تركيا وسياسة خارجية تصادمية

16-9-2020 | 14:25

 

على عكس ما انتهجته حكومة حزب العدالة والتنمية فى تركيا فى بداية القرن الحادى والعشرين من سياسة خارجية رشيدة ترتكز على مبدأ صفر مشكلات, والذى تبناه رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو, المنشق عن أردوغان , أى إنهاء النزاعات والصراعات بين تركيا ودول الجوار وهو ما ساعد على تحقيقها معدلات تنمية اقتصادية مرتفعة, فإن السنوات الأخيرة شهدت نزوعا من جانب أردوغان نحو مبدأ إنشاء المشكلات والصراعات, وهو ما جعلها فى صدام مع الكل, فلم تعد هناك دولة او منطقة إلا و تركيا تتصارع معها, وهو ما يؤكد خطورة المشروع التوسعى الذى تمثله تركيا أردوغان ويمثل تهديدا للأمن والاستقرار فى منطقة الشرق الأوسط.


ففى العراق شكل التدخل والغزو التركى للأراضى العراقية, تحت زعم محاربة حزب العمال الكردستانى , انتهاكا للسيادة العراقية, وفى سوريا هناك الاحتلال التركى لشمال البلاد ورعاية المجموعات الإرهابية مثل داعش وجبهة النصرة وغيرهما وهو ما أدى لتعقد الأزمة السورية وإطالة أمدها, وفى ليبيا تحولت تركيا لمصدر توتر بسبب دعمها ميليشيات طرابلس وإمدادها بالمجموعات الإرهابية فى سوريا, وتمكين تيارات الإسلام السياسى وعلى رأسها الإخوان من الحكم, مما فاقم من تعقيد الأزمة وصعوبة التوصل إلى حل سياسى دائم وشامل بشأنها. كما دخلت تركيا فى صدامات وصراعات مع غالبية دول الإقليم. وفى شرق المتوسط أسهمت سياسة التصعيد وحافة الهاوية التى تنتهجها تركيا فى رفع منسوب التوتر فى المنطقة وكاد يودى بمواجهات عسكرية مع اليونان بسبب إصرار تركيا على التنقيب بشكل غير مشروع عن الغاز قبالة سواحل قبرص وداخل منطقة الجرف القارى اليوناني, وهو ما استدعى استنفارا أوروبيا وأمريكيا, حيث تضامنت دول الاتحاد الأوروبى خاصة دول جنوب شمال المتوسط الثمانية فى قمتهم مع اليونان وقبرص ضد السياسات الاستفزازية التركية وهددوا بفرض عقوبات تجارية واقتصادية قاسية على تركيا إذا تجاوزت الخطوط الحمراء فى انتهاك سيادة اليونان وقبرص, وقد قادت فرنسا الموقف الأوروبى لتحجيم التوسع التركى فى شرق المتوسط, كما دخلت على الخط الولايات المتحدة التى بلورت موقفها بشكل اكثر وضوحا وأعلنت انحيازها وتضامنها مع اليونان وقبرص , حيث اعتبرت استمرار السفن التركية الحربية فى المنطقة مصدر توتر, وطالبت تركيا بسحب تلك السفن والتوقف عن الاستفزازات.

وقد أسهم الموقف الأوروبى الجماعى المتضامن مع اليونان إضافة إلى الضغط الأمريكي, فى تراجع تركيا ونزع فتيل الأزمة واحتمالات المواجهة العسكرية بعدما قامت بسحب سفينة التنقيب عروج ريس, إلى ميناء انطاليا لتخفض نسبيا من حدة التصعيد فى شرق المتوسط لكنه لم ينه الأزمة, حيث تراجعت تركيا تكتيكيا لاستيعاب موجة الضغط الدولى وتجنب العقوبات الأوروبية والتى من شأن فرضها أن تثقل كاهل الاقتصاد التركى الذى يعانى أساسا تدهورا وتراجعا كبيرين. كما أن أى مواجهة عسكرية لن تكون فى مصلحة تركيا لأنها ستكون فى مواجهة مع الاتحاد الأوروبى كله وكذلك مع الولايات المتحدة التى قامت برفع حظر الأسلحة المفروض على قبرص منذ 33 عاما وأجرت مناورات عسكرية مع اليونان, كما عززت اليونان قدراتها العسكرية بشراء 18 طائرة رافال وأربع فرقاطات.

