كيف تسبب وفاة قاضية في زلزال غير خريطة الانتخابات الأمريكية؟

19-9-2020 | 18:40

قاضية المحكمة العليا بامريكا روث بيدر جينسبرج

 

محمد سعد

فجرت وفاة قاضية المحكمة العليا بامريكا روث بيدر جينسبرج ، عن عمر ٨٧ عاما، أزمة سياسية كبيرة أمام الديمقراطيين قبل ٤٦ يوما من إجراء الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل، فبينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث أمام حشد من متابعيه في مينسوتا تغيرت الخريطة السياسية تحت قدميه بالكامل.


انتشر الخبر بين الحشد وصرخ أحد الحضور على ترامب "جينسبرج توفيت" إلا أنه لم يسمعه واستمر في الحديث عن جو بايدن وسأل الحضور هل يجب أن يطلق عليه جو النائم أم جو البطئ، وهي إهانات اعتاد اطلاقها علي منافسه جو بايدن للتشكيك في قدراته العقلية. لم يخبر أحد ترامب بالخبر بينما انتشر كالنار في الهشيم بين الحضور الذين بدأ بعضهم بالخروج من القاعة بحسب ما ذكر جاريت هايك، مراسل قناة أم اس ان بي سي الأمريكية. مع استمرار ترامب في حديثه المنفصل عن الواقع والذي تحدث فيه للمفارقة عن المحكمة العليا وظل ترامب جاهلا بالخبر حتي أخبره أحد الصحفيين قبل صعوده للطائرة ليرد متفاجئًا "جينسبرج توفيت؟ لم أعرف بهذا لقد قادت مسيرة مهنية مذهلة."

غيرت وفاة جينسبرج، ثاني امرأة تعين عضوا في المحكمة وأكثر قضاة المحكمة تقدما وليبرالية، المشهد تماما بشكل قد يؤثر علي شكل الانتخابات المقبلة ويحول الاستقطاب من قضايا الاقتصاد والتعامل مع أزمة فيروس كورونا التي يقترب عدد ضحاياه في الولايات المتحدة من ٢٠٠ ألف.

وفاة روث بايدر جينسبرج، تعني أن ترامب يمكنه تعيين ثالث قاضي له في المحكمة العليا التي تحتل مكانة مهمة في السياسة الأمريكية لفصلها في قضايا الحقوق الإنجابية للمرأة والمنازعات الانتخابية وقضايا المساواة وغيرها من قضايا تقسم المجتمع الأمريكي وتنقسم تركيبة المحكمة حاليا الي ٥ قضاة محافظين و٤ ليبراليين منهم جينسبرج التي شغر مكانها.

عين ترامب أول قاض في المحكمة العليا في ٢٠١٧ إذ نصب نيل جورسيتش في كرسي القاضي المحافظ أنتونين سكاليا الذي توفي في فبراير ٢٠١٦، وهو الكرسي الذي يشير له الديمقراطيون بالكرسي المسروق من أوباما إذ منع الجمهوريين أوباما من ملء الفراغ الذي خلفه وفاة سكاليا عام ٢٠١٦ بحجة أن العام عام انتخابات رغم ان الانتخابات كانت تبعد ٢٦٩ يوما وقت وفاة سكاليا، ورفضوا مرشحه للمنصب ميريك جارلاند وماطلوا في تعيينه لمدة عام حتى انتخب ترامب وأتي ليعين جورسيتش ويبقي علي تركيبة المحكمة كما هي.

الحظ حالف ترامب مرة أخري بتقاعد الديمقراطي أنثوني كيندي وهو ما مكنه من تعيين قاضي جمهوري آخر هو بريت كافاناه وهو ما مكنه أيضا من تغيير تركيبة المحكمة لتميل بشكل واضح للتيار المحافظ.

وفاة جينسبرج وتعيين ترامب لقاضي محافظ يعني أن المحافظين سيحكمون قبضة حديدية على المحكمة بواقع ٦ محافظين لـ٣ ليبراليين.

