتطرفة إجراميا ودينيا، يعشش فيها كل شيء من أول البلطجة وتجارة الصنف إلى الإرهاب والهاربين من أحكام قضائية، الحارات الضيقة الداخلة في بعضها البعض تشبه سراديب الألغاز للقادم إليها من الخارج، حتى لو كان رجال الشرطة، وتوفر وقتا وفرصا للفرار الآمن لا تقل عن الكهوف الجبلية النائية في الصحراء. تخيلوا أن 90% من مساكن منشية ناصر أو 70% من شرق عين شمس أو جنوب حي المنيب أو المنيرة الغربية على سبيل المثال ليس لها تراخيص بناء، والبناء على الكيف وعلى قدر الأيدي، حتى إن كماشة العشوائيات تحيط بالقاهرة، أقصد القاهرة الكبرى ، من كل جانب، ويقدر الخبراء عدد سكانها بأكثر من سبعة ملايين نسمة.

وخذ عندك عشوائيات الإسكندرية وطنطا ودمنهور والمحلة وشبين الكوم والمنصورة وأسيوط والمنيا وأسوان.. الخ، والعشوائيات ليست مجرد مبان وعقارات لا تلتزم بشروط بناء صحيحة أو صحية، أو مبنية على أرض مسروقة من الدولة، بل هي تصرفات وسلوكيات وعقليات وأساليب حياة، تكاد تخنقنا جميعا في كل شبر تقريبا على امتداد الوطن، فالعملة الرديئة تفرض سوءاتها في كل مكان.

كيف نترك البناء المخالف يكمل على البقية الباقية من حياتنا ولا نقف له بالمرصاد لعلنا ننقذ لأحفادنا بعضا من الحياة الصحية التي قد يستكملونها في أيامهم القادمة؟ ما كل هذا الصخب الأهوج دفاعا عن المخالفات والعشوائيات في البناء فكاكا من المحاسبة، كما لو أننا لا نعيش إلا بها وعليها؟ لماذا نترك المخالفين يستمتعون بما ارتكبوه في حقنا؟ قطعا علينا أن نفرق بين عشوائيات الفقراء وعشوائيات القادرين، عشوائيات الفقراء كانت تحت ضغط الضرورة بعد أن انسحبت الدولة من أزمة الإسكان لأكثر من أربعين سنة وتركت السوق على حل شعرها، بينما عشوائيات القادرين اختيارية، سعيا وراء مكاسب بالمليارات على حساب أي مدينة، مرافقها وبنيتها التحتية وجمالها المعماري، ولا يمكن أن نساوي بين هؤلاء وهؤلاء، فالقتل الخطأ غير القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد. عشوائيات الفقراء من أمراض الفاقة والعوز وغياب التخطيط العمراني، كحال الدويقة وعرب يسار وقلعة الكبش في القاهرة وغيرها آلاف المناطق، حتى إن الدولة تعمل على نقل أهلها إلى مساكن آدمية في الأسمرات وأخواتها.

عشوائيات القادرين من أمراض النهب والفساد وانتهاز الفرص ورشاوي المحليات، تمت تحت رعاية كبار الموظفين في الحكومة وحماية أعضاء في مجلس الشعب، حتى يهبشوا من الحب الحرام جانبا، مقابل أدوار غير مرخص بها، إخلال بالمواصفات، إهدار خطوط التنظيم، اعتداء على الشوارع والأرصفة والفراغات، وفي النهاية أبراج عاتية تخرج لسانها للتخطيط العمراني في مدينة نصر والمعادي والمهندسين واسكندرية..الخ. هذه المباني دمرت البنية التحتية لمعظم المدن، خاصة مرفق الصرف الصحي. من الغباء أن ندع عشوائيات القادرين دون أن نتحاسب عليها، خاصة أن هؤلاء المقاولين الكبار هم الذين يشعلون النار ويثيرون الغبار والدخان ضد قانون التصالح وهدم العقارات الصادر لها قرارات إزالة وجوبية، لعل الأمور تهدأ تدريجيا كما حدث عشرات المرات من قبل، كلما سقطت عمارة فاسدة أو مالت بشكل جنوني لفتت الأنظار إليها، ثم يعودون بعد شهور أو سنة إلى امتطاء حصان المخالفات، يسابقون به الحكومة ويسبقونها. ودائما عندهم حيل الثعالب في ارتكاب هذه المخالفات، وعلى فكرة أغلبهم لا يعترض على مهندس الحي الذي اتفق معه على الحب الحرام أن يعمل له محضرا بكل المخالفات، لكن واحدة واحدة، حتى يشطب عمارته ويبيع شققها ويقبض ثمنها، ويزوغ إلى قطعة أرض جديدة، فإذا صدر قرار بالغرامة أو التصالح، لم تعد العمارة ملكه..وعلى سكانها أن يدفعوا ثمن مخالفاته. وكثير من المقاولين يكتب الأرض بأسماء أقارب أو أي عابر سبيل من عائلته وأحيانا بأسماء أمهات وجدات الخفراء الذين يحرسون الأرض، ويأخذ عليهن توكيلا عاما، ويستخرج رخصة المباني بذاك الاسم المجهول، وتظل المخالفات تطارد وهما يملك رخصة بناء على أرض لا يملكها. هؤلاء المقاولون وأصحاب العمارات يجب أن يغرموا كل مليم كسبوه من الأدوار المخالفة والاعتداء على التنظيم، وأن تكتب بهم قائمة سوداء للمتهربين منهم، وتعمل لهم محاضر ضبط وإحضار.

نعم من حق الشعب أن تسترد الحكومة له أموال هذه المخالفات، وأن تصرفها على إعادة تخطيط العشوائيات الفقيرة وتطويرها، فهي في حاجة إلى عيادات ومستشفيات ومراكز خدمة اجتماعية ومدارس، وإعادة تنظيم شوارع حتى لو اضطرت إلى هدم بيوت وتعويض سكانها، وتحسين بنيتها الأساسية..ناهيك عن استكمال بناء أحياء جديدة لسكان العشوائيات شديدة الخطورة. في الوقت نفسه يجب أن تشكل لجنة قضائية وهندسية وإدارية في كل محافظة تراجع تاريخ العقارات المخالفة على امتدادها، وتتعقب المسئولين الذين تغافلوا عن تلك المخالفات، وتطبق عليهم قانون من أين لك هذا، وتصادر ثروات من لا يستطيع إثبات سلامة مصادرها، لحساب صندوق التصالح ، الذي تكشف حساباته بالتفاصيل على الشعب سنويا. أما الأرض الزراعية ، فيصدر تكليف لعمدة كل قرية بأن يكون مسئولا عن أي بناء على الأرض الزراعية ، كما لو أنه حارس عليها، فأي عمدة يعرف دبة النملة في قريته. أي نحول قانون التصالح العمراني إلى مشروع قومي.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

مادة إعلانية

[x]