الدرس اليابانى والحاجة لتكوين جيش قوى

17-9-2020 | 15:53

 

بدأت الحرب العالمية الثانية عام 1939 وانتهت عام 1945 بين قوتين هما، الحلفاء ونعنى بهم دول أوروبا وفرنسا وإنجلترا ودول الكومنولث وغيرها، والطرف الثانى هو دول المحور ، ألمانيا، وإيطاليا، و اليابان ، وأدت هذه الحرب إلى وقوع ما بين50 و 85 مليون قتيل،فكانت تلك الحرب الأكثر دموية فى تاريخ البشرية. وفى ديسمبر 1941 قامت اليابان بالهجوم على الأسطول الأمريكي، بميناء بيرل هاربر، دون سابق إنذار، لتحدث به أضراراً بالغة، إذ تم إغراق أربع بوارج حربية، وإصابة أربع بوارج أخرى، بالإضافة لتدمير 188 طائرة حربية، ومقتل 2402 شخص، وجرح 1282، وقُدرت خسائر اليابان بعدد 29 طائرة مقاتلة، وأربع غواصات، وقتل وإصابة 65 جنديا.


ومقابل عِظم حجم الخسائر العسكرية الأمريكية، فى تلك المعركة، كان انتقامه الأكثر بشاعةً فى نهاية الحرب، عندما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بقصف ذرى على مدينتى هيروشيما وناجازاكي، فى أغسطس 1945، وكانت تلك الهجمات الذرية الوحيدة فى تاريخ الحرب، فأودت، هذه القنابل، بحياة 140 ألف شخص فى هيروشيما، و80 ألفا، غيرهم، فى ناجازاكي، فضلاً عما خلفته من آثار حروق وصدمات وإشعاعات نووية، وتسمم إشعاعي، امتد أثره لعقود بعدها، وكان سبباً فى وفاة أعداد هائلة من اليابان يين، فيما بعد، بأمراض السرطان. وبعد ستة أيام من تفجير القنبلة النووية، أعلنت اليابان استسلامها للحلفاء، ووقعت وثيقة الاستسلام فى 2 سبتمبر، من نفس العام.

بعدها اجتمع البرلمان اليابان ي، وقرر أن معارك هذه الحرب كلفت اليابان الكثير من الخسائر البشرية والعسكرية والاقتصادية، فضلاً عن الآثار النووية الممتدة، على الأجيال القادمة، وعليه قرر البرلمان اليابان ي، عدم دخول بلاده، أو مشاركتها، فى أى حروب قادمة، وأنها ستكتفى بمعاهدة السلام مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتى تصبح الولايات المتحدة، بمقتضاها، مسئولة عن أمن اليابان ، فأتاحت قاعدة أوكيناوا، لتكون أكبر قاعدة عسكرية تتواجد بها القوات الأمريكية، لتأمين اليابان مستقبلاً. وقرر البرلمان حل الجيش اليابان ي، والاكتفاء بعناصر رمزية، لحراسة الحدود، والسواحل البحرية، تاركين عبء الدفاع عن اليابان ، وتأمينها للولايات المتحدة الأمريكية، أمام خطر العدو التقليدى لليابان، المتمثل، حينها، فى الصين والاتحاد السوفييتي.

وبنظرة تحليلية، لقرار الإدارة اليابان ية، نجده يخالف كل مفاهيم علوم الاستراتيجية والأمن القومي، التى تؤكد حتمية أن يكون لكل دولة قوتها العسكرية الوطنية، المسئولة عن حماية أراضيها، وأمنها القومي، ومقدرات شعبها, فالدولة صاحبة الثروات الطبيعية، كالفحم والبترول والغاز الطبيعى واليورانيوم، وغيرها، لابد أن يكون لها جيش يحميها، والدولة التى تتمتع بقوة اقتصادية، يجب أن يكون لها قوة عسكرية تحمى هذا الاقتصاد، والدولة التى تتمتع بموقع جيوإستراتيجي، يتيح لها التحكم فى ممرات دولية، أو يؤهلها لتكون مركز نقل جغرافى فى إقليم أو منطقة، يجب أن يكون لها جيش قوى يحميها.

وفوجئت اليابان باحتلال الاتحاد السوفيتى جزءا من أراضيها، وهى جزر الكوريل شمال اليابان ، أمام صمت أمريكي، وتلتها الصين التى منعت اليابان من الصيد فى بحر الصين، تحت دواع تاريخية، ومرة أخرى لم تتدخل الولايات المتحدة، فتأكدت اليابان من خطأ قرار برلمانها بحل الجيش، وتوكيل دولة أخرى، مهما يكن حجم قوتها، فى الدفاع عنها، وحماية أراضيها وشعبها واقتصادها. فسارع البرلمان اليابان ى لتدارك الخطأ، بإقرار بدء اليابان فى بناء جيش وطنى قوي، يعتمد على أحدث النظم التكنولوجية، استناداً إلى الطفرات التى حققتها اليابان فى ذلك المجال، والارتكاز عليها فى تطوير صناعاتها الحربية، والجيش اليابان ى الجديد. وبدأت اليابان فى بناء جيشها الوطنى الجديد، ليصل ترتيبه إلى المركز العاشر، فى عام 2014، فى قائمة أقوى الجيوش على مستوى العالم، وتابع تطوره، وتقدمه بوتيرة سريعة، ليصل إلى المركز الخامس عالمياً، عام 2020، متقدماً على فرنسا وإنجلترا، وتالياً للولايات المتحدة وروسيا والصين والهند

وهكذا أصبح الدرس اليابان ى يدرس، الآن، فى كل معاهد وأكاديميات العلوم العسكرية،لإثبات أن فقط من يملك قوته العسكرية، يمكنه حماية أمن بلاده، وقوتها الاقتصادية، سواء كانت ثروات طبيعية أو صناعية، ولعل أبسط مثال فى منطقتنا، فى شرق المتوسط، هو استيلاء إسرائيل على بلوك رقم 9، داخل المياه الاقتصادية اللبنانية، وتقوم، حالياً، باستغلال إنتاج هذا الحقل من الغاز الطبيعي، بل وتصدير بعض إنتاجه، منتهزة ضعف القدرات القتالية للجيش اللبناني. وفى المقابل، نرى مثلا عظيما، وهو ما قام به الرئيس عبد الفتاح السيسي، فور توليه مقاليد حكم البلاد، فى عام 2014، وكانت مصر تحتل المركز رقم 13 فى التصنيف العالمى للقوى العسكرية، فقرر على الفور زيادة القدرة القتالية للقوات المسلحة المصرية، ورفع كفاءتها، وتنويع مصادر السلاح، فحصلت القوات المصرية على حاملات المروحيات المسيترال وطائرات الرافال المقاتلة من فرنسا، والطائرات ميج 29 من روسيا، وأحدث غواصات فى الترسانة العالمية من ألمانيا، حتى تقدم ترتيب القوات المسلحة المصرية، حالياً، للمركز التاسع عالمياً، لتستمر فى أداء دورها، بكفاءة، فى حماية أمن مصر القومي،على الاتجاهات الاستراتيجية الأربعة، وتأمين استثماراتها من حقول الغاز الطبيعى والبترول فى البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، وتأمين المجرى الملاحى لقناة السويس. لتكون أوفى إجابة عن بعض التساؤلات المثارة عن أسباب شراء مصر هذا السلاح، بأنه استفادة من الدرس اليابان ي، لأنه بوجود قوات مسلحة قوية، نضمن تحقيق السلام والأمن والأمان لمصرنا الحبيبة.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]