ما وازن الأمور قليلا لصالح الديمقراطيين خلال الفترة الماضية هو أن رئيس المحكمة العليا وهو القاضي جون روبرتس جونيور الذي عينه جورج. بليو بوش، بدأ بالتصويت مع القضاة الليبراليون؛ بعد تعيين كافاناه لتحقيق نوع من للتوازن في المحكمة التي تتكون من ٩ قضاة ٥ منهم اليوم محافظون، ولا يخفي علي أحد أنه كان يعتقد ان بريت كافاناه كان يجب عليه التنحي عن الترشح للمنصب بعد الاتهامات التي وجهت إليه بالاعتداء الجنسي علي سيدة تدعي كريستين بالازي فورد للشهادة أمام الكونجرس وقالت إنه اعتدي عليها جنسيا ورفاقه في الثمانينيات، وتلا ذلك شهادته المخيبة للآمال التي أبدي فيها انفعالا لا يجوز لقاض ويشكك ويقوض حكمه بحسب تصريحات لروبرتس لكن الجمهوريون قرروا التغاضي عن كل هذا والمضي قدما في تنصيبه عضوا بالمحكمة. ولا يبدو أن روبرتس يستسيغ الطريقة التي يحكم بها ترامب البلاد.

اليوم يصبح توازن المحكمة العليا في أمريكا في خطر أكبر مع استمرار احتفاظ الجمهوريين بالأغلبية في مجلس الشيوخ وهو ما يمكنهم من التصديق علي مرشح ترامب للمحكمة العليا وهو مرشح يمكننا أن نقول أنه جاهز منذ فترة مع تكرار دخول جينسبرج المستشفى ومعاناتها مع السرطان لثلاث مرات وإعداد ترامب لقراءة أسماء بالفعل انتقي منها جورسيتش وكافاناه.

زعيم الأقلية الديمقراطي في مجلس النواب تشارلز شومر استعمل اقتباسا مباشرا من كلمة ميتش ماكونيل زعيم الأغلبية الجمهورية حين رفض مجرد عقد جلسات استماع للنظر في مرشح أوباما للمقعد الشاغر في المحكمة العليا ميريك جارلاند في عام ٢٠١٧ بحجة أن هذا عام انتخابات وأن الناخبين  يكون لهم صوت ورأي فيمن يعين في هذا المنصب الذي يدوم مدى الحياة ولا يملك رئيس عزل من يشغله.

ولم يكذب ماكونيل خبراً إذ أصدر بيانا قبل مرور ساعة على إعلان خبر وفاة جينسبرج يؤكد فيه أن مرشح ترامب سيحظي بجلسة تصويت في الكونجرس.

المأزق الكبير أمام الديمقراطيين هنا هو أن قضية المحكمة العليا حساسة جدا لدى الناخبين وستجعل الانتخابات المقبلة أكثر استقطابا وتمنحها زخماً أكبر، وقد تجعل الكثير من الناخبين الذين صوتوا لترامب في المرة الأولي ولا يريدون التصويت له هذه المرة أن يعدلوا عن رأيهم، فإذا مرر الجمهوريون مرشحهم فسيغير ذلك من تركيبة المحكمة لعقود خاصة وأن مرشحي ترامب ليسوا  متقدمين في السن، وسيحفز ذلك ناخبي الحزب الجمهوري على التصويت لترامب، والمعضلة أنه حتى إذا نجح الديمقراطيون في عرقلة الترشيح لضيق الوقت فسيستعمل الجمهوريون هذه العرقلة سلاحاً ضد الديمقراطيين لحث الناخبين على الخروج للتصويت لضمان وضع قاضي محافظ جديد بالمحكمة.

أمنية جينسبرج قبل وفاتها والتي أملتها لحفيدتها كانت ألا يتم ملء مكانها قبل انتخاب رئيس جديد لكن لا يبدو تحقيق أمنيتها ممكنا فماكونيل الذي وعد في٢٠١٦ بألا يتم التصديق على ترشيح للمحكمة العليا في سنة انتخابات وقال أمام الكاميرات استخدموا تصريحي ضدي إذا فعلت لا يبدو أنه يبالي بأن يظهر كمنافق فنفاقه البراجماتي يكسبه نقاطا لدي الناخبين في الغرب الأوسط وولايات الجنوب التي يأتي منها ويواجه احتمالات إعادة انتخابه لمنصبه كسيناتور عن ولاية كنتاكي والتي يواجه فيها غريما جديدا آيمي ماكجراث؛ طيارة مقاتلة سابقة بالبحرية الأمريكية؛ والتي تهدد بإزاحته عن منصبه الذي شغله لعقود الآن مع تمكنها من جمع تبرعات مالية كبيرة.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]