سياسة تركيا أردوغان الخارجية لا تعبر أو تعكس المصالح التركية العليا أو مصالح وتطلعات الشعب التركي, بقدر ما تعبر عن طموحات حزبية وانتخابية وأيديولوجية ل حزب العدالة والتنمية , فهذه السياسة التصادمية لا تحظى بتأييد الشعب التركي, خاصة مع تزايد المعارضة الداخلية لها نتيجة التكلفة العالية التى يدفعها الاقتصاد التركى بسبب تلك السياسة والتى أدت لتراجع معدلات النمو وانهيار العملة وارتفاع معدلات البطالة, فى المقابل تستهدف هذه السياسة الخارجية التغطية على الأزمات الداخلية الاقتصادية ودعم موقف حزب العدالة والتنمية ورفع شعبية أردوغان المتدنية قبل الانتخابات المحلية المرتقبة, كما أنها تستهدف تحقيق طموحات شخصية ل أردوغان , وإحياء ما يسمى إرث الدولة العثمانية, وفى سبيل ذلك يسعى أردوغان لاستنفار الداخل التركى والقوات المسلحة التركية تحت مظلة القومية والدفاع عن الثروات والحقوق التركية فى شرق البحر المتوسط, فى حين أن توظيف واستغلال تلك الثروات يتطلب التعاون المشترك مع دول المتوسط وليس التصادم.

تورط تركيا فى أكثر من جبهة فى ذات الوقت, أى فى ليبيا وشرق المتوسط, ووجودها فى العراق وسوريا, وتصادمها مع دول المنطقة, يجعلها فى موقف ضعيف فى أى مواجهة عسكرية مع اليونان, فى ظل أزمة كورونا وتدهور الاقتصاد التركى وزيادة المعارضة الداخلية للسياسة الخارجية التى ينتهجها أردوغان . كما أن ثروات الغاز فى شرق البحر المتوسط تتطلب أن يكون هناك منهج تعاون بين كل دوله من أجل استغلال تلك الثروات الضخمة, لمصلحة جميع شعوب المنطقة, وهذا بدوره يتطلب أن تغير تركيا من سياساتها الخارجية وإدارتها للقضايا والأزمات وأن تتوقف عن مشروعها التوسعى فى الشرق الأوسط وتوقف تدخلاتها فى العراق وسوريا وليبيا وكذلك وقف دعمها الجماعات الدينية المتطرفة التى تستهدف تقويض الدولة الوطنية العربية, فسياستها الخارجية التصادمية يدفع ثمنها بالأساس الشعب التركى.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

ترامب وبايدن.. أوراق القوة ونقاط الضعف

ترامب وبايدن.. أوراق القوة ونقاط الضعف

أمريكا والسودان.. من العداء إلى التقارب المشروط

أمريكا والسودان.. من العداء إلى التقارب المشروط

الخيارات الأمريكية في الضغط على إيران

تعد قضية الملف النووى الإيرانى مثالا واضحا على فشل مجلس الأمن الدولى فى أداء دوره فى حفظ السلم والأمن الدوليين وذلك بسبب اعتبارات غلبة المصالح على اعتبارات

نموذج الإمارات فى التنمية والسلام

نموذج الإمارات فى التنمية والسلام

مجلس الأمن ومشكلة سد النهضة

مجلس الأمن ومشكلة سد النهضة

واشنطن وطهران بين اللا حوار واللا حرب

دعا المبعوث الأمريكى لإيران براين هوك، طهران أن تختار بين الحوار مع الولايات المتحدة أو مواجهة الانهيار الاقتصادى نتيجة للعقوبات الأمريكية، وهو ما يلقى

العالم وإستراتيجية الهجوم والتعايش مع كورونا

العالم وإستراتيجية الهجوم والتعايش مع كورونا

